الرفيق العزيز فؤاد محمد , الرفاق في اليسار العربي و العالمي

مازن كم الماز

– أولا أعتذر بشدة لتأخر ردي على تعليقاتكم و هواجسكم بسبب ظروفي الخاصة
– الحقيقة أن انعدام الوضوح هو صفة ملازمة لأية ثورة , إن لم يكن لأي تغيير , لكن هذا لا يمكن أن يعتبر عائقا أمام التغيير نفسه , خاصة إذا كان بإلحاحية و حجم التغيير المطلوب عربيا و سوريا , صحيح أنه يمكن أن يحل شكل جديد من الاستبداد و الاستغلال محل الشكل القائم , لكن هذا يشكل سببا و دافعا للنضال مع الجماهير ضد مثل هذا الاحتمال , و ليس للاستسلام لأنظمة الاستبداد و الاستغلال القائمة أو القادمة
– أيضا لا يمكن لتخويف النظام السوري , و أي نظام آخر على وشك السقوط , من بدائل شمولية محتملة له أن يعتبر أيضا سببا لاعتبار الخضوع و الاستسلام للقهر و الظلم و القمع الذي يمارسه و يجسده النظام القائم و لرفض الانخراط في عملية التغيير التي يقودها الشارع , واضح أن الشارع الثائر لا يلقي بالا لمثل هذا التخويف المنهجي لأنظمة الاستبداد من العيش بحرية أو من دونها … هل كان سيكون هناك أي معنى لمطالبة الفلاحين و فقراء المدن الفرنسيين في 1789 بالاستسلام لاستبداد لويس السادس عشر بتخويفه من ديكتاتورية بونابرت القادمة , أو مطالبة الجماهير الإيرانية بالاستسلام لسافاك الشاه بتخويفه من الحرس الثوري و باسيج ديكتاتورية الخميني القادمة ,

– لا أدري إن كان بمقدوركم تصديق هذا أم لا , لكني شخصيا لا أعتقد أن أي نظام سيأتي بعد نظام الأسد سيكون أسوأ منه ,
– ذكرنا البعض بالنقد القاسي الذي مارسه التحرريون السوريون تجاه اليسار السلطوي اللبناني الذي أيد دون تحفظ القيادات الإسلامية التقليدية و القوى السياسية التي تعبر عن الإقطاع السياسي لدى الطوائف الإسلامية أو غير المارونية في الحرب الأهلية و الذي طمس معالم خيار اليسار و الأهم معالم خيار الجماهير المستقل عن النخب الطائفية و الاجتماعية السائدة , لكننا اليوم لا نقف إلى جانب القوى الإسلامية في المعارضة السورية و لا إلى جانب المعارضة نفسها , إننا نقف إلى جانب خيار الجماهير و ننبهها باستمرار إلى أن هذا الخيار ليس فقط مستقل و نقيض لخيار استمرار النظام السوري القائم بل أيضا لخيارات القوى الشمولية في المعارضة نفسها إن لم يكن للمعارضة بأسرها , إننا نميز هنا بين قوى الإسلام السياسي و بين الجماهير المؤمنة أو حتى المتدينة من المضطهدين التي تشارك في صنع الثورات الحالية , نحن لا نتزلف لهذه الجماهير , لا نؤلهها , و أيضا لا نرغب بممارسة دور المعلم أو الملقن و الموجه معها , إننا باختصار معها في نضالها , ننتقد الظواهر السلبية في هذا النضال , نقدر شجاعتها و إصرارها على انتزاع حريتها , و نحاول أن نشرح مفهومنا التحرري عن هذه الحرية , على كل الصعد الاجتماعية و السياسية و الفكرية و العقيدية , يخطآ من يعتقد أن الجماهير التي منحت النهضة في تونس بعد الثورة مثلا الغالبية في المجلس التأسيسي تنتظر استبدال مدائح الطاغية الهارب بمدائح نبوية أو للصحابة أو الأئمة , تنتظر الجماهير حرية حقيقية و ان تحصل على عمل و مستقبل جدير بتضحياتها , هل سيكون الإسلام السياسي قادرا على ذلك