الثورة المجهولة / 4

الفصل الثاني
القمع . العنف . و الفشل
إستمرار التنمية
( 1825 – 1855م )
استمر حكم (نيقولا الأول) من 1825 إلى 1855 . و من وجهة نظر ثورية فإنه لاشيء ذا خطر يميز هذه السنوات العقيمة . لكن هذه السنين الثلاثين جديرة بالذكر من نواح عدة هامة .
فمع إعتلائه العرش في ظل ثورة الديسمبريين لم يكن أمام (نيقولا الأول) من خيار غير الحديد و النار لسحق أي تعبير عن الحرية في مهده . فعزز الحكم المطلق إلى حده الأقصى و نجح في تحويل روسيا إلى دولة بيروقراطية قمعية !!
و كانت الثورة الفرنسية و الحركات الثورية التي اجتاحت أوروبا في وقت لاحق بمثابة كوابيس مقيمة بالنسبة له . و قد تعهد تدابير وقائية استثنائية .
كان السكان جميعا تحت المراقبة . و لم يعد لتعسف البيروقراطية أو الشرطة أو المحاكم حدود . و قمعت الشرطة كل مظهر للاستقلال و كل محاولة للتحرر بيد من حديد .
و بطبيعة الحال لم يكن هناك أي لمحة من حرية التعبير أو التجمعات أوتكوين الجمعيات .
و ازدهرت الرقابة كما لم يحدث من قبل .
و عوقب كل من خالف ” القانون ” بقسوة بالغة .
و قد أدت إنتفاضة الإنتفاضة البولندية في 1831م و التي تم وأدها بوحشية نادرة . بالإضافة إلى الوضع الدولي العام في ذلك الوقت إلى المزيد من عسكرة الدولة . و نظمت حياة الناس كما لو كانت روسيا ثكنة كبيرة . و وقّعت عقوبات شديدة على أولئك الذين حاولوا تجنب الإنضباط المفروض . لهذا كله استحق لقبه . . (نيقولا الجبار) .
و على الرغم من كل التدابير , أو بالأحرى بسببها و بسبب آثارها البشعة , التي غفلت عنها عين القيصر أعربت البلاد  – أو بالأحرى قطاعات معينة من سكانها – عن استياءها في كل فرصة .
و قد استغل النبلاء الإقطاعيين تدليل الإمبراطور لهم . إذ اعتبرهم دعامة حكمه الرئيسية في و في معاملة الأقنان معاملة مقيتة مع كامل الإفلات من العقاب . مما أثار غضب الفلاحين الذي صار ملحوظا . و قد وصلت أعمال التمرد ضد البومشيق و ضد السلطات المحلية حدا مقلقا . و بدأت التدابير القمعية تفقد فعاليتها .
و تزايد الفساد و انعدام الكفاءة و نزوات الموظفين حتى بلغ حدا لا يطاق . و إذ كان القيصر في حاجة إلى دعم هؤلاء الموظفين و عنفهم من أجل ” إبقاء الناس في نظام ” فقد أغلق عينيه و صم أذنيه عن كل مظلمة . فقط ليزداد حنق الذين عانوا من هذه الحالة شدة .
و بقيت قوى المجتمع الحيوية غير فاعلة . فقط الروتين الرسمي السخيف العاجز هو ما سمح به .
و قد أدى هذا الوضع فيما بعد إلى حتمية إنحلال النظام بأكمله . لقد كان ” نظام السياط ” قويا في الظاهر فحسب أما من الداخل فكان متعفنا بالكامل . كانت الإمبراطورية الهائلة قد أصبحت بالفعل ” عملاق ذو أقدام من الطين “
و كانت قطاعات كثيرة من السكان تصبح على بينة من هذا الوضع .
و صارت روح المعارضة ضد هذا النظام المستحيل أشبه بالعدوي . . تصيب المجتمع بأسره .
و في ظل هذه الظروف بدأ تطور الطبقة المثقفة الشابة العظيم . .
