الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 10

الحاجة للتنظيم

النظرية الأناركية لم ترى نفسها كمرادف لعدم التنظيم. برودون كان الأول الذي قال أن الأناركية ليس الفوضى بل النظام، إنها النظام الطبيعي في مواجهة النظام المصطنع المفروض من الأعلى، إنها الوحدة الحقيقية ضد الوحدة الخاطئة التي أتت عبر القيود. مثل هذا المجتمع “يفكر، يتحدث، ويتصرف كإنسان، بالضبط لأنه لم يعد يمثل من قبل إنسان، لم يعد يعترف بالسلطات الشخصية؛ لأن، مثل كل كائن حي منظم، مثل باسكال لانهائي، يملك مركزه في كل مكان ومحيطه غير موجود”. الأناركية هي “مجتمع حي ومنظم”، “درجة عالية من الحرية والنظام حيث يمكن للإنسانية أن تبدع”. ربما بعض الأناركيين يفكرون بشيء مختلف لكن الايطالي ايريكو مالاتيستا قال لهم أن ينتظموا:

“في ظل نفوذ التعليم السلطوي المقدم لهم، إنهم يظنون أن السلطة هي روح التنظيم الاجتماعي وينكرون الأخيرة من أجل منافسة الأول … هؤلاء الأناركيين المعارضين للتنظيم يقومون بخطأ أساسي بالاعتقاد أن التنظيم مستحيل بدون سلطة. بقبولهم بهذه الخلاصة رفضوا كل أنواع التنظيم بدلا من القبول بالحد الأدنى من السلطة … إذا اعتقدنا أن التنظيم لا يمكن أن يوجد لا سلطة سوف نصبح سلطويين، لأننا سوف نبقى نفضل السلطة التي تسجن وتسكت الحياة على عدم التنظيم الذي يجعل الأمر مستحيل”.

الأناركي فولين من القرن العشرين طور وأوضح هذه فكرة:

“خطأ أو أكثر، خطأ متعمد، التفسير الذي يزعم أن المفهوم التحرري يعني غياب كل التنظيم. هذا خطأ بالكامل: إنها ليست مسألة التنظيم أو عدم التنظيم، لكن مبدأين مختلفين في التنظيم … طبعا، يقول الأناركيون، المجتمع يجب أنت ينظم. لكن، التنظيم الجديد … يجب أن يتشكل بحرية، اجتماعية، وقبل كل هذا من الأسفل. مبدأ التنظيم يجب أن لا يناقش من نقطة خلقت من أجل الاستيلاء على الكل وتفرض ذاتها عليه لكن بالعكس إنها تأتي من كل الجوانب لخلق تنسيق، مراكز طبيعية لخدمة كل هذه النقاط … من ناحية أخرى النوع اآخر من التنظيم، المنسوخ من ذلك المجتمع الاستغلالي والاضطهادي القديم … سوف يضخم كل عيوب المجتمع القديم … إنه يمكنه إذا فقط أن يتحقق عبر وسائل الحيلة الجديدة”.

في الواقع، الأناركيون لن يكونوا فقط أنصار تنظيم جديد بل “منظمين من الدرجة الأولى”، كما أقر هنري ليفيبفير في كتابه عن الكومونة. لكن هذا الفيلسوف ظن أنه رأى تناقضا هنا “التناقض المفاجئ الذي نجده يتكرر في تاريح حركة الطبقة العاملة حتى الزمن الحاضر خصوصا في اسبانيا.” إنه يمكن فقط “أن يدهش” هؤلاء الذين يرون أن التحرريون غير منظمون في الأصل.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com

Advertisements

الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 9

بحثا عن مجتمع جديد

الأناركية ليست خيالية

لأنها تسعى أن تكون بناءة، فإن الأناركية ترفض أولا اتهامها بالخيالية (اليوتوبيا). ترتكز على المنهجية التاريخية في إثبات أن مجتمع المستقبل ليس من ابتكارها، بل هو نتيجة للعمل التاريخي السري، حيث يؤكد برودون أن “السرية” دعمت الانسانية وتم سحقها في ظل نمط سلطوي لا يرحم، منذ ستة آلاف سنة: “لقد كان المجتمع ينتج ببطء نظاما جديدا يعبر فيه عن حيويته وعن استقلاليته بعيدا عن الحكومة والمؤسسات السياسية”.

لكن الحكومة المضرة قد تحتوي على نفيها. لقد كانت دائما “ظاهرة للحياة الجماعية، النشاط العام لقوى قانوننا، تعبير عن العفوية الاجتماعية، كله يخدم تحضير الإنسانية لحالة أعلى. ما تهدف إليه الانسانية وتسميه “الاله” هي نفسها. ما يريده المواطن في الحكومة هو ذاته، إنه الحرية”. الثورة الفرنسية سارعت بهذا العناد للتقدم نحو الأناركية: “اليوم الذي يحدد فيه آباؤنا مبدأ النشاط الحر لكل قدرات الإنسان كمواطن، في ذلك اليوم السلطة كانت منكرة في الجنة وعلى الأرض، والحكومة ولو حتى بالتفويض أصبحت مستحيلة”.

الثورة الصناعية قامت بالباقي. منذ ذلك الوقت السياسة أخذت بالاقتصاد والحقت به. الحكومة لم تكن قادرة على الهروب من المنافسة المباشرة للمنتجين وأصبحت في الحقيقية ليست أكثر من علاقة بين الاهتمامات المختلفة. الثورة كانت مكتملة بنمو البروليتاريا. بغض النظر تأكيداتها، السلطة أصبحت اليوم تشرح فقط الاشتراكية: “القانون النابليوني أصبح غير مفيد في المجتمع الجديد كما الجمهورية الأفلاطونية: خلال سنوات قليلة القانون المطلق للملكية سوف يستبدل بكل مكان بالقانون النسبي والمتحرك للشركات الصناعية، وعندها سوف يكون مهما أن تعيد بناء القلعة الكرتونية من الأعلى إلى الأسفل” باكونين، بدوره، اعتبر “أن الخدمة الهائلة والمستحيلة الانكار المقدمة للإنسانية من الثورة الفرنسية التي هي الأب لنا كلنا”. مبدأ السلطة قد انتهى من وعي الناس للأبد والنظام المفروض من الأعلى منذ الآن أصبح مستحيلا. كل ما يبقى هو “تنظيم المجتمع حتى يمكنه العيش بلا حكومة”. باكونين ارتكز على تقليد شعبي للوصول لهذاز “بدلا من الرعاية المؤذية والاضطهادية للدولة”، الجماهير تملك عبر قرون “عفوية طورت في أغلبهم إذا ليس كلهم العناصر الأساسية للنظام المادي والأخلاقي للوحدة الإنسانية الحقيقية”.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com

الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 8

مصادر الابداع: الجماهير

من ثورة 1848 اكتشف برودون أن الجماهير هي القوة المحركة للثورات. في نهاية 1849 كتب برودون: “إن الثورات لا تملم محرضان، إنها تحصل عندما يومئ القدر، وتنتهي مع نهاية تلك القوة الغامضة التي أطلقتها”. “كل الثورات حصلت بفضل عفوية الشعوب وإذا ما الحكومات أحيانا قد لبت مبادرات الشعب فقد فعلت ذلك بسبب الاكراه أو الاجبار على ذلك. هذه الحكومات في جميع الحالات تقريبا قد منعت، اضطهدت، قمعت”. “عندما يترك الشعب لغرائزه فإنه يرى دائما بشكل أوضح إذا ما قيد بسياسة قادته”. “إن الثورة الاجتماعية لا تحدث بسبب أوامر قائد يحمل نظريته الجاهزة، أو بسبب أمر رسول موحى له. بالرغم من أن لها رسلها ومنفذيها، إن الثورة الحقيقية العضوية ليست نتاج عمل شخص معين”. إن الثورة يجب أن تقاد من الأسفل لا من الأعلى. بعد تجاوز المرحلة الثورية يجب أن تكون عملية إعادة البناء الاجتماعي من عمل الجماهير نفسها. إن برودون يؤكد على “شخصية واستقلالية الجماهير”.

