هل قامت الأديان بمساهمات مفيدة للحضارة ؟

برتراند راسل *
ترجمة مازن كم الماز

وجهة نظري في الدين هي ذاتها وجهة نظر لوكريتوس ( فيلسوف و شاعر روماني 99 – 55 قبل الميلاد , قيل أنه أصيب بالجنون إثر قصة حب و كتب أشعاره بين نوب جنونه , مات منتحرا , شرح في أشعاره مبادئ الإبيقورية , و أثر في مفكري عصر النهضة خاصة الإنسانيين منهم – المترجم ) . إنني أعتبره مرضا ولد من الخوف و مصدرا لبؤس هائل للجنس البشري . لكن لا يمكني إنكار أنه قد قدم بعض المساهمات للحضارة . لقد ساعد في الأيام الأولى للبشرية على وضع التقويم , و دفع الكهنة المصريين لتسجيل الكسوف بدقة بحيث أنهم أصبحوا في وقت ما قادرين على التنبؤ به . هاتين الخدمتين أنا مستعد للاعتراف بهما , لكني لا أعرف عن أي خدمات أخرى للدين تجاه الحضارة .
تستخدم لفظة الدين اليوم بمعنى فضفاض جدا . البعض , تحت تأثير بروتستانتية متطرفة يستعمل الكلمة ليدل على أية قناعات شخصية مهمة كالأخلاق مثلا أو طبيعة الكون . هذا الاستخدام للكلمة هو غير تاريخي تماما . الدين ظاهرة اجتماعية أساسا . قد تدين الكنائس بأصولها إلى المعلمين ذوي القناعات الفردية القوية , لكن نادرا ما كان لهؤلاء المعلمين تأثيرا كبيرا على الكنائس التي أسسوها , بينما كان لتلك الكنائس تأثيرا هائلا على المجتمعات التي ازدهرت فيها . لنأخذ الحالة الأكثر أهمية لأفراد الحضارة الغربية : تعاليم المسيح , فقد كان لتعاليم المسيح هذه , كما ظهرت في الأناجيل , كان لها تأثيرا محدودا جدا على الأخلاق المسيحية . الشيء الأكثر أهمية في المسيحية من وجهة النظر الاجتماعية و التاريخية ليس المسيح بل الكنيسة , و إذا أردنا أن نحكم على المسيحية كقوة اجتماعية علينا ألا نذهب إلى الأناجيل بحثا عن مادتنا . لقد علم المسيح أنه يجب أن تقدم أشياءك للفقراء , و أن عليك ألا تقاتل , ألا تذهب إلى الكنيسة , و ألا تعاقب على ممارسة الزنا . لا الكاثوليكيين و لا البروتستانت أبدوا أي رغبة قوية للالتزام بتعاليمه في أي من هذه الأمور . صحيح أن بعض الآباء الفرانسيسكان حاولوا أن يعلموا عقيدة الفقر الرسولي , لكن البابا أدانهم , و أعلنت عقيدتهم على أنها هرطقة . مرة أخرى , انظر في قوله “لا تحكم على أحد , لكيلا يحكم عليك الآخرون” , و اسأل نفسك أي تأثير كان لمثل هذا القول على محاكم التفتيش و جماعة الكو كلوس كلان ( جماعة عنصرية من البيض الأمريكيين معادية للزنوج , استخدمت العنف ضد الزنوج و قاومت حركاتهم للحصول على حقوق متساوية مع البيض – المترجم ) .

