عن قصتي مع الإلحاد

مازن کم‌الماز

– لا أعتقد أنه يمكن لسارتر أو غيره أن يكتب قصة أو مسرحية كابوسية بما يكفي لتعبر عن واقع البشر , فقط لفهم ما يعنيه رجال اللاهوت و رجال الدين بالقضاء و القدر , بالظلم الاجتماعي , بالفقر , بالمرض و الألم و الموت كقدر محتوم إلهي , و لفهم حقيقة الإله الذي يتحدثون عنه أقدم لكم هذا المثال : لنفترض أن ملكا , سلطانا , إمبراطورا , قديسا , إماما , أمينا عاما , أو ابنا لأي من هؤلاء , يحكم بشكل مطلق ألف شخص , قد قرر أن يعطي 3 أو 4 منهم مليون دينار أو درهم أو دولار , و أعطى عشرين أو ثلاثين آخرين ألفا أو ألفين , و حكم على البقية بأن يأكلوا الحشائش و بقايا موائد العشرين أو الثلاثين الشبعانين , ثم قال لجلاديه : اقتلوا مائة من هؤلاء الألف , لا تفرقوا بين رجل و امرأة , بين طفل أو شيخ , اقتلوه بعد أن تعذبوه بكل صنوف العذاب و الآلام التي تعرفون , ثم فكر قليلا و قال أخيرا لجلاديه : بعد أن ينجبوا أطفالا , عبيدا جدد , اقتلوا الجميع ! ( هذا هو المعنى الحقيقي للمرض و الموت ! ) يمكن أن يكون هذا فعل قوة غير واعية , فعل أمنا الطبيعة , التي أنجبتنا عفوا , لكن أن يكون هذا من فعل قوة واعية , إله أو غيره , فلا يمكن الحكم على مثل هذا الوعي إلا انه مريض في أحسن الأحوال , و حتى مجرد ترديد مثل الكلام يتطلب الكثير من انعدام الأخلاق و البلادة تجاه معاناة الآخرين و حتى نزعة مازوخية قوية لاعتبار الألم الشخصي الذاتي شيئا مستحقا على جرائم لم نرتكبها , الأمر الذي ندرب عليه بكل مهارة و إصرار طوال حياتنا الواعية , في أضعف الأحوال يشترط الدفاع عن مثل هذا الإله اعتبار الألم , الفقر , الظلم الاجتماعي و الاستغلال و العبودية شيئا طبيعيا , إن لم يكن شيئا جيدا , و أخلاقيا , أي حق , أي وجدان , أي قلب , أي إنسان , يستطيع تحمل مثل هذه الهمجية ؟