و في بلد كبير وافر مثل روسيا . كان الشباب وافرا بين كل طبقات السكان . ترى ماذا كانت نظرتهم العامة ؟
إذا نحينا جانبا شباب الفلاحين , يمكننا أن نلاحظ أن الأجيال الأصغر سنا و المتعلمة بشكل أو بآخر قد تبنت أفكارا تقدمية . فلم يتقبل شباب منتصف القرن التاسع عشر نظام القنانة بسهولة . و صدمهم  الاستبداد القيصري . و حفزت دراسة العالم الغربي – على الحد الذي لا يمكن لأي رقابة أن تمنعه –  مخيلاتهم . و يبدو أن هذه الرقابة قد أدت إلى عكس المرجو منها إذ حولت الأفكار المحرمة إلى نوع من الفاكهة المحرمة . و الممنوع مرغوب . و قد تركت نجاحات العلوم الطبيعية و مباديء المادية انطباعا قويا عليهم . كما شهدت هذه الفترة أيضا ازدهار الأدب الروسي الذي استمد إلهامه من المباديء الانسانية و استطاع أن يمارس تأثيرا قويا على الشباب و برغم الرقابة إلا أنه قد تمكن من التحايل عليها بنجاح . .
و في الوقت ذاته . و من وجهة نظر إقتصادية . لم تعد عمالة الأقنان مع غياب الحريات تستجيب لإحتياجات العصر الملحة .
و لهذه الأسباب جميعا يمكن إعتبار تحرر المثقفين الروس و بخاصة الشباب منهم و قد صار واقعا نحو نهاية حكم (نيقولا الأول) . و قد عارض المثقفون بشدة الاستبداد و نظام العبودية .
و قد شهدت هذه الفترة مولد التيار العدمي المعروف . فضلا عن الصراع الشرس بين الآباء المحافظين و الأبناء التقدميين . و هو الصراع الذي صوره (تورجينيف) Turgenev كأفضل ما يكون في روايته ” الآباء و الأبناء “
أما خارج روسيا فقد رافق سوء فهم واسع النطاق عميق الجذور مصطلح “العدمية” nihilism الذي نشأ في الأدبيات الروسية قبل هذا التاريخ بنحو 75 عاما بسبب نقلها عن أصلها اللاتيني بدون ترجمة .
ففي فرنسا و غيرها كان مصطلح العدمية يفهم على أساس أنها عقيدة ثورية و سياسية و إجتماعية اخترعت في روسيا حيث انتظم أو كان ينتظم فيها العديد من المؤيدين . و كانوا يتحدثون عن ” الحزب العدمي ” و أعضائه من ” العدميين ” . . لكن أي من هذا لم يكن صحيحا . .
دخل مصطلح ” العدمية ” إلى الأدب الروسي ثم إلى اللغة الروسية على يد الروائي الشهير (إيفان تورجينيف)  Ivan Turgenev  1818 – 1883 م في منتصف القرن التاسع عشر . و قد استخدم (تورجينيف) هذا المصطلح في إحدى رواياته واصفا تيارا من الأفكار – و ليس عقيدة ذات تعاليم – التي ظهرت بين الشباب الروس المثقفين في نهاية 1850 . و سرعان ما قُيّد المصطلح و أصبح جزءا من اللغة .
هذا التيار من الأفكار كان ذا طابع فلسفي أساسا أخلاقي إلى حد كبير . و كان مجال تأثيره محدود دائما إذ لم يتعد طبقة المثقفين . و حمل دوما وجهات نظر شخصية مسالمة و إن لم تمنعها من أن تتحرك بروح الثورة أو أن تسترشد بحلم السعادة للبشرية جمعاء .