باكونين يكرر أن الثورة الاجتماعية لا يمكن أن تنظم أو تؤمر من الأعلى، بل لا يمكن أن تحصل وتصل إلى تطورها الكامل إلا عبر النشاط العفوي والدائم للجماهير. الثورات ” تأتي مثل اللص في الليل”. “إنها “تنتج من قوة الأحداث”. إنها طويلة التحضير في عمق الوعي الغرائزي للجماهير الشعبية ثم تنفجر، وفي أحيان عديدة لأسباب واهية ظاهريا. “يمكن ترقب الثورات، الشعور بقربها، ولكن لا يمكن أبدا تسريع انفجارها”. “إن الثورات الاجتماعية الأناركية تأتي بعفوية من قلوب الشعب، مدمرة كل ما يعوق الارتفاع المفاجئ لحياة الشعب حتى تخلق أشكالا جديدة للحياة الاجتماعية الحرة انطلاقا من أعماق روح الشعب”. رأى باكونين في كومونة باريس في العام 1871 تطبيقا واضحا لآرائه. كان ثوريو الكومونة على قناعة أنه في الثورة الاجتماعية “نشاط الأفراد لا يعني شيئا ولكن النشاط العفوي للجماهير هو كل شيء”.

حيا كروبوتكين كمن سبقه “هذه الروح الرائعة التي يمكتلكها الشعب للتنظيم العفوي، بدرجة عالية، والتي لا يسمح بممارستها إلا نادرا”. ويضيف “لن يشكك بهذا القول إلا من أمضى حياته خلف المكاتب”.

بعد هذه التأكيدات الكثيرة والمتفائلة، يجد الأناركي وشقيقه العدو الماركسي، في مواجهة تناقض خطير. إن عفوية الجماهير هي الأساس ولكنها ى تكفي لكل شيء. فلا بد من وجود قلة من الثوريين القادرة على صيغة الاطار الفكري للثورة من أجل إيصال الوعي للجماهير. لكن كيف يتم تجنب استغلال هذه النخبة لقدراتها الفكرية فتستبدل الجماهير وتوقف مبادرتها وحتى أن تفرض عليها سلطة جديدة؟

يشدد برودون على العفوية ولكنه يلاحظ جمود الجماهير ويرفض الحكم الاستباقي على دور الحكومة، والاحترام الذي تكنه لها الجماهير وعقدة النقص التي تعيق الحيوية الشعبية. لذا يجب إثارة العمل الجماعي عند الشعب. فعبودية الطبقات الدنيا قد تستمر إلى الأبد إذا لم يأتها وحي من الخارج. فيقول: “إن الأفكار التي حركت الجماهير في كل العصور كانت وليدة أدمغة عدد من المفكرين. لم تكن الأولوية للجماعيات بل كانت لعمل فكري للأفراد”. ومن المثالي أن تنقل هذه الأقليات التي تحمل الوعي علمها الثوري إلى الناس؟ ويشكك برودون من امكانية تطبيق هذا: إذا أن الجهل في الطبيعة العدوانية للسلطة، في أفضل الأحوال، يمكن الموازنة بين الاثنين.

في حوالي العام 1864، كان باكونين وقبل أن يصبح أناركيا، يحوم في بحر المؤتمرات والمنظمات السرية وكان مؤمنا بالبلانكية خصوصا، التي تقول بأن نشاط النخبة الأقلية يجب أن يسبق الانتفاضة الواسعة للجماهير وبعد نهوض الجماهير من سباتها فإنها سوف تصبح جزءا من هذه النخبة المتقدمة. وفي الأممية، الحركة العمالية الكبيرة التي أسست بعد طول انتظار، طرحت القضية بصورة مختلفة. غير أن باكونين الذي أصبح أناركيا، كان مقتنعا بضرورة وجود الطليعة الواعية: “من أجل انتصار الثورة ضد الرجعية، من الضرورة وجود وحدة الفكر والنشاط الثوري في وسط الفوضى الشعبية التي تشكل روح الثورة وطاقتها”. إن مجموعة من الأفراد يحركهم الفكر والهدف الواحد، يجب أن يمارسوا “نشاطا طبيعيا على الجماهير”. “بامكان عشرة، عشرين أو ثلاثين شخصا، مثقفين ومنظمين فيما بينهم، تحريك مئة، مئتين، ثلاث مئات أو أكثر”. “إن ما يجب تشكيله هو قيادات عليا، منظمة جدا، وملهمة من عمل زعماء الحركة الشعبية”.

يوصي باكونين باتباع طرق تشبه إلى حد كبير ما تسميه السياسة الحديثة “تكوين النخب الثورية”، يجب العمل بسرية على تجهيز الأفراد الأكثر ذكاء وفعالية في كل محلة “من أحل أن يكون هذا التنظيم مطابقا لمبادئنا، وتأثيرنا يكمن هنا”. يجب على الأناركيون كـ”قادة غير مرئيين” في وسط العاصفة الشعبية. ينبغي أن لا يقودوها عبر “السلطة الظاهرة” بل عبر “دكتاتورية دون اسم، دون عنوان، دون حق رسمي، تكون قائدة حقا ولا تحمل أي مظهر من مظاهر السلطة”.

باكونين لا يجهل مدى عدم اختلاف الكلمات التي يستخدمها (قادة، دكتاتورية، الخ) عن تلك التي يستخدمها خصوم الأناركية وهو يجيب مسبقا على “كل من يدعي أن عملا منظما كهذا هو انتقاص لحرية الجماهير، هو محاولى لخلق نفوذ سلطوي جديد: لا! إن الطليعة الواعية يجب أن لا تكون محسنا للشعب أو زعيمه الدكتاتوري، بل ببساطة المولدة للتحرر الذاتي للجماهير. لا يمكن لها أن تحقق شيئا عدا نشر أفكار نطابق غرائز الجماهير. “السلطات الثورية” (باكونين لا يتوانى عن استخدام الكلمة معتذرا عنها عبر تمني وجود أقل عدد منها) لا تفرض الثورة على الجماهير لكنها توقظها في قلبها، غير مكرهة اياهم على أي شكل تنظيمي، بل محفزة التنظيم المستقل للجماهير من الأسفل لأعلى.

لاحقا جدا، روزا لوكسمبورغ سوف تشرح ما اراده باكونين: أن التناقض بين العفوية التحررية والحاجة لعمل الطلائع الواعية سوف ينتهي كليا عندما العلم والطبقة العاملة يصبحا رائدين، وتصبح الجماهير واعية، فلا تحتاج بعدها للقادة، بل فقط هيئات تنفيذية لنشاطها الواعي. بعد تأكيده أن الطبقة العاملة ما زالت تفتقر للعلم والتنظيم، الأناركي الروسي يصل لخلاصة أن الأممية لن تصبح وسيلة للتحرر إلا “إذا أدخلت العلم، الفلسفة وسياسات الاشتراكية إلى وعي أعضائها”.

لكن هذه الخلاصة الجيدة نظريا هي سند سحب على المستقبل البعيد. وبانتظار أن يسمح التطور التاريخي بتحقيقها، فإن الأناركيين كما الماركسيين، يبقون سجناء التناقض. هذا التناقض الذي مزق الثورة الروسية، التي تجاذبتها السلطة العفوية للسوفييت من جهة وسعي الحزب البلشفي للامستاك بالقيادة من جهة أخرى. كما أن هذا التناقض سيظهر في الثورة الاسبانية حيث يتأرجح الأناركيون بين قطبين: قطب الحركة الجماهيرية وقطب النخبة الأناركية الواعية.

استشهادين تاريخيين سوف يكونان كافيين لتوضيح هذا التناقض:

لقد استنتج الأناركيون من الثورة الروسية درسا نهائيا: رفض “قيادة” الحزب الواحد. أحد هؤىء الأناركيين هو فولين الذي قال هذا فيما يلي : “إن الفكرة الرئيسية للأناركية بسيطة: إن أي حزب أي تجمع سياسي أو ايديولوجي يضع نفسه فوق الجماهير الكادحة أو خارجها من أجل ممارسة “الحكم” عليها أو قياداتها، لن ينجح أبدا في اعتاق الجماهير، ولو أرادهذا حقا. لن يتحقق التحرر الفعلي إلا عبر العمل المباشر للمعنيين بالموضوع، العمال أنفسهم، مجتمعين، ليس تحت لواء الحزب السياسي أو منظكة أيديولوجية، يل في منظماتهم الطبقية الخاصة (نقابات الانتاج، لجان المصانع، التعاونيات …)، على قاعدة العمل الملموس والإدارة الذاتية يساعدهم في ذلك، لا يحكمهم ثوريون يعملون بين الجماهير لا فوقها. إن الفكرة الأناركية والثورة الأناركية الحقيقية لا يمكن أن تتححق على يد الأناركيين أنفسهم، بل على الجماهير الواسعة نفسها والأناركيون أو الثوريون عموما لا يمارسون إلا دورا تنويريا ومساعدا لهذه الجماهير. إن اعتقادا عند الأناركيين أنهم يمكنهم تحقيق الثورة الاجتماعية بقيادتهم للجماهير هو مجرد وهم، كما كان وهم البلاشفة، للأسباب عينها”.