– عندما حطم إبراهيم الأصنام لأنها لا تضر و لا تنفع وضع معايير واضحة للآلهة الفعلية بحسب الكتب السماوية نفسها , على تلك الآلهة في أضعف الأحوال أن تدافع عن نفسها , دفاع بعض البشر عن آلهتهم شيء يتعلق بحريتهم أي بحريتهم كبشر و ليس بأي شيء آخر , لكن بعيدا عن حرية المؤمنين التي يستحقونها لأنهم بشر فإن دفاع مخلوقات ضعيفة فانية كالبشر عن أي إله يصمت على إهانته هو كما قال إبراهيم دليل على عجز ذلك الإله و ليس على طيبته
– الله الواحد الأحد , الفرد الصمد , هل كان أيا منا سيكون سعيدا بمثل هذه الحالة ؟ هل الوحدة الأبدية المرعبة و البلادة الكاملة هي التعبير الأمثل عن السعادة أو عن الكمال أو التفوق أو التميز ؟ هل القدرة على تعذيب الآخرين و على قتلهم و إفنائهم بكل صنوف العذاب و القتل الفردي و الجماعي ( فالموت هو في النهاية كما يعتقد رجال الدين و المتدينين هو تحديهم الأساسي إن لم يكن الوحيد في وجهنا كبشر و في مواجهة وعيهم الإنساني نفسه ) هي التعبير عن التفوق و التميز و هل يمكن أن تكون بأي حال من الأحوال مصدرا للسعادة الذاتية عند أي كائن واعي , إلا إذا كان من جنس هتلر و مبارك و الأسد ؟
– الضعف البشري و حتى العجز البشري هو مصدر إلهام رجال الدين و الأنبياء و القديسين ( و لكن أيضا كل أزلام الطغاة و جلاديهم الفكريين العلمانيين منهم أيضا ) , خاصة لحظة الموت , “و ما بعدها” , حيث يمكن إضافة أهوال لا تنتهي إلى مرارة و هول الموت نفسه .. في النهاية يتفق كل أزلام الطغاة على أن الإنسان يحتاج لأن يكون عبدا على الدوام , علمانيين و متدينين , مسلمين و مسيحيين و يهودا , ستالينيين أو ليبراليين , أن الإنسان ولد ليعيش عبدا و ليموت عبدا , و أن مغامرته , حلمه بالحرية ليست إلا وهما
– قد لا نستطيع أن نقهر الموت , نحن أبناء هذه الطبيعة في النهاية و خاضعون لحكمها , لكن يمكننا أن نقهر الطغيان , أن نقهر الاستبداد , أن نقهر الاستغلال , ينهض العبيد دائما في وجه سادتهم , صحيح أنهم يموتون أخيرا , على يد سادتهم السابقين في كثير من الأحيان و دون أن يبارك موتهم أي رجل دين , لكنهم يعيشون أحرارا و يموتون أحرارا , فهذا في النهاية هو حقيقة إنسانيتنا كما أزعم
– لا شك أن الكثير من الحروب قامت بسبب أفكار إلحادية كما بسبب الأديان , و لو أن الأديان و الأفكار ليست هي التي تتصارع حقا في الحروب , من يتقاتل و ينتصر في الحروب ليست الأديان و لا الأفكار , بل الجيوش , الجنرالات , الدبابات و وسائل القتل الجماعي الأخرى , الأفكار تتصارع فقط في العقل , في حوار العقول الحر , و في الحياة خاصة عندما تحسن حياة البشر , علاقة الفكر أو الدين بالقوة , بالسلطة , بالعنف هي نفسها : العنف , السلطة , الإكراه يستخدم لفرض الدين و “الفكرة” و خلق آليات تأبيده من تكفير و تخوين و حكم بقتل المرتد أو الخائن و خلق كراهية الآخر و قتل أي روح أو نزعة للتمرد و للتفكير المستقل خارج السائد , الأديان و الأفكار السائدة حتى اليوم قامت على العنف و الإكراه , ضد الأتباع كما ضد “الأعداء” , على ممارسة الإكراه و العنف ضد أتباع تلك الديانات أو تلك الأفكار و فرضها على أتباعها بحيث تلغي وجودهم و تعطل تفكيرهم الفعلي و تحولهم إلى مجرد أدوات لصالح الطغمة التي تعتبر أنها تمثل و تختزل الفكرة أو الدين , بحيث تكون التضحية في سبيل تلك الفكرة أو ذلك الدين هي المعنى الوحيد لسعادتهم أو حتى لوجودهم , لا يستحق البشر شيئا , مصيرا أفضل , هكذا يعتقد الطغاة و كل أزلامهم
– هذا لا يعني إلغاء الأديان أو سائر الأفكار الشمولية بقرار من أعلى كما جرى في روسيا الستالينية أو تركيا الأتاتوركية , الحرية هي الشيء الوحيد الذي لا يمكنك أن تجر الناس إليه جرا كالأغنام , أي كلام كهذا يعني فقط حرية مزيفة , بل عبودية حقيقية في أحسن الأحوال , يجب هنا أن نرى الفارق الهائل جدا بين أن يحكم المؤمنون أنفسهم بأنفسهم كأشخاص , كبشر متساوين فيم بينهم و أحرار , يملكون مصيرهم بأيديهم , و أن تحكمهم طغمة ما تزعم العصمة و تدعي تمثيل فكرة – دين – أو مقدس ما غير قابل للنقد و بالتالي تعلن نفسها فوق كل البشر الآخرين الذين ليس أمامهم إلا الخضوع لها , و لا يملكون حتى حق انتقادها دون أن يصبحوا بذلك مرتدين أو خونة أو كفارا أو ………
– القوانين الدينية و الوضعية توضع لحماية الأوضاع السائدة و للدفاع عنها في وجه من تضطهدهم أولا و في وجه أي محاولة لتغييرها , تطور البشر من خلال التمرد على واقعهم و على أوضاعهم , و على تلك القوانين التي تعبر عن تلك الأوضاع , القوانين لم تسهم في تطور البشر و هي غالبا ما كانت عقبة أمام الأفكار و الاكتشافات الجديدة , لا توجد قوانين أو اكتشافات منسوبة لقديسين أو أنبياء أو صحابة أو أئمة , أنا و كثيرون غيري ممن ولد لأبوين مسلمين نؤمن بنسبية آينشتاين اليهودي و جاذبية نيوتن المسيحي , ليس بسبب يهوديتهما أو مسيحيتهما بل بسبب معقولية ما قالاه , لأنه يفسر العالم من حولي و لأنه ساعدنا كبشر في أن نعيش بشكل أفضل , تقول الكتب السماوية أنه عندما كانت كل القوى الطبيعية بتصرف النبي سليمان ما فعله عندها هو أنه بنى معبدا , و أرسل الجن ليأتوه بعرش بلقيس , لا تحدثنا الكتب المقدسة أن سليمان قد استخدم خاتمه ليطعم و لو شعبه على نحو أفضل أو ليعالج الأمراض مثلا , يستخدم القديسون و الأنبياء المرض لكي يشفوا الناس فقط كدليل على نبوتهم أو قداستهم , لكن حياة دون مرض ليست هي هدف أي دين من الأديان , و الموائد أو الطعام أيضا يستخدم كمعجزة فقط , لكن ليست أحد معجزات الأديان أو الآلهة أن يشبعوا البشر طوال الوقت , مهمتهم الحقيقية هي أن يبرروا جوعهم أغلب الوقت , الطغاة المعاصرون الملحدون أيضا فعلوا نفس الشيء , بنوا أصناما تدل على سيطرتهم و فرضوا تأليههم على مجتمعاتهم و استخدموا أفكار دنيوية أخرى و مختلفة لتبرير الجوع و الفقر و التهميش و استغلال الإنسان , لا يفكر الطغاة و الأنبياء أو القديسين في البشر العاديين إلا على أنهم شهداء , ضحايا , أشياء للاستعمال , أحيانا للاستعمال مرة واحدة فقط ثم يجري التخلص منها
– في عالم البشر لا يوجد أي مقدس حقيقي إلا تلك القيم التي يعني أن يعيش هؤلاء البشر حياتهم كبشر , الحرية , العدالة , المساواة , في عالم البشر الطغيان و الاستغلال و الاستعباد ليس مقدسا , إنه وصمة عار , قيد , نير , يجب تحطيمه مرة واحدة و إلى الأبد هذه المرة

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s