و الحركة التي كانت تستمد قوتها الداقعة من هذا التيار الفكري – إذا كان لنا أن نتحدث عن حركة – لم تتجاوز مجال الأدب و الأدبيات . إذ كان قيام أي نوع من الحركات في ظل نظام ذلك الوقت ضرب من المستحيل . و مع ذلك فإنه و خلال هذين المجالين – الفلسفي و الأخلاقي – لم تتردد الحركة في استخلاص النتائج المنطقية التي لم تتم صياغتها فحسب , بل و سعت لتطبيقها بصورة فردية كقواعد للسلوك .
ضمن هذه الحدود مهدت الحركة الطريق للتطور الفكري و الأخلاقي و الذي قاد الشباب الروسي نحو مفاهيم واسعة جدا و تقدمية . و كان أحد النتائج تحرير المرأة المتعلمة في نهاية القرن التاسع عشر . و هو الإنجاز الذي يحق لروسيا أن تفخر به .
على الرغم من طابعه الفلسفي الفردي الصارم , حمل هذا التيار الفكري في طياته بسبب من الروح الإنسانية التحررية التي سادته بذور المفاهيم الإجتماعية التي أدت فيما بعد إلى قيام الحركة الثورية الحقيقية في صورتيها السياسية و الإجتماعية . مهدت ” العدمية ” الأرض لهذه الحركة التي ظهرت فيما بعد تحت تأثير الأفكار الأوروبية فضلا عن الأحداث الداخلية و الخارجية .
أما خارج روسيا فقد اختلط عليهم المر بين هذا ” التيار العدمي ” و بين الحركة التي قامت في وقت لاحق بقيادة من الأحزاب و الجماعات المنظمة التي لديها برنامج عمل و أهداف محددة . لكن يجب أن يتم الاحتفاظ  بالمصطلح ” عدمية ” للتيار الفكري الذي كان تمهيدا لهذه الحركة .
و كمفهوم فلسفي تتأسس العدمية على فهم المادية و الفردية في أوسع نطاق لها . و اكثره مبالغة .
و قد ترجم كتاب ” القوة و المادة ” للفيلسوف المادي الألماني (بوخنر) Buchner 1824 – 1899 إلى الروسية و طبع سرا باستخدام طريقة الطباعة الحجرية (1) . و وزعت آلاف النسخ بالرغم من المخاطر . و سرعان ما صار كتاب الشباب الروس المثقفين المقدس في ذلك الوقت . كما مارست أعمال (مول-سكوت) Mole-schott و (تشارلز داروين) و غيرهم من المؤلفيين الماديين و الطبيعيين تأثيرا واسعا .
و قد قبلت المادية كحقيقة مطلقة لا تقبل الشك .
و كماديين دخل العدميين في حرب شرسة لاهوادة فيها ضد الدين و ضد كل ما لا يستسيغه المنطق الخالص أو الدليل الإيجابي . ضد كل ما هو خارج الواقع المادي أو وراء القيم العملية . و بإختصار ضد كل ما هو روحي أو عاطفي أو مثالي .
و سخروا من علم الجماليات و من الجمال و الراحة و التمتع الروحي و الحب العاطفي و الأزياء و الرغبة في الرجاء . و ذهبوا إلى حد الرفض التام للفن كمظهر من مظاهر المثالية . و كان منظّرهم الأيــديولوجي الأقـوى الإعلامـي العبقري (بيساريف) Pisarev الذي قضى في حادث و هو في ريعــان الشباب . و قد وضع في واحدة من مقالاته موازنته الشهير بين العامل و الفنان . و قد أكد (بيزاريف) أن أي إسكافي أكثر مدعاة للإعجاب من (رفائيل) . لأن الأول ينتج أشياء مادية مفيدة . بينما لا تخدم لوحات الثاني أي غرض . و قد طبّق (بيزاريف) في كتاباته مباديء المادية و النفعية بقسوة لإقصاء الشاعر الكبير (بوشكين) . و يقول (بازاروف) العدمي في رواية (تورجنيف) : ” العالم ليس معبد بل معمل . و الرجال هناك ليعملوا ” .