لكن الأناركيون الاسبان شعروا بدورهم بدورهم بضرورة تنظيم أقلية واعية ايديولوجيا، تجسدت في الفيدرالية الأناركية الايبيرية ضمن نقابتهم المركزية الواسعة: الكونفدرالية الوطنية للشغل، من أجل مواجهة التوجهات الاصلاحية لبعض النقابيين، وكذلك في مواجهة مؤيدي “دكتاتورية البروليتاريا”. لقد استرشدت الفيدرالية الأناركية الايبيرية من أفكار باكونين وسعت لأن تلعب دور الموجه وليس القائد، فالوعي الأناركي العالي نسبيا لعناصر قاعدية عديدة من الكونفدرالية الوطنية للشغل قد ساعدها على عدم الوقوع في ما وقع فيه الأحزاب الثورية “السلطوية”. لكنها لم تنجح في ممارسة دورها القيادي إذ قامت بغباء بوضع النقابات تحت الوصاية وتأرجحت في استراتيجيتها وكانت تتكون من الناشطين والديماغوجيين أكثر من الثوريين المستقيمين، سواء في النظرية أو الممارسة.

ان العلاقات بين الجماهير والأقلية الواعية تطرح اشكالية لم تجد حلا كاملا لها، حتى من قبل الأناركيين، ولم تقل بعد الكلمة الأخيرة حول هذه القضية.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com

الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 7

 مصادر الابداع: الفرد

في مواجهة هرميات واكراهات الاشتراكية السلطوية يطرح الأناركي مصدرين للابداع: الفرد، وعفوية الجماهير. ووفقا لما قد يكون عليه الأناركي، فرديا أكثر منه اجتماعيا، أم اجتماعيا أكثر منه فرديا. ولكن كما لاحظ أوغستين هامون في استطلاع للرأي أنه لا يمكن تصور أناركي غير فردي.

أعاد شتيرنر الاعتبار للفرد في عصر كان يهيمن عليه المفهوم الهيغلي المعادي للفردية، على المستوى الفلسفي، وعلى مستوى النقد الاجتماعي، كانت الأنانية البرجوازية قد دفعت بغالبية الاصلاحيين إلى إبراز النقيض لهذه الأنانية: ألم تولد كلمة الاشتراكية كنقيض للانانية؟

يؤكد شتيرنر على قيمة الفرد “الفريد”، أي الذي لا شبيه له إطلاقا، والذي وضعت الطبيعة منه نسخة واحدة (وهذا ما تؤيده أبحاث البيولوجيا)، ولمدة طويلة بقي هذا الفيلسوف منعزلا على دوائر الفكر الأناركي، كشخص غريب الأطوار، لا يتبعه إلا الفرديين “المتمسكين بخطاياهم”. لكن اليوم فإن عظمة وجرأة ما قاله تبدو واضحة جدا. وحقا، يبدو أن مهمة العالم المعاصر تكمن في إنقاذ الفرد من جميع ما يرزح تحت عبئه، من المصطنعات إلى الخضوع الكلي. في مقالة لسيمون ويل في العام 1933 تتذمر سيمون لعدم وجود أجوبة في الأجب الماركسي على الأسئلة التي تطرح عن ضرورات الدفاع عن الفرد ضد الأشكال الجديدة للقمع التي تبت القمع الرأسمالي الكلاسيكي. وبالفعل إن هذا الشق خطير فعلا، لكن شتيرنر أجاب عن هذا ثيل أواسط القرن التاسع عشر.

شتيرنر هو كاتب ذو أسلوب حاد، ينقر نقرا، يعبر عن أفكاره بقرقعات تشبه الأقوال المأثورة: “لا تبحثوا في نكران الذات عن حرية تنكر أبسط طبائعكم، بل ابحثوا عن طبائعكم … دعوا كل واحد منكم يكون قويا”. لا يوجد إلا تلك التي ينتزعها الفرد بنفسه. فالحرية المقدمة، الممنوحة، ليست حرية بل “سلع مسروقة”. “ليس هناك من حاكم غيري يمكنه أن يقرر إذا ما كنت على حق أو لا”. “إن الأشياء الوحيدة التي لا يحق لي القيام بها، هي تلك التي التي لا أقوم بها برأيي الحر”. “لك الحق في أن تكون ما تقوى على أن تكون عليه”. إن ما تقوم به تقوم به كونك فريد: “لا تستطيع الدولة، ولا المجتمع ولا الإنسانية أن تخضع هذا الشيطان”.

 حتى يتحرر الفرد، عليه البدء بإعادة النظر بما لقنه إياه والديه ومعلموه. عليه القيام بعملية واسعة “لنزع القدسية عن ما تعلمه منهم. بدءا مما يسمى الأخلاقية البرجوازية:”مثل البرجوازية نفسها، التي لها حقلها الخاص، الأخلاقية البرجوازية ما تزال قريبة جدا من جنة الدين، ليست حرة بما فيه الكفاية، تستعير من البرجوازية قوانينها لتعيد زرعها في حقلها الخاص، بدلا من أن تخلق مذاهبها الخاصة والمستقلة”.

ينتقد شتيرنر الأخلاقية الجنسية على وجه الخصوص. إن رسل العلمانية من الأخلاقية الجنسية ذات موقف المسيحية. إنهم يرفضون الاستماع لنداءات الجسد. يسعون بجهد لمحاربة الجسد. يصفعون وجه اللأخلاقية. هذه الأحكام المسبقة الأخلاقية التي علمتهم إياها المسيحية تملك حصنا قويا بين الجماهير الشعبية: “يدفع الناس بشراسة الشرطة لمحاربة كل ما يبدو أنه غير أخلاقي أو غير لائق، وهذه الشراسة الشعبية المدافعة عن الأخلاقية تحمي مؤسسة الشرطة أكثر مما تستطيع القيام به الحكومة ذاتها”.

مستبقا علم النفس المعاصر، يلاحظ شتيرنر وينقض الاستبطان (أي جعله من الباطن). منذ طفولتنا، يتم إطعامنا الأحكام الأخلاقية المسبقة، حتى تصبح الأخلاق “قوة داخلية لا يمكنني التخلص منها”. “إن قمع هذه الأخلاقية هو أقسى عشر مرات لأنه يصرخ في وعيي”. “يدفع الشباب للمدارس كالقطعان حتى يتعلموا الأقوال المتكررة والقديمة وعندما يحفظونها غيبا يصبحون راشدين”. يعلن شتيرنر أنه محطم للهياكل الدينية: “إن الله، الوعي والواجبات والقوانين ليست إلا أكاذيب وهرطقات حشوا أدمغتنا وقلوبنا بها”. إن السحرة والمفسدين الحقيقيين للشبان هم رجال الدين والأهالي الذين “يعطلون قلوب الشباب ويخدرون روؤسهم بالحماقات”. إذا كان هناك عمل يأتي من الشيطان فهو ذلك الصوت الالهي الخاطئ الذي أدخلوه في الوعي”.

في رده لإعتبار الفرد يكتشف شتيرنر اللاوعي الفرويدي. إن الأنا قوية بحيث لا يسمح بالتغلب عليها، أو القبض عليها، وتنكسر في مواجهتها امبراطورية الفكر، والتفكير، والذهن”. الأنا هي ما لا يعبر عنه، ما لا يمكن تصوره، ما لا يمكن الامساك به. ونحن نسمع هذه الأقوال اللامعة نرى الصدى الأول للفلسفة الوجودية: “إنني أنطلق من فرضية، متخذا من ذاتي هذه الفرضية، أني استخدم هذه الأنا (الذات) فقط حتى أتمتع بها، كي أتغذى بها. أنا موجود فقط لأنني أتغذى منها. أن امتص ذاتي يعني أنني موجود.

طبعا، إن الحمية التي تستثير قلم شتيرنر تضعه بين الحين والآخر في تناقضات. فتصدر عنه بعض الأقوال اللااجتماعية. تصل أحيانا إلى التعبير عن استحالة العيش مع المجتمع: “لا نطمح للحياة المشتركة بل إلى الحياة المنعزلة”. “الناس ميتة، صباح الخير أنا، سعادة الناس تعاستي”. “إذا كان الأمر صحيحا بنظري، فهو صحيح. يمكن أن لا يكون صحيحا بنظر الآخرين، وهذه مشكلتك، لا مشكلتي: فليدافعوا عن أنفسهم”.