ما هو صحيح عن المسيحية صحيح أيضا بنفس الدرجة عن البوذية . كان بوذا متواضعا و متنورا , لقد ضحك و هو على فراش موته من أتباعه لأنهم اعتقدوا أنه أبدي ( لا يموت ) . لكن الكهان البوذيين – كما وجدوا مثلا في التيبت – كانوا رجعيين , طغاة و متوحشين على أعلى مستوى .
لا توجد أية صدفة في هذا الاختلاف بين الكنيسة و مؤسسها . ما أن يفترض أن الحقيقة المطلقة قد أصبحت متضمنة في أقوال إنسان ما , حتى يظهر جهاز من الخبراء لتفسير أقواله تلك , و يستحوذ هؤلاء الخبراء على السلطة مدعين العصمة , بما أنهم يحملون المفتاح إلى الحقيقة . و مثل أية فئة صاحبة امتيازات , فإنهم يستخدمون هذه السلطة لمصلحتهم الخاصة . لكنهم في جانب واحد أكثر سوءا من أية فئة أخرى صاحبة امتيازات , بما أن عملهم هو شرح حقيقة لا تتغير , يفصح عنها مرة واحدة إلى الأبد في كمال نهائي , لذلك يصبحون بسهولة خصوما ضروريين لكل تقدم فكري و أخلاقي . لقد عارضت الكنيسة غاليلو و داروين , و هي تعارض فرويد في أيامنا هذه . في أيام سلطتها الكبرى ذهبت أبعد في معارضتها للحياة الفكرية . كتب البابا غريغوري العظيم إلى أسقف ما رسالة تبدأ ب : “وصلنا تقرير لا يمكننا أن نذكره دون أن نشعر بالخجل , أنك كنت تشرح القواعد اللغوية لبعض الأصدقاء” . كان الأسقف مضطرا بفعل سلطة ملابس الأسقف ليتوقف عن هذا العمل الشرير , و لم تتعاف ( تشفى ) اللغة اللاتينية حتى عصر النهضة . ليس الدين خبيث فقط فكريا بل أيضا أخلاقيا . أعني بهذا أنه يعلم وصفات أخلاقية لا تمت بصلة للسعادة الإنسانية . عندما جرى استفتاء عام قبل عدة سنوات في ألمانيا فيم إذا كان يجب السماح للأسر الملكية المخلوعة بالاستمتاع بملكيتها الخاصة , صرحت يومها الكنائس في ألمانيا رسميا أن حرمانهم منها يعارض تعاليم المسيحية . عارضت الكنائس كما يعرف الجميع إلغاء العبودية طويلا طالما امتلكت الجرأة على فعل ذلك و هي اليوم مع استثناءات قليلة تسلط عليها دعاية كبيرة تعارض كل حركة نحو العدالة الاقتصادية . لقد أدان البابا الاشتراكية رسميا .