عندما نتحدث عن الحرب بلا هوادة التي يشنها العدميون فلا يجب أن يخطر في بالنا غير مفهوم الحروب الأدبية و المعارك اللفظية ليس إلا . إذ اقتصر نشاط ” العدمية ” على الدعاية المستترة لأفكارها في الصحف و بين المثقفين . و لم يكن من السهل نشر مثل هذه الدعاية لأنه كان من الضروري أخذ الرقابة في الإعتبار فضلا عن الشرطة القيصرية التي قمعت ” البدع الأجنبية ” و كل تفكير مستقل . . و كانت المظاهر الأساسية للعدمية تتألف أساسا من بساطة الملبس و التصرف بحرية . فعلى سبيل المثال ظهرت النساء العدميات بشعر قصير و لبسن النظارات ليبدين بصورة قبيحة تأكيدا على إحتقارهن للجمال و الأناقة و ارتدين الملابس الخشنة تحديا للموضة . و مشين مشية الرجال و دخنّ مثلهم من أجل إعلان المساواة بين الجنسين و إظهارا لإحتقارهن لقواعد اللياقة . لكن هذا الإسراف في التعبير لا يقلل بأي حال من الأحوال خطورة الحركة . إذ نجد في إستحالة إعلانهم عن أفكارهم بأي شكل آخر ما يبرر لهم . أما في مجال الأخلاق الشخصية فقد التزم العدميون تشددا مطلقا . .
إن المبدأ الأساسي للعدمية هو شكل خاص  من الفردية .في الأساس و كرد فعل طبيعي ضد كل ما قمعته روسيا في هذه الفترة انتهت هذه النزعة الفردية إلى شجب كل القيود و الالتزامات – باسم الحرية الفردية المطلقة – و كل العوائق و جميع التقاليد التي فرضها على الانسان مجتمعه أو أسرته . العادات و الأخلاق و المعتقدات و الأعراف المعمول بها .
كان التحرر الكامل للفرد , سواء أكان رجلا أو أمراة , من كل ما قد يمس استقلاله أو حريته في التفكير هي فكرة العدمية الأساسية . و دافعت عن حق الفرد المقدس في الحرية الشاملة و عدم انتهاك حرمة الحياة .
يستطيع القاريء الآن أن يفهم لماذا سمي هذا التيار من الأفكار بالعدمية . لقد استخدم هذا المصطلح لوصف أنصار الأيديولوجية التي قبلت بلا شيء – في اللاتينية nihil – مما قبله الآخرون بصورة طبيعية و اعتبروه مقدسا . الأسرة و المجتمع و الدين و التقاليد . و عندما كان أحدهم يُسأل : ” ما الذي تقبله أو تعترف به . ما الذي تقر به في البيئة التي تحيط بك و له الحق أن يتحكم بك ؟ كان يجيب : ” لاشيء ” = nihil .
على الرغم من طابعها الفلسفي و طبيعتها الفردية – إذ تدافع عن حرية الفرد بصورة عامة و ليس ضد الإستبداد الحاكم – فإن العدمية قد مهدت الأرض للنضال ضد العقبات الحقيقية المباشرة في السياسة و الإقتصاد و التحرر الإجتماعي .
لكنها لم تتعهد بنفسها هذا الصراع . لم تسأل السؤال الأهم : ” ما الذي يمكن فعله من أجل تحرير الفرد في الواقع ؟ ” و بقيت محصورة حتى النهاية في عالم من المناقشات الأيديولوجية البحتة و الانجازات المعنوية المحضة . و كان على روسيا أن تنتظر جيلا آخر من أجل طرح مسألة العمل المباشر من أجل التحرير . و هو ما حدث بين 1870 و 1880 . عندما تشكلت في ذلك الوقت أولى المجموعات الثورية و الإشتراكية في روسيا . و بدأ العمل . و عندما بدأ لم يكن لدى هذه المجموعات شيء مشترك مع عدمية الأيام الخوالي . و حتى المصطلح “عدمية ” تم تجاهله . و بقيت الكلمة في اللغة الروسية كمصطلح تاريخي و حسب . أثر و ذكرى للحركة الفكرية فيما بين 1860 و 1870 .