لكن هذه الانفعالات تعكس من لآخر جوهر فكره. فشتيرنر وعلى الرغم من الفخر الناسك يصبو للحياة الاجتماعية. مثل أغلب المنعزلين، المتحجرين، الانطوائيين، يحن شتيرنر كثيرا لهذه الحياة. أما من يسأله كيف تسمح له حصريته وتشبثه، العيش في المجتمع، فيجيبه وحده الإنسان الذي فهم “فرادته” يمكنه أن يقيم علاقات مع أمثاله. يحتاج الفرد إلى أصدقاء، إلى حضور، وإذا كان يكتب كتبا فهو بحاجة إلى لآذان. يتحد الفرد مع قريبه لتعزيز قوته والعطاء المرتكز على القوة المشتركة هو أكبر مما يعطيه كل فرد منعزل. “إذا وجد خلفك عدة ملايين من الناس لحمايتك، سوف تشكلون معا قوة مهمة وسوف تحققون الانتصار بسهولة”. ولكن بشرط واحد:”هذه العلاقات مع الآخرين يجب أن تكون إرادية وحرة، وقابلة دوما للفسخ. يميز شتيرنر بين المجتمع القائم والقائم على الاكراه والشراكة والتي هي عقد حر: “يستخدمك المجتمع فيما أنت تستخدم الشراكة”. “بالطبع الشراكة تفرض التضحية، الحد من الحرية. لكن هذه التضحية لا تهدف للصالح العام: إن مصلحتي الخاصة وحدها ما دفعني لبذل هذه التضحية”.

إن كتاب “الأنا وملكيته” يعرض بصورة خاصة الاهتمامات المعاصرة لمسألة الحزب، مشيرا بوضوح إلى الحزب الشيوعي. يوجه نقدا قاسيا للخضوع للحزب. “اتباع الحزب واجب دائما وفي أي وقت كان؛ ويجب تأييد ودعم مبادئه الأساسية بشكل ضروري. إن الأعضاء يخضعون لرغبات الحزب، حتى تلك القليلة الأهمية”. “إن برنامج الحزب وفقا لنظرتهم هو البرنامج الصحيح الذي لا شك فيه. إن الانتماء للحزب يكون جسدا وروحا. وذلك الذي ينتقل من حزب لآخر، يوسف سرعة أنه مرتد”. وفقا لشتيرنر، إن الحزب الواحد  يتوقف عن كونه شراكة ويبقي فقط على الجثة. إنه يرفض الحزب لكنه لا يقطع الأمل من الانضمام لجمعية سياسية: “أنا دائما سوف أجد أشخاصا كافيين يريدون الاتحاد (الشراكة) معي بدون أداء قسام الاخلاص لرايتي”. لقد شعر أنه فقط يمكنه الانضميم للحزب إذا “لم يكن هناك ما هو الزامي فيه”، وشرطه الفريد كان أن يكون متأكدا “من عدم سيطرة الحزب عليه”. “الحزب ليس أكثر من حزب وهو جزء منه”. “إنه ينضم له بحرية ويتركه بحرية”.

هناك نقطة ضعف واحدة في تحليل شتيرنير، مع أنها موجودة إلى حد ما في كتاباته، وهي أن مفهومه حول وحدة الفرد ليس فقط أنانيا مفيج للفرد فقط، بل إنه مفهوم يفيد أيضا الجماعة. إن أي جمعية (شراكة) إنسانية لا يمكن أن تكون مثمرة إذا كانت تسحق الفرد، بل تكون مثمرة بقدر ما تنمي مبادرة الفرد، وطاقته الخلاقة. أليست قوة الحزب هي مجموع الأفراد الذين ينتمون له؟ إن هذا النقص في تحليله يعود إلى حقيقة أن تركيب شتيرنر بين الفرد والمجتمع يبقى ناقصا وغير كامل. في فكر هذا الثائر يتصارع اللااجتماعي مع الاجتماعي ولا يذوبان معا دائما. وينتقد الاجتماعيون الأناركيون هذا التوجه بصدق.

وقد انتقده هؤلاء بشدة، حيث أن شتيرنر والذي كانت تنقصه المعلومات حول الموضوع قد أخطأ بتصنيفه لبرودون أنه “شيوعي سلطوي”. والحقيقة أنه بالرغم من مهاجمة برودون لتقديس شتيرنر للفرد، فإن همه كان البحث عن تركيب أو توزان بين المصلحة الفردية والاجتماعية، بين القوة الفردية والجماعية. “إن الفردانية هي الحدث الأول للبشرية، فإن الشراكة (الجمعية) هي المكمل لها”. “يعتبر البعض أن الإنسان لا قيمة له في المجتمع فيميلون إلى تذويت الفرد في الجماعة. هذا هو النمط الشيوعي، حيث انحطاط لشخصية باسم المجتمع. إنه الطغيان، الطغيان الروحاني، اللامرئي؛ هذا بعيد عن الشراكة. لقد أفرغت الشخصية الإنسانية من قدراتها، ما أفرغ المجتمع المجتمع من حيويته”.

ولكن في المقابل، يهاجم برودون الطوباوية الفردية التي تجمع الفردانيات قرب بعضها البعض دون أي شيء يجمع بينها، أي دون قوة جماعية وبالنتيجة: لا شيوعية ولا حرية مطلقة. “لدينا الكثير من المصالح المشتركة، أشياء كثيرة جدا مشتركة”.

وباكونين أيضا هو فرداني واشتراكي في وقت واحد. فهو لا يتوقف عن التذكير بأن المجتمع الحر يرتكز على الفرد الحر. في كل مرة يعلن فيها عن حقوق يجب منحها للجماعات، مثل حق تقرير المصير، والانفصال، فهو ييسعى لأن يكون الفرد أول المستفيدين. فواجبات الفرد اتجاه المجتمع لا تكون إلا بمقدار قبوله الحر بأن يكون جزءا من هذا المجتمع. إن لكل إنسان الحرية في المشاركة أو عدم المشاركة، في أن “يعيش وفقا لرغبته في الصحراء أو الغابات بين الحيوانات المفترسة”. “الحرية هي حق كل كائن بشري في أن يكون مصدر العقوبة على أعماله ووعيه، في أن تكون إرادته هي التي تحدد أعماله هذه، وفي أن يكون مسؤولا فقط اتجاه نفسه أولا وآخرا”. إن المجتمع الذي اختار الفرد أن يكون جزءا منه بحرية لا يأتي في إلا في المرتبة الثانية لمسؤوليات باكونين. إن على المجتمع واجبات اتجاه الفرد أكثر مما له من حقوق: إن المجتمع لا يمارس “أي رقابة وأي سلطة” على الفرد شرط أن يكون راشدا، بل يجب على المجتمع أن يؤمن له “حماية حريته”.

يتجاوز باكونين الحدود عند كلامه عن “الحرية المطلقة والكاملة”. إن لي الحق في التصرف كما أشاء، أن أكون كسولا أو نشيطا، أن أعيش بكرامة، من عملي، أو من استغلال شفقة الآخرين وثقتهم بوقاحة، بشرط واحد: أن تكون هذه الشفقة وهذه الثقة ممنوحتين بشكل حر وصادرتان أن أفراد راشدين. حتى إن لي الحق في الدخول في جمعيات “لاأخلاقية” أو تبدو كذلك. ويذهب باكونين، وذلك لرغبته في الحفاظ على الحرية، إلى حد القبول في الجمعيات التي تهدف إلى إفساد الحرية الفردية أو العامة وهدمها: “لا يجب ولا يمكن أن يدافع عن الحرية إلا الحرية ذاتها؛ وإنه لقلب خطير للأمور أن نضرب الحرية بحجة الدفاع عنها”.

أما فيما يتعلق بالقضية الأخلاقية، فيقتنع باكونين تماما بأن “اللاأخلاقية” هي نتيجة التنظيم الفاسد للمجتمع. لذا يجب تهديم المجتمع كليا، ولا يمكن إعادة بناء الناس على أسس أخلاقية إلا عبر الحرية. فإن كل تضييق مفروض بهدف حماية الأخلاق لا يضرب إلا الأخلاق في نهاية الأمر. والقمع دائما يكون غير قادر على وقف التجاوزات اللاأخلاقية، بل إنه يعمقها، ويزيدها. إن غير مفيد إذا فرض أي تشريعات قاسية تضرب الحرية الفردية.