المسيحية و الجنس

لكن أسوأ خاصية للدين المسيحي هو موقفه من الجنس – و هو موقف مرضي و غير طبيعي لدرجة أنه يمكن فهمه فقط إذا أخذناه في إطار العلاقة بمرض العالم المتحضر وقتها في فترة انحطاط الإمبراطورية الرومانية . نسمع أحيانا كلاما عن أن المسيحية حسنت وضعية النساء . هذه واحدة من أكبر الأكاذيب في التاريخ التي يمكن الزعم بها . لا يمكن للنساء أن يحظين ( يتمتعن ) بوضعية مقبولة في مجتمع يعتبر أن الأعظم أهمية له هو ألا يخالفن وصفة أخلاقية شديدة الصرامة . اعتبر الرهبان النساء دائما فتنة ( غواية ) , لقد رؤوا فيهن فقط مصدرا للشهوات الملوثة . لقد كانت تعاليم الكنيسة و ما تزال أن العذرية هي الأفضل و لكن لمن يجد هذا مستحيلا يمكنهم الزواج . “الأفضل أن تتزوج من أن تحترق” كما عبر القديس بول عن المسألة . بجعل الزواج غير قابل للفسخ و بختم ( منع ) كل معرفة بفن ممارسة الحب , فعلت الكنيسة كل ما بوسعها لتضمن أن الشكل الوحيد من الجنس الذي سمحت به يجب أن يتضمن القليل جدا فقط من المتعة و الكثير جدا من الألم . لمعارضتها تنظيم الحمل في الواقع نفس الحافز : إذا أنجبت المرأة طفلا كل سنة حتى تموت فلا يفترض بها في هذه الحالة أن تحصل على الكثير من المتعة من حياتها الزوجية , لذلك يجب عدم تشجيع تنظيم الحمل .
فكرة الخطيئة التي تربط الأخلاق المسيحية معا هي فكرة تسببت بقدر استثنائي من الأذى , منذ أن وفرت للناس مخرجا لساديتهم التي يعتقدون أنها شرعية , و حتى نبيلة . خذ مثلا مسألة الوقاية من مرض الزهري ( السفلس ) . من المعروف أنه من خلال الإجراءات الوقائية المسبقة فإن خطر انتقال هذا المرض يمكن أن يصبح معدوما . لكن المسيحي يعترض على نشر المعرفة بهذه الحقيقة , بما أنه يعتبر أنه من الجيد معاقبة المخطئين . إنهم يتمسكون بأن هذا جيد لدرجة أنهم يريدون حتى أن يوسعوا ذلك العقاب ليصيب زوجات و أطفال المخطئين . هناك في العالم في هذه اللحظة آلاف عديدة من الأطفال يعانون من زهري ولادي لم يكونوا ليولدوا كذلك لولا رغبة المسيحيين برؤية الخطائين ( المخطئين ) و هم يعاقبون . لا أستطيع أن أفهم كيف يمكن لعقائد تقودنا إلى هذه الوحشية الشريرة أن تعتبر أنها تحمل أي تأثير جيد على الأخلاق .
ليس فقط فيما يتعلق بالسلوك الجنسي بل أيضا فيما يتعلق بالمعرفة في أمور الجنس يكون موقف المسيحيين خطيرا على سعادة البشر . كل شخص تكلف عناء دراسة المسألة بروح غير متحيزة يعرف أن الجهل المصطنع في مسائل الجنس الذي يحاول المسيحيون المتعصبون فرضه على الشباب هو خطير بشكل متطرف على الصحة العقلية و الجسدية , و أنه يخلق في أولئك الذين يحصلون على معرفتهم هذه عن الجنس من خلال الكلام “غير اللائق” ( في الشارع ) كما يفعل معظم الأطفال اليوم , موقفا من الجنس على أنه مخل بالآداب و سخيف . لا أعتقد بوجود أي دفاع عن وجهة النظر التي تقول أن المعرفة غير مرغوبة أو غير مطلوبة في ذاتها . أنا لم أكن لأضع أية حواجز في طريق الحصول على المعرفة من أي شخص في أي عمر . لكن في حالة المعرفة الجنسية خاصة فإن هناك حججا أقوى لصالحها أكثر من أي معرفة أخرى . من غير المحتمل أن يتصرف أي شخص بشكل حكيم عندما يكون جاهلا مما لو كان عالما , و من السخف جعل الشباب يشعرون بالخطيئة لأن لديهم فضول طبيعي عن شيء ما هام .
كل فتى يهتم بالقطارات . افترض أننا أخبرناه أن اهتمامه بالقطارات شرير , افترض أننا أبقينا عينيه معصوبتين كلما كان على متن قطار أو في محطة القطارات , افترض أننا لم نسمح أبدا بالتلفظ بكلمة “قطار” في وجوده و حافظنا على وسيلة انتقاله من مكان لآخر كلغز لا يمكن اختراقه ( سبر أغواره ) . ستكون النتيجة أن اهتمامه بالقطارات لن يتوقف , على العكس , سيصبح أكثر اهتماما من قبل لكن سيتشكل عنده إحساس مرضي بالخطيئة , لأن اهتمامه هذا قد قدم إليه على أنه غير لائق . كل طفل ذا ذكاء حقيقي يمكن بهذه الطريقة أن يصبح معتل ( ضعيف ) الأعصاب . هذا هو بالضبط ما يحدث في قضية الجنس , لكن لأن الجنس أكثر إثارة للاهتمام من القطارات , فإن النتائج أسوأ . كل بالغ تقريبا في مجتمع مسيحي ( مجموعة مسيحية ) هو مريض عصبيا بسبب تابو ( تحريم ) المعرفة الجنسية عندما يكون شابا أو شابة . و هذا الإحساس بالخطيئة الذي يزرع بشكل مصطنع هو أحد أسباب الوحشية , الخجل و الغباء في حياته اللاحقة . لا يوجد سبب عقلاني من أي نوع لإبقاء الأطفال جاهلين بأي شيء قد يرغبون بمعرفته , سواء عن الجنس أو عن أية مسألة أخرى . و لن يكون عندنا شعب عاقل حتى يتم إدراك هذا التأثير في التعليم المبكر , هذا الأمر المستحيل طالما كانت الكنائس قادرة على التحكم بسياسات التعليم .
إذا تركنا جانبا هذه الاعتراضات التفصيلية بعض الشيء , سيكون من الواضح أن العقائد الأساسية للمسيحية تتطلب قدرا هائلا من الفساد الأخلاقي قبل أن تقبل . يقال لنا أن العالم قد خلقه إله ما هو في نفس الوقت طيب و قادر . قبل أن يخلق العالم تنبأ بكل الآلام و البؤس الذي سيوجد في هذا العالم , إنه بالتالي مسؤول عن هذا كله . من غير المجدي مناقشة فيم إذا كان الألم في هذا العالم هو بسبب الخطيئة . في المقام الأول هذا غير صحيح , إنها ليست الخطيئة هي التي دفعت الأنهار لتغرق ما حولها أو البراكين لتنفجر . لكن حتى لو كان هذا صحيحا , لا يوجد عندها أي فرق . إذا كنت سأنجب طفلا أعرف أنه سيصبح قاتلا معتوها , فأنا المسؤول عن كل جرائمه . إذا كان الرب قد عرف مسبقا بالخطيئة التي سيرتكبها الإنسان , فإنه بكل وضوح مسؤول عن كل نتائج تلك الخطيئة عندما قرر أن يخلقه . الدفاع المسيحي المعتاد هو أن المعاناة في هذا العالم هي تنقية للخطيئة و بالتالي أنها شيء جيد . هذه الحجة بالطبع هي فقط شرعنة ( عقلنة ) للسادية , و هي في كل الأحوال حجة ضعيفة جدا . سأدعو أي مسيحي ليرافقني إلى جناح الأطفال في أي مستشفى , ليشاهد المعاناة التي عليهم أن يتحملوها , و ليستمر بعدها بالتأكيد على أن هؤلاء الأطفال قد جرى التخلي عنهم أخلاقيا لأنهم يستحقون ما الذي يعانونه . لكي يتمكن من قول هذا يجب على أي إنسان أن يدمر داخله كل شعور بالرحمة و التعاطف . يجب عليه باختصار أن يجعل نفسه متوحشا مثل الرب الذي يؤمن به . لا يوجد إنسان يعتقد بأن كل هذه المعاناة هي خير يمكن أن يبقي قيمه الأخلاقية سليمة , بما أنه عليه دائما أن يجد مبررات للألم و البؤس .