و الحقيقة أن الناس في الخارج قد استعملوا مصطلح ” عدمية ” إشارة إلى الحركة الثورية الروسية بالكامل في ما قبل البلشفية . و يكفي الإشارة إلى “الحزب العدمي ” للتدليل على عدم معرفتهم بالتاريخ الحقيقي للحركات الثورية في روسيا .
و قد رفضت حكومة (نيقولا الأول) الرجعية الإعتراف بالوضع الحقيقي أو بالغليان الفكري . و عوضا عن ذلك تحدّت المجتمع من خلال إنشاء الشرطة السرية (أوخرانا) Okhrana , و هو فيلق خاص في الشرطة بغرض تدمير الحركة .
فأصبح الإضطهاد السياسي بلاءا حقيقيا . و ربما كان علينا أن نتذكر أنه في هذه الفترة كاد أن يعدم (دوستويفيسكي) Dostoyevsky الشاب و سجن بتهمة الانتماء إلى مجموعة دراسية غير مؤذية نهائيا استلهمت (بيتراشيفسكي) Petraschevsky . و أن (بلينسكي) Belinsky أول ناقد روسي عظيم قد نجح بالكاد في جعل صوته مسموعا . و أن ناشرا عظيما آخر (هيرزن) Herzen في أجبر على النفي . ناهيك عن الثوريين من أمثال (باكونين) Bakunin.
غير أن كل هذا القمع لم ينجح في تهدئة الجماهير التي كانت أسباب هياجها عميقة الجذور . و كان نجاحها أقل بالطبع في تحسين الأوضاع . فلم يكن لدى القيصر من علاج غير تعزيز أجهزته القمعية و البيروقراطية ثم المزيد من التعزيز .
و في الوقت ذاته تورطت روسيا في حرب القرم 1854 – 1855 . و كانت الكارثة . فقد أثبتت تقلبات الحرب إفلاس النظام و أظهرت الضعف الحقيقي للإمبراطورية . و انهارت ” القدم الطينية ” لأول مرة . و انكشف قبح الدولة السياسي و الإجتماعي .
مات (نيقولا الأول) مهزوما في 1855 بمجرد أن خسر الحرب . مدركا تماما لإفلاسه و عاجزا تماما عن مواجهته . و قال البعض ربما مات من الصدمة النفسية . بينما أصر آخرون أنه قد مات منتحرا بالسم . و هو تفسير معقول جدا . لكن ينقصه الدليل .
و يجب علينا الإصرار على الحقائق المعروفة لمساعدة القاريء على فهم ما يلي :
و على الرغم من نقاط الضعف و كافة العوائق خلال هذه الفترة فإن البلاد قد قطعت شوطا هائلا في طريق التقدم الثقافي و التقني .
فتحت ضغط الضرورات الإقتصادية التي لا مفر منها ولدت الصناعة ” الوطنية ” . فتكونت تلقائيا طبقة عاملة (بروليتاريا) . بنيت المصانع الكبيرة في العديد من المدن و تم افتتاح المرافيء و بدأت مناجم الفحم و الحديد و الذهب في العمل . و جرى توسيع شبكات النقل و تحسينها . و شيد أول خطوط السكك الحديدية ليصل بين سانت بطرسبورج (لينينجراد) و موسكو . عاصمتي هذا البلد الشاسع . . كان إنشاء هذا الخط الحديدي أعجوبة هندسية لأن المنطقة بين المدينيتين غير ملائمة لمثل هذا النوع من الأعمال حيث الأرض غير ثابتة و تتكون غالبا من مستنقعات و أهوار . و تبلغ المسافة نحو 600 فرستا (400 ميلا ) . و لا شك في أن الخط المستقيم هو الخيار الأكثر عقلانية من الناحية الإقتصادية . و يقال أن (نيقولا الأول) – و كان له إهتمام شخصي بهذا المشروع الذي ستقوم الدولة  ببناءه – قد أمر مهندسيه بوضع المخططات و التقديرات . و قد حاول هؤلاء المهندسين الإستفادة من الوضع فقدموا له مشروعا معقدا من الطرق المتعرجة . و قد ألقى (نيقولا) نظرة عابرة على المخططات ثم دفعها جانبا و تناول ورقة و قلما و رسم نقطتين و وصلهما بخط مستقيم . ثم قال : ” أقصر مسافة بين نقطتين هي الخط المستقيم ” . و هكذا صار أمرا رسميا غير قابل للنقاش و لم يعد أمام المهندسين سوى التنفيذ . و هذا ما قاموا به . و كان انجاز هذا العمل الفذ مهمة شاقة للغاية و بتكلفة لا تصدق و تسبب في معاناة مدمرة لآلاف العمال .