أما بالنسبة للأفراد الفوضويين، الكسولين، السيئين، فإن باكونين لا يقبل إلا بعقوبة واحدة هي نزع الحقوق السياسية أي ما يمنحه المجتمع للفرد من ضمانات. لذا فكل فرد له الحق في التخلي عن حريته ولكنه في هذه الحالة سيتم نزع حقوقه السياسية التي يتمتع بها، خلال فترة هذه العبودية الارادية.

بالنسبة للجريمة، ينظر اليها أنها مرض وعقوبتها هي العلاج ليس كعقوبة يفرضها المجتمع، بل ويجب الحفاظ على حق الفرد بعدم الخضوع للعقوبة المفروضة، وذلك عبر التعبير عن إرادته بالخروج من هذا المجتمع. وفي المقابل إن للمجتمع الحق في طرده وتعريته من ضماناته وحمايته.

لكن باكونين لم يكن عدميا على الاطلاق. إن مبدأه عن الحرية الفردية المطلقة لا يعني أنه ينكر الواجبات الاجتماعية. فأنا لست حرا إلا من خلال حرية الآخرين. “إن الإنسان لا يحقق فردانيته الحرة إلا إذا اكمله جميع الأفراد الآخرين الذين يحيطون به وفقط بفضل العمل والنفوذ الجماعي للمجتمع”. إن الشراكة إرادية، ولا شك أن باكونين يعتبر أن “هذه الشراكة ستجذب كل الناس، نظرا لما تقدمه إيجابيات هائلة”. الإنسان هو “الأكثر فردانية واجتماعية بين الحيوانات”.

كذلك إن باكونين لم يكن متساهلا مع الأنانية بمعناها المبتذل، أي مع الفردانية البرجوازية التي “تدفع الإنسان إلى الاستيلاء وتوطيد سعادته الخاصة بغض النظر عن كل الناس، وعلى حساب الآخرين وضررهم”. “هذا الفرد المنعزل والمجرد هو مجرد وهم مثل الاله”. العزلة المطلقة هي الموت “الفكري، المعنوي، والمادي أيضا”.

إن فكر باكونين هو فكر واسع وتركيبي حيث يقترح جسرا بين الأفراد وحركات الجماهير: “كل الحياة الاجتماعية ليست إلا تبعية متبادلة ودائمة بين الأفراد والجماهير. إن الأفراد الأكثر ذكاء وقوة هم في كل لحظة من حياتهم سواء المحفزات ونتائج الرغبات ونشاطات الجماهير”. الأناركي يرى أن الحركة الثورية هي نتاج هذا التفاعل؛ لذا فإنه يؤكد على النشاط الفردي والجماعي المستقل للجماهير لجهة النضال والنتيجة.

 كان الورثة الفكريون لباكونين هم الأناركيون الاسبان. بالرغم من تعلقهم بالمفهوم الاشتراكي في عشية ثورة 1936، فقد أشاروا وبوضوح إلى الاستقلالية المقدسة للفرد. دييغو أباد دي سانتيان كتب “إن الطموح الأبدي إلى الفردانية سوف يمر بألف طريق الفرد لن يخنق بأي مساواتية. سوف تجد الفردانية والذوق الخاص والخصزصية مجالا معينا للظهور والتعبير”.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com

الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 6

نقد الاشتراكية السلطوية

يجمع الأناركيون على نقد قاس للاشتراكية السلطوية. في البداية كانت انتقاداتهم اللاذعة غير مبررة كليا، حيث كانت توجه إلى الشيوعيين الأوائل الذين لم يعرفوا الماركسية الإنسانية، أو لأنها وجهت لماركس وإنجلز الذين لك يكونا سلطويين ودولتيين بالقدر الذي زعمه الأناركيون. ولكن في هذه اليام انتشرت وتنوعت الاتجاهات السلطوية التي كانت موجودة بشكل صغير وضعيف في الفكر الاشتراكي. اليوم أصبح النقد الأناركي أقل افتراءا وأكثر صحة لأنه أصبح أكثر امتدادا وأصبح مميزا بنكهة تنبؤية.

يؤيد شتيرنر الشيوعية ولكنه يشترط: “إذا كان الاعتقاد الشيوعي لمضطهدي المجتمع الحالي خطوة تقدمية على طريق تحريرهم الكامل، فإنهم لن يقضوا على “انسلابهم” للأبد، ولن يبرزوا فردانيتهم إلا إذا تجاوزوا الشيوعية.

لذا فإن شتيرنر يرى أن العامل في النظام الشيوعي سوف يبقى خاضعا لهيمنة المجتمع العمالي. وهذا العمل الذي يفرض على المجتمع من قبل العامل هو بمقابة قصاص له. ويكتب الشيوعي ويتلنغ: “لا يمكن للقدرات أن تنمو إلا بمقدار عدم ارباكها لتجانس المجتمع”. ويجيب شتيرنر عليه: “أن أكون مستقيما في نظام طاغ أو في مجتمع ويتلنغ، يعني غياب القانون في كلا الحاليتن”.

لا يعطي الشيوعي أهمية كبيرة “لوقت الفراغ” بل يكتفي بتقديمها للعامل مهملا ما أساسي: استفادة العامل من قدراته الذاتية بعد القيام بمهمته الانتاجية. ويرى شتيرنر أن خطورة المجتمع الشيوعي تحديدا أن الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج تسلم الدولة سلطات مفرطة أكثر من المجتمع الحالي: “إن الشيوعية بالغائها كل ملكية فرجية، تجعلني أكثر تبعية للآخرين، مع أنها تهاجم الدولة كثيرا، فإنها تريد اقامة دولتها الخاصة أيضا، ما يوقف نشاطي الحر وينصب علي سيدا”. في مواجهة هذا القمع الذي أعيش في ظله والذي يمارسه الملاك الأفراد، تثور عليه الشيوعية وهي محقة في هذا، ولكن وضع النفوذ في أيدي الكل هو أكثر رعبا”.

يستاء برودون بنفس الشكل من “النظام الشيوعي”، الحكومي، الدكتاتوري، التسلطي، العقائدي، الذي ينطلق من مبدا “تبعية الفرد إلى الجماعة”. إن ما حمله الشيوعيون عن السلطة هو ذات المفهوم الذي حمله أسيادهم القدماء. بل هو أقل تحررية. “مثل جيش سيطر على مدافع العدو ، كل ما فعلته الشيوعية هو توجيه مدفعها الخاص ضد جيش الملاك. والعبد يقلد دوما معلمه”. يصف برودون النظام السياسي الشيوعي بما يلي:

“ديمقراطية مركبة، تقوم شكليا على دكتاتورية الجماهير، لكن لا تملك الجماهير من السلطة إلا ما يكفي لضمان العبودية، انطلاقا من الصيغ التالية المسنبطة من السلطة المطلقة القديمة:

“عدم الفصل بين السلطات؛ المركزية المشددة؛ هدم المنهج الفكري الفردي، التعاوني والمحلي؛ شرطة مخابراتية وتعسفية”.

يريد الاشتراكيون السلطويون “ثورة من الأعلى”. “يدعمون فكرة أنه بعد الثورة يجب أن تستمر الدولة. إنهم يحافظون على الدولة، والسلطة، والتسلط، والحكومة، لا إنهم يزيدون أهمية هذه. ما يفعله الاشتراكيون السلطويون هو تغيير الأسماء. كأن تبديل الكلمات يكفي لتغيير الأشياء!” ويقول برودون هذه النكتة: “الحكومة بيطبيعتها هي ضد الثورة، ضعوا القديس سان بول في السلطة: يتحول إلى غيزو أو تاليران”.

يوجه باكونين هذا النقد للشيوعية السلطوية: “إنني أكره الشيوعية لأنها انكار للحرية، وأنا لا أستطيع تصور أي شيء إنساني بدون حرية. أنا لست شيوعيا على الاطلاق لأن الشيوعية تضع كل قوى المجتمع بيد الدولة، لأنها تؤدي إلى مركزة الملكية بأيد الدولة، أما أنا فأريد الغاء الدولة، انتزاع جذري لمبدأ سلطة الدولة ووصايتها، الدولة التي كانت وما وزالت تستعبد الناس وتقمعهم وتستغلهم وتفسدهم، بحجة جعل الناس أكثر أخلاقية وتمدنا. إنني أريد تنظيم المجتمع والملكية الجماعية من الأسفل إلى أعلى وليس من أعلى إلى أسفل، عن طريق الجمعية الحرة، إنني جماعي، ولست شيوعيا”.