بكل إرثه المثقل بالاستبداد و تبريره و تبرير الاستغلال , و بمؤسساته الهرمية و إيديولوجيته الإقصائية التي كرست و تكرس الاستبداد و الظلم و القهر الاجتماعي فكريا , أعتقد أن الجماهير التونسية و العربية عموما ستحتفظ بكمون ثوري عالي لفترة طويلة , كما أعتقد أن ألاعيب الساسة و ألاعيب السياسة النخبوية الفوقية بين من فازوا و سيفوزون في الجولة الأولى من الانتخابات في تونس و مصر ستكشف عن مرحلة جديدة من الأزمة في النظام و الثقافة السياسية السائدين , بين تلك الألاعيب التي تقوم على المحاصصات و المساومات التي تقوم على المصالح الأنانية الضيقة للساسة و أحزابهم و تكريس علاقات الإنتاج و الملكية القائمة على استغلال قلة للغالبية العظمى “كما صرح بذلك الغنوشي صراحة” و أيضا تكريس علاقات التبعية تجاه مراكز الميتروبول الرأسمالية التقليدية , و بين أحلام و رغبات الجماهير المنتفضة في حرية و عدالة حقيقيتين و في وضع حد للاستغلال و الظلم الاجتماعي , هذه المرحلة القادمة من أزمة النظام السياسي و الاجتماعي السائد هي التي ستطرح على الجماهير تطوير ثوراتها باتجاه تحرري فعلا و تجاوز أشكال السلطة النخبوية التي تنتجها “صناديق الانتخابات” و ستطرح على النخب الحاكمة الجديدة إعادة إنتاج أدوات و أساليب القمع القديمة و خلق أدوات و أساليب أخرى جديدة لاحتواء تطلعات الجماهير هذه و إعادة لاستقرار للنظام السياسي و الاجتماعي القائم بقمع و سحق الموجة الثورية , باختصار , أعتقد أنه كان في أية ثورة و هذا أيضا يوجد في الثورة السورية , خيار آخر إلى جانب خيارات القوى السلطوية المتنافسة التي تعبر عن الطبقات الاجتماعية المستغلة المهيمنة أو التي تنافسها على الهيمنة , هذا هو خيار المضطهدين , خيار الجماهير المهمشة و المستغلة و المستلبة , هذا هو خيارنا ,
– هناك الآن فرز واضح و شبه نهائي في صفوف اليسار العربي , هناك من ينوح على أطلال الأنظمة الشمولية التي تتهاوى تحت أقدام الشعوب , و من يرثي الطغاة الذين يتساقطون و سينضم إليهم قريبا ما تبقى من القوميين العرب الذين يتقمصون هذه الأيام وضعية ستالينيي الثمانينات و التسعينيات الذين لم يجدوا بعد سقوط الأنظمة الستالينية في شرق أوربا إلا البكاء على الأطلال و التشفي بالحركة الشعبية التي أسقطت تلك الأنظمة فقط لتقع تحت سيطرة نخب جديدة قديمة جاء بعضها من البيروقراطية الحاكمة سابقا و التي مارست و تمارس هي أيضا التهميش تجاه الناس و تستغلهم بشكل قد يكون أكثر لطافة لكنه بكل تأكيد ليس أقل همجية من أنظمة رأسمالية الدولة البيروقراطية الستالينية , و هناك بالمقابل من يدعم الموجة الثورية الحالية بدرجات مختلفة , أعتقد أنه إذا كان من الممكن التعايش بين هذه القوى تحت شعارات تجمع الفهم الستاليني للبديل الطليعي أو النخبوي و بين الفهم التحرري للبديل الجماهيري الديمقراطي “القائم على الديمقراطية المباشرة البروليتارية حقا” فإن هذا يصبح أكثر استحالة اليوم , هذا نشاهده بكل وضوح سوريا , في طرف مجموعتي فيصل أو النور و بكداش “المتحالفين” مع النظام و معهما تيار قاسيون “المعارض” على طريقة المنحبكجيين , و من جهة قوى يسارية صغيرة مختلفة تعلن التصاقها مباشرة بالانتفاضة و في الوسط بينهما يوجد تجمع اليسار الماركسي و حلفاؤه في هيئة التنسيق ,