نقلا عن http://www.positiveatheism.org/hist/russell2.htm

برتراند راسل ( 1872 – 1970 ) فيلسوف و عالم رياضيات بريطاني , أحد ابرز المنشقين البريطانيين في القرن العشرين , سليل عائلة أرستقراطية انكليزية , كان من المفكرين البريطانيين القلائل ( جدا ) الذين وقفوا ضد الحرب العالمية الأولى , و طرد بسبب موقفه هذا من الجامعة البريطانية و حكم عليه بغرامة رفض دفعها و سجن بسبب ذلك , فصل من جامعة نيويورك عام 1940 بحكم قضائي بسبب أفكاره عن الجنس و الزواج , عارض راسل التسلح النووي و وقع مع عشرة علماء و مفكرين آخرين في 1955 ما أصبح يعرف ببيان راسل – آينشتاين المعارض للتسلح النووي , كان من أبرز منتقدي حرب فيتنام و مزق في عام 1965 بطاقة عضويته في حزب العمال البريطاني بسبب رغبة الحزب يومها بإرسال جنود بريطانيين إلى فيتنام , و حذر في 1969 من محاكمات شكلية لمنتفضي براغ 1968 و طلب في نفس الوقت من أمين عام الأمم المتحدة الموافقة على تشكيل هيئة عالمية للتحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبتها الولايات المتحدة في فيتنام و قدم احتجاجا لألكسي كوسيغين بسبب طرد الكسندر سولجينتسن من اتحاد الكتاب السوفييت . آخر بيان سياسي له كان في 31 يناير كانون الثاني 1970 ضد العدوان الإسرائيلي على البلدان العربية مطالبا بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي المحتلة عام 1967 . توفي في 2 فبراير شباط 1970 في منزله بالأنفلونزا . برتراند راسل الذي ولد في 18 مايو أيار 1972 في ويلز كان أحد أجمل المنشقين و المتمردين في القرن العشرين و أكثرهم جرأة و اتساقا حتى النهاية , عند موته لم تجر له أية مراسم دينية حسب طلبه الشخصي …..

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s