بعد هذا الحديث بقليل انضم باكونين إلى الأممية الأولى حيث تواجه هو ومناصروه ليس بماركس وإنجلز فقط بل آخرون أيضا انتقدوا مواقفه وبشكل أكثر مما فعله منظرا الاشتراكية العلمية: فمن جهة، هناك الديمقراطيون الاجتماعيون الألمان الذين الدولة بالنسبة لهم محاطة بهالة من القدسية والذين يريدون إقامة “دول شعبية” مجهولة عن طريق الانتخاب والتحالفات الانتخابية؛ من ناحية أخرى البلانكيون الذين دعوا لدكتاتورية أقل ثورية، ذات صفة مؤقتة. حارب باكونين هذه المفاهيم السلطوية بشدة، والذين تأرجح ماركس وإنجلز بينهما، لأسباب تكتيكية حتى أعلنوا رفضهم لها بسبب ضغط النقد الأناركي.

أما مواجهة باكونين مع ماركس كانت بسبب تسلط ماركس بطريقة عصبية وشخصية في الأممية الأولى، خصوصا بعد 1870. هذا الصراع الذي دار بشكل رئيسي حول المسألة التنظيمية، أي جمعية العمال الدولية، ولكن لا شك أن كلا الطرفين كانا مخطئين. فباكونين ليس بريئا تماما، إذ أن ما اتهم به ماركس كان غالبا ظالما، بل ويعتريه جزء من سوء النية. لكن ما قد يلفت النظر هو أن باكونين قد أحسن العمل عندما أطلق صرخة تحذيرية منذ العام 1870 ضد بعض المفاهيم التنظيمية للحركة العمالية والسلطة العمالية، وهي مفاهيم سوف تشوه الثورة الروسية بعد هذا التاريخ بوقت طويل. كان باكونين يرى في الماركسية ما هو محق، وأحيانا ما هو ظالم، الذي سوف يشكل لاحقا نواة الللينينية، ثم سرطان الستالينية.

ويتحدث باكونين، بشيء من الخبث عن نوايا ماركس وإنجلز، إذا ما افترضنا عن إضمار الرجلين لهذا، رغم أنهما لم يفصحا عن هذا يوما: “يقال لنا، إن كل العمال لا يمكن أن يكونوا علماء، ألا يكفي أنه توجد في قلب هذه الجمعية، فئة من الرجال تملك علم وفلسفة وسياسة الاشتراكية، وفقا لما تسمح به أيامنا، حتى يمكن للأغلبية، عبر خضوعها الاستسلامي للقيادة، ضمان السير في الخط الذي يجب أن يقود إلى التحرر النهائي للبروليتاريا؟ هذا هو نمط التفكير الذي سمعناه بصورة غير مباشرة، إذا أن البوح بهذا يحتاج إلى الجرأة والرصانة الغير موجودتين، والذي نما سرا مع تحفظات مختلفة، ولبقة إلى حد ما”. ويتابع باكونين هجومه: “بما أنهم بدأوا من مبدأ أنم للفكر أفضلية على الحياة وأن للنظرية أفضلية على الممارسة الاجتماعية، فإنه، يجب أن تكون الثورات الاجتماعية، وإعادة البناء الاجتماعي نقطة البداية، فقد توصلوا إلى نتيجة أن الفكر والنظرية والعلم، هي ملكية حصرية لأقلية من الناس، هذه الأقلية يجب أن تقود الحياة الاجتماعية”. إن الدولة الشعبية المزعومة لن تكون إلا حكومة استبدادية للجماهير الشعبية، عبر ارستقراطية جديدة وصغيرة جدا تتألف من علماء حقيقيين أو مزعومين.

إن باكونين يكن اعجابا كبيرا بقدرات ماركس الفكرية، فقد عزم على ترجمة أبرز مؤلفات ماركس: “رأس المال”، إلى اللغة الروسية، كما أنه كان مؤمنا بالمادية التاريخية. إن باكونين قدر جدا المساهمة النظرية لماركس في تحرير البروليتاريا. ولكن ما رفضه هو أن يمنح التفوق الفكري حق قيادة الحركة العمالية: “إن الادعاء بأن فئة من الأفراد، حتى لو كانت الأكثر ذكاء وصدقا، لها القدرة على أن تصبح قائدة فكرية وروحية وووحدوية وآمرة للحركة الثورية والتنظيم الاجتماعي لكل البلدان، هو هرطقة مخالفة لأبسطج المفاهيم والتجربة التاريخية، وجعلنا نتسأل وباستغراب كبير كيف يمكن لرجل بذكاء ماركس الوقوع فيه. إن قيام دكتاتورية لتلبية حاجات المهندس الرئيسي للثورة العالمية، الذي ينظم ويقود الحركة الجماهيرية المنتفضة في كافة البلدان كما يتم ادارة الآلة، إننا نقول إن قيام هذه الدكتاتورية هو كاف لقتل الثورة، لشل وتشويه كل الحركات الشعبية. ما الذي نقوله إذا عن مؤتمر أممي يفرض على البروليتاريا العالمية حكومة تملك كافة صلاحيات الدكتاتورية، لصالح الثورة؟”

إن تجربة الأممية الثالثة أثبتت أن باكونين رغم مبالغته باسناد مفهوما استبداديا إلى ماركس، وإلى هذه الدرجة من الشمولية، فإن ما حذر منه قد تحقق بعد ذلك بوقت طويل.

أنا بالنسبة لخطر النظام الشيوعي الدولتي فإن اللاجئ الروسي لم يكن أقل تبصرا. فهو يرى أن الاشتراكيون العقائديون يطمحون إلى “وضع الناس في وعود حديدة”. طبعا إنهم يتفقون مع الأناركيين أن الدولة هي عبودية لكنهم يقولون أن الدكتاتورية فقط، أي دكتاتوريتهم، هي القادرة على تحقيق حرية الناس؛ لذا نحن نجيب بأن المغزى من أي دكتاتورية هو بقائها أطول مدة ممكنة. فبدل أن نترك البروليتاريا تدمر بذاتها الدولة، فإنهم يريدون “نقلها إلى أيدي متصدقيها، حراسا ومعلمين، زعماء الحزب الشيوعي”. لكنهم لم يروا أن هذه الحكومة هي دكتاتورية حقيقية “أيا كانت الأشكال الديمقراطية التي تمارسها”، فهم “يعزون أنفسهم بفكرة أن هذه الدكتاتورية هي مؤقتة وقصيرة”. لا، يجيب باكونين. إن هذه الدكتاتورية المؤقتة، سوف تؤدي بدون أدنى شك إلى “إعادة بناء الدولة، والامتيازات، وعناصر اللامساوة والقمع الدولتية، إلى “تشكيل حكومة أرستقراطية تبدأ من جديد باستغلال الناس واخضاعه بحجة الرفاهية المشتركة أو لإنقاذ الدولة”. هذه الدولة سوف تكون “الأكثر شمولية لأنها تتخفى حول ظاهرة مزيفة أي احترام إرادة الشعب”.

لمن باكونين بقي مؤمنا بنجاح الثورة الروسية وبشكل واضح: “فإذا تأخر عمال الغرب كثيرا، فإن التجربة سوف تكون من الفلاحين الروس”. إن الثورة في روسيا سوف تكون أساسا تحررية. ولكن حذار من التالي! فالثوريون يمكن أن يكملوا ببساطة دولة بيار لوغران “القائمة على إنهاء كافة أشكال الحياة الشعبية”، لأنه، “يمكن تغيير عنوان الدولة وشكلها، ولكنها ستبقى في عمقها هي ذاتها”. لذا يجب إما إنهاء الدولة، أو “التصالح مع أكثر الأكاذيب خساسة وخطرا في عصرنا: “البيروقراطية الحمراء”. ويتابع باكونين: “خذو أكثر الثوريين حماسة وضعوه على عرش البلدان الروسية أو امنحوه سلطة دكتاتورية وسوف يتحول قبل سنة ليصبح أسوأ من القيصر ذاته”.