– يعني ما يقوله أتباع النظام و من يسير على نصيحتهم من “اليساريين” العرب , القول للجماهير السورية – أنتم غير ناضجين بعد لكي نحكمكم , لستم “علمانيين” و “تقدميين” بما فيه الكفاية لنحكمكم , أو بالنسبة للأقل ستالينية , أنتم غير ناضجين بعد لتحكموا أنفسكم , ابقوا خاضعين للديكتاتورية و سنحاول أن نقنع الديكتاتور بضرورة أن يغير شيئا ما في طريقة استعبادكم و استغلالكم , أنتم غير ناضجين بعد لأي درجة من الحرية , و عليكم لذلك أن تبقوا عبيدا حتى ذلك اليوم المشهود
– من قال أن الجماهير غير ناضجة , عمال بتروغراد و روسيا و فلاحو أوكرانيا الذين كانوا قبل شباط فبراير لا “يفقهون” في السياسة “طبعا بشكلها السلطوي و النخبوي” و ربما في أي شيء آخر إلا القليل جدا بسبب الأمية و التجهيل كانوا هم من أسقطوا واحدة من أشرس و أقدم الملكيات على الأرض و شكلوا مؤسسات السوفييتات و لجان المصانع و القرى و الأحياء ليديروا حياتهم من دون وصاية من اية نخبة , ربما كان للعمال و الفلاحين الإسبان في عام 1936 تجربة مجالس العمال في روسيا و ألمانيا و إيطاليا , لكن العمال و الفلاحون و الجنود الروس أنفسهم تصرفوا في عامي 1905 و 1917 بمبادرتهم الذاتية فقط , من هو غير ناضج اليوم لمثل هذه الحرية الحقيقية للجماهير هو اليسار السلطوي و الستاليني بالتحديد , إننا نرفض الموقف اللينيني النفعي أو حتى الانتهازي من شعار كل السلطة للسوفييتات الذي كان يفترض أن يعني كل السلطة للجماهير , لكن لينين و القيادة البلشفية أيدت هذا الشعار فقط عندما كان يعني هيمنة القيادة البلشفية نفسها و حرمان الجماهير من أي سلطة فعلية , بالمناسبة فإن بعض اليساريين التحرريين السوريين اقترح شعار كل السلطة للجماهير , كل السلطة للتنسيقيات , لكن بالنسبة لنا تعني سلطة المجالس الشعبية و العمالية , تعني شيئا واحدا فقط – كل السلطة للجماهير , فقط لا غير
– لا يمكن في الثورات أن تشترط على القوى العفوية و الواعية , الموضوعية و الذاتية التي تتحرك بفعل دينامية خاصة معقدة , من فعل عوامل الثورة و التغيير و الردة و الرجعية و الحفاظ على الأمر الواقع , المهم جدا إلى جانب محاولة فهم هذه الدينامية و هي عملية بطيئة خوض غمارها بكل قوة مع أكثر القوى الجماهيرية إصرارا و وعيا و ثورية في مواجهة الواقع القائم و قواه
– لا يمكن لأحد أن يتنبأ بالمستقبل أو حتى أن يوصف اللحظة الحالية في التاريخ كما كانت الرواية الرسمية في اليسار العربي و العالمي تردد عن “قديسيها” أو “أنبيائها” , أين نحن الآن , في عام 1848 أوروبيا , أم 1905 أو 1917 روسيا , أم 1979 إيرانيا , أم 1989 في شرق أوروبا , من يملك الجواب هو الغد فقط , لكن الأكيد أن تطور الإنسان باتجاه تحقيق أحلامه في الحرية و العدالة و المساواة لم يبدأ بتخيل عبقري ما يعيش في برج عاجي لمخطط مستقبلي ما , لقد بدأ كل شيء بثورة , هذا ما تفعله الجماهير اليوم و هذا ما علينا أن نخوضه معها بكل حماسة و قوة حتى ذلك الغد القادم

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s