بعد الثورة الروسية سوف يلاحظ فولين أحد محركي الثورة والشاهدين والمؤرخين لها، أن الواقع يتطابق مع رؤية المنظرين. فيتأكد، أن الثورة الاجتماعية والسلطة الاشتراكية هما عنصران نقيضين. لا يمكن التوفيق بينهما “الثورة التي تسترشد بالاشتراكية الدولتية وتقرر مصيرها، ولو بصورة مؤقتة أو انتقالية، هي ثورة فاشلة، إنها تمشي على طريق خاطة، على أكثر المنحدرات حدة. إن كل سلطة سياسية تمنح الامتيازات لمن يمارسها بعد الاستيلاء على الثورة والتحكم بها ولجمها سوف تخلق جهازهات البيروقراطي والقسري، الذي هو أمر مهم لكل دولة تريد البقاء، والقيادة، والأمر أو بكلمة واحدة تريد الحكم. قادة، موظفون، عسكر، شرطة، أعضاء في الحزب الحاكم. كل سلطة تسعى إلى السيطرة على الحياة الاجتماعية. فتعود على الجماهير على أسلوب التبعية، ما يؤدي إلى خنق المبادرة، بسبب وجود هذه السلطة. السلطة “الشيوعية” هي أداة قتل حقيقية. والسلطة المنفوخة عبر منحها الصلاحيات، تهاب كل عمل مستقل. فتبدو لها أي مبادرة مستقلة أمرا مريبا، خطيرا لأن السلطة تريد القيادة، تريدها منفردة. لذا تبدو كل المبادرات الأخرى تدخلا في مجالها وفي صلاحياتها وهو أمر لا يمكن القبول به”.

إذا، لماذا السلطة “المؤقتة” و”الانتقالية”؟ إن الأناركية ترفض بالكامل هذا الزعم. في عشية الثورة الاسبانية 1936 قال دييغو أباد دي سانتيلان عن الاشتراكية السلطوية ما يلي: “إما أن تعطي الثورة الثروة الاجتماعية للمنتجين، أو لا تعطيهم شيئا. فإذا أعطتهم هذه الثروة، وإذا انتظمت وسائل الإنتاج والتوزيع بشكل جماعي، فإن الدولة سوف تنتهي من تلقاء ذاتها. وإذا لم تعطهم الصورة هذا، فإنها ليست إلا خدعة، والدولة ستبقى”. إن هذه الصورة تعتبر لدى البعض مبسطة بعض الشيء، ولكنه ليس مبسطا وفقا لما يريده الأناركيون حقا: فهم ليسوا ساذجين ليتصوروا أن الدولة وبقاياها سوف تزول بين ليلة وضحاها، هم يريدون القضاء على هذه البقايا بأسرع وقت ممكن، فيما السلطويون مسرورون لفكرة بقاء الدولة الانتقالية المسماة بالعمالية.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com

 

 

الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 5

العداء للديمقراطية البرجوازية

يرفض الأناركي بشدة خدعة الديمقراطية البرجوازية، أكثر مما قد يفعل الاشتراكي السلطوي.

إن الدولة الديمقراطية البرجوازية التي تسمى “أمة” ليست أقل خطوة من الدولة الاستبدادية القديمة كما يرى شتيرنر: “كان الملك ملكا بائسا، مقارنة بالملك الجديد، أي سيادة الأمة. إن الليبرالية تكمل فقط الاحتقار القديم الذات. طبعا، لقد انتزعت مع الوقت امتيازات عديدة ولكن ليس إلا لصالح الدولة وأبدا ليس لتقوية الذات”.

أما برودون فيرى “أن الديمقراطية ليست أكثر من تعسف دستوري”. وقد أعلن سيادة الشعب بخداعه آبائنا. لكن في الواقع إن هذا الشعب هو ملك دون ملك، قرد الملوك، لا يحمل من عظمة الملك إلا الاسم. إنه ملك لا يحكم. إنه يفوض سيادته بالممارسة الدورية للاقتراع العام، معلنا استسلامه كل ثلاث أو خمس سنوات. وإذا طرد الملم، فما زالت الملكية محفوظة، مصانة، منظمة على قدر حسن من التنظيم. إن ورقة الاقتراع بين يدي شعب لم يثقف عمدا، ليس إلا خدعة لعينة لا تفيد إلا سادة الملكية والتجارة والصناعة.

ويرى باكونين “أن النظام التمثيلي لا يضمن مصالح الشعب على الاطلاق، بل يضمن الوجود الدائم للحكومة الارستقراطية ضد الشعب”. إن الاقتراع العام هو مراوغة، كمين، حماية، وقناع “تختبئ سلطة الدولة الاستبدادية خلفه مرتكزة على المصارف والشرطة والجيش”، إنه “وسيلة بارعة لقمع وسرقة الشعب باسم الاردة الشعبية المزعومة”.

لا يؤمن الأناركي بالتحرر من خلال ورقة الاقتراع. يوضح برودون، على الأقل على المستوى النظري، إنه متغيب. يعتقد أن “الثورة الاجتماعية هي مشوهة إذا ما كانت ثورة سياسية”. الاقتراع غير منطقي بحد ذاته، إنه عمل متخاذل، دعم للنظام الفاسد:”حتى نقوم بحرب على كافة الأحزاب القديمة، يجب أن لا يكون البرلمان حلبة النضال الشرعي، بل خارجه”. الاقتراع العام هو الثورة المضادة. وينبغي على البروليتاريا أن تنشق أولا على الديمقراطية البرجوازية كي تكون طبقة اجتماعية في حد ذاتها”.

لكن برودون في ممارساته النضالية لم يطبق دائما هذا المبدأ، فقد انتخب نائبا في 1848 وانزلق في الدبق البرلماني، ثم في الانتخابات النيابية في أيلول 1848. وفي الانتخابات الرئاسية في 10 كانون الأول من السنة نفسها، دعم ترشيح راسباي أحد زعماء اليسار الثوري، والذي كان مسجونا آنذاك. حتى أنه توجه إلى أكثر من ذلك فقد اعتنق تكتيك “الأقل سواء” مفضلا الجنرال كافيناك، مرتكب مجازر البروليتاريا الباريسية على الدكتاتور المبتدئ لويس نابليون. بعدها بفترة طويلة، في انتخابات 1863 و1864 دعا برودون إلى الاقتراع بورقة بيضاء كتعبير عن المعارضة للدكتاتورية الامبراطورية ولكن ليس معارضة لمفهوم الاقتراع بحد ذاته، الذي وصفه في تلك الفترة بالمبدأ “الديمقراطي الأمثل”.

رفض باكونين وأنصاره في الأممية الأولى صفة “المتغيبين” التي أطلقت عليهم من قبل الماركسيين بهدف مهاجمتهم. فمقاطعة الاقتراع ليست مبدأ أساسيا لهم، بل مسألة تكتيكية. ورغم أنهم أكدوا على أولوية الصراع الطبقي على المستوى الاقتصادي إلا أنهم رفض أن يقال لهم “غير مهتمين للسياسة”. فهم لم يرفضوا السياسة بالمطلق ولكن رفضوا السياسة البرجوازية. وقد رفضوا أن تأتي الثورة السياسية قبل الثورة الاجتماعية. لقد عارضوا الحركات السياسية التي لا تحمل تحرير الطبقة العاملة كهدف مباشر وفوري. لقد استنكروا التحالفات الانتخابية الملتبسة مع الأحزب البرجوازية الراديكالية كما 1848 أو الجبهة الشعبية كما نسميها اليوم.

تخوف باكونين وأنصاره أن يتحول العمال المنتجون إلى نواب أيضا، فيعيشون حياة البرجوازية ويصبحون رجال دولة لا عمال، وبالتالي يتحولون إلى برجوازيين، وربما أكثر برجوازية من البرجوازيين أنفسهم.

إن موقف الأناركيين إزاء الاقتراع العام هو بعيد كل البعد عن التماسك والوضوح. فيرى بعضهم أن الاقتراع هو أفضل من لا شيء. وهناك  المعارضين الصلبين الذين يذمون استعمال هذا الاقتراع، أيا كانت الظروف، ويدخلون هذه القضية في خانة الاخلاص العقائدي. وفي هذا الاطار رفض مالاتيستا التنازل خلال انتخابات اتحاد اليسار الفرنسية في أيار 1924، ففي بعض الظروف قد تاتي الانتخابات بنتائج سيئة أو حسنة وإن النتيجة أحيانا قد يقررها اقتراع الأناركيين، لا سيما عندما تكون القوى السياسية المتنافسة متساوية تقريبا. وفقا لمالاتيستا “لكن لا يهم، فحتى لو حققت الانتصارات الانتخابية بعض التطورات الايجابية الصغيرة، فإن الأناركيين يجب أن يمتنعوا عن التوجه إلى صناديق الاقتراع”. وينتهي قائلا:”إن الأناركيين مارسوا دائما السياسية النقية ويبقون الحزب الثوري الأفضل، حزب المستقبل لأنهم لم يستجيبوا للدعوة الانتخابية”.

هناك العديد من الأمثلة على الممارسات المتنوعة للعقيدة الأناركية، خصوصا في اسبانيا. فسنة 1930، تحالف الأناركيون مع الأحزاب الديمقراطية البرجوازية للقضاء على الدكتاتور بريمو دو ريفييرا. ففي السنة التالية، رغم تغيبهم المعلن عن الانتخابات فقد شاركوا بقوة في الانتخابات البلدية ما عجل إسقاط الملكية. وفي انتخابات 19 تشرين الثاني 1933 دعا الأناركيون إلى عدم المشاركة بالانتخابات، فأتت الانتخابات باليمين المتطرف المعادي للعمال إلى الحكم ولمدة سنتين. ولكنهم أعلنوا أنه في حال وصلت القوى الرجعية إلى السلطة بفضل الاقتراع فإنهم سوف يشعلون الثورة الاجتماعية.وهذا ما حالوا القيام به، ولكنهم فشلوا، بخسارة جسيمة (شهداء، جرحى، سجناء). وفي مطلع سنة 1936، عند شكلت الأحزاب اليسارية تحالفا في الجبهة الشعبية، تضارب الموقف الذي يجب اتخاذه في صفوف الأناركيين النقابيين.

في النهاية، اتخذت موقفا بعدم التصويت، ولكن الحملة كانت صامتة، وشاركت الجماهير بالتصويت بشدة. وبالفعل انتصرت الجبهة الشعبية. تجدر الاشارة إلى أنه بالرغم من الرفض الشديد للأناركيين للديمقراطية البرجوازية إلا أنهم يرونها تقدمية نسبيا. فشتيرنر الأكثر معارضة يصف الاقتراع من حين لآخر بالتقدمية. ويقول برودون “إن هناك تقدما في الانتقال من الدولة الملكية إلى الدولة الديمقراطية”؛ أما باكونين: “لا يظنن أحد أننا ننتقد الحكومة الديمقراطية لصالح الملكية، إن الجمهورية الأكثر سوءا هي ألف مرة أفضل من الملكية الأكثر تنويرا. إن النظام الديمقراطي يتقدم بالجماهير شيئا فشيئا إلى الحياة العامة”، وهذا ما يعطي الصحة لقول لينين إن “بعض الأناركيين” يعلمون أن “شكل القمع لا يهم بنظر البروليتاريا”. وفي الوقت ذاته تصبح شكوك هنري أرفون في كتابة الصغير الأناركية شكوكا خاطئة، من أن الموقف الأناركي المعادي للديمقراطية يلتقي مع الموقف اللا ثوري المعادي للديمقراطية.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com

الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 4

رعب الدولة

من بين كل الأفكار التي تعمي الإنسان منذ القدم، بالبنسبة للأناركي هي فكرة الدولة، أكثر الأفكار شؤما. يعلنها شتيرنر “الخلود الأبدي تملكه الدولة”.

يهاجم برودون بقوة “وهم أفكارنا هذا ويرى أن الواجب الأول للكائن الحر والعقلاني هو رميها في المتاحف والمكتبات”. ثم يبدأ بالشرح مفككا هذه الآلية: ” إن ما هيأ عقول الناس وأحاط الدولة بهذه الهالة من السحر هو أن الحكومة قدمت للناس أنها مؤسسة عدلية طبيعية تقوم بحماية الضعيف”. ويهاجم برودون السلطويين الذين ينحون أمام السلطة كما ينحني وكلاء الكنيسة أمام القربان المقدس، وينتقد بشدة “جميع الأحزاب دون استثناء” التي تتوجه “دائما نحو السلطة الاستبدادية، وكأنها المحور الوحيد”، ويعبر عن أمله في مجيء ذلك اليوم الذي يحل فيه “نكران الدولة محل الايمان بالسلطة والكتب السياسية”.

يسخر كروبوتكين من البرجوازيين الذين “يعتبرون الناس كتجمعات همجية سوف تقتل بعضها البعض إذا ما توقفت الحكومة عن العمل”. أما مالاتيستا، فيستبق المحلليين النفسيين، ويكتشف الخوف من الحرية الذي يسكن لاوعي “السلطويين”.

ما هو الخطأ بالدولة وفقا للأناركيين؟

يشرح شتيرنر هذا قائلا: “نحن الاثنان، الدولة، وأنا، عدوان. كل دولة هي الاستبداد، سواء كان استبداد فرد، أو عدة أفراد”. كل دولة هي بالضرورة كما نسميها اليوم دولة شمولية: “للدولة هدف واحد دائما: الحد من، السيطرة على، واخضاع، إرادة الفرد، للهدف العام. الدولة تحاول برقابتها، مراقبتها، شرطتها، إعاقة أي نشاط حر وترى أن هذا القمع هو من واجبها لأن بقائها يرتكز عليه”. “الدولة لا تسمح لي إيصال أفكاري للآخرين والاستفادة منها إلا إذا تماثلت مع أفكارها، أي إنها تخرسني”.

يتابع برودون في ذات الموضو فيقول: “إن حكم الإنسان للإنسان: عبودية، أي إنسان يحكمني بوضع اليد، ليس إلا مغتصب ودكتاتور، إنه عدوي”. يتابع برودون مهاجما كما موليير وبيوماشيه: “الإنسان الذي يعيش في ظل حكم معين يصبح كالموقوف، المحقق معه، المتجسس عليه، المقاد، يصبح موضوع تشريع، وتنظيم، كالمسجون، المغسول دماغه، الموعوظ، المفتش، المقدر، المراقب، والمأمور من قبل كائنات لا تملك الصلاحية ولا العلم ولا الفضيلة. العيش في ظل حكم معين يعني خضوع الإنسان لمن يقدر أعماله، أن يكون مسجلا، عددا، سعرا، مطبعا، ينظر اليه بازدراء، كرقم، يدفع مكرها ضرائبه، مرخصا له أن يتبع، يوبخ، يمنع، يصلح، يقوم ويصحح. العيش في ظل الحكومة يعني استغلاله، التضحية به، استخدامه، احتكاره، ابتزازه، عصره، خداعه، سرقته، تحت ذريعة المنفعة العامة وباسم المصلحة العامة، وعند أدنى مقاومة، عند أول استنكار، يتم قمعه، تغريمه، اهانته، ملاحقته، تعنيفه، قتله، تقييده، سجنه، رميه بالرصاص، محاكمته، استبعاجه، التضحية به، بيعه، غدره، وأكثر من كل هذا، يلعب به، يهزأ منه، يشتم، يفضح. هذه هي الحكومة، هذه هي العدالة، هذه هي الأخلاق، أيتها الشخصة الانسانية، أيعقل أن تبقي لأكثر من قرنيا في هذه السفالة؟”

وفقا لباكونين، الدولة هي “تجريد يفترس حياة الناس، مقبرة هائلة لكافة القوى الفاعلة في البلاد يضحون بأنفسهم، ويطمرون فيها جميع طموحاتهم الحقيقية، باسم هذا التجريد”. وفقا لمالاتيستا، “الحكومة هي أبعد ما تكون عن إنتاج النشاط والحيوية، إنها تبدد، تشل وتحطم بسبب طريقة عملها ثروات هائلة.

وكلما توسعت صلاحيات الدولة وبيروقراطيتها، كلما ازداد الخطر. وفي رؤية تنبؤية يعلن برودون عن كارثة القرن العشرين وهي: “إن الوظائفية سوف تؤدي إلى شيوعية الدولة، مبتلعة الحياة المحلية والشخصية وفقا للآلية الادارية، مهدمة كل فكر حر. وسوف يلجأ كل الناس إلى السلطة، على حساب الجماعية”. لقد حان الوقت لإيقاف هذا: “إن هذا المركز بقوى أكثر فأكثر إلى درجة لم يعد من الممكن أن يعيش المجتمع والحكومة معا”. إن كل الدولة، من الأعلى إلى الأسفل، ليس إلا اغتصاب يجب تقويمه، وفوضى يجب الغاؤها، أداة قهر يجب هدمها.” ومع هذا هؤلاء الذين “يتحدثون عن حماية الدولة، عن زيادة صلاحياتها، عن تعزيز سلطتها، ليسوا ثوريين على الاطلاق!”.

كان لباكونين رؤية واضحة ومشابهة لإزدياد استبداد الدولة. لقد رأى أن قوى الثورة المضادة العالمية، “القائمة على موازنات ضخمة، جيوش نظامية، وبيروقراطية هائلة” وقال “مع كل تلك الوسائل المروعة للعمل المقدمة لهم من قبل المركزية الحديثة”، تصبح “واقعا مهددا، مدمرا، وهائلا”.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com/