و منذ الانتهاء من بنائها , كانت الـ (نيقولايفيسكايا) Nicholayevskaya ” سكك حديد نيقولا ” واحدة من أبرز السكك الحديدية في العالم . و امتدت نحو 609 فرستا ( 405 ميلا) في خط مستقيم يقترب من الكمال .
ينبغي أن نلاحظ هنا أن الطبقة العاملة الناشئة كانت لاتزال تحتفظ بعلاقات وثيقة مع المناطق الريفية التي جاءت منها و التي كانت تعود إليها دوما بعد إنتهاء العمل الخارجي . علاوة على ذلك فإن الفلاحين كانوا لايزالون أقنانا مرتبطين بأراضي ساداتهم التي لا يستطيعون مغادرتها بصورة نهائية . و كان من اللازم عمل ترتيبات خاصة مع هؤلاء السادة قبل أن يتم توظيفهم في المشاريع الصناعية . و كان عمال المدن الحقيقيين – و نعني بهم في ذلك الوقت الحرفيين المتجولين – مجموعة صغيرة العدد جدا . و بالتالي فنحن لا نتعامل بعد مع بروليتاريا بالمعنى الحرفي للكلمة . لكن الدافع لتكوين مثل هذه (البروليتاريا) كان موجودا بالفعل . كانت الحاجة إلى عمال منتظمين يمكن الإعتماد عليهم أحد السباب الإقتصادية الملحة التي أدت إلى إلغاء القنانة . و في خلال جيلين أو ثلاثة أجيال من العمال المأجورين الذين لم يعودوا مرتبطين بالأرض , نشأت في روسيا كما نشأت في غيرها من البلدان طبقة (البروليتاريا) الصناعية الحقيقة .
و كان هناك تقدم هائل أيضا في المجال الثقافي .فقد أراد الآباء لأبناءهم أن يصيروا متعلمين و مثقفين . و قد اضطرت الأعداد المتزايدة من طلاب المدارس الثانوية و الكليات الحكومة لزيادة عدد المدارس الثانوية و مؤسسات التعليم العالي باستمرار . و تطلبت الإحتياجات الإقتصادية والتقنية فضلا عن التطور العام في البلاد تطورا مقابلا في التعليم . و في نهاية حكم (نيقولا الأول) كان في روسيا ست جامعات . في (موسكو) و (دوربات) و (خاركوف) و (قازان) و (سانت بطرسبورج) و (كييف) – مرتبة حسب تواريخ إنشاءها . فضلا عن العديد من مدارس التقنية المتقدمة أو الدراسات الخاصة.
و إذن فالأسطورة ذائعة الصيت بأن جميع من في روسيا في ذلك الوقت كانوا جهلة برابرة و تقريبا متوحشين غير صحيحة بالمرة . ربما كانت الجموع الفلاحية التي ترزح تحت نظام القنانة تعاني من الجهل إلا أن الإنجازات الثقافية لسكان المدن قد شابهت مثيلاتها في مدن أوروبا الغربية . فيما عدا بعض المجالات التقنية البحتة . أما الشباب المثقف فكانوا في بعض النواحي أكثر تقدما من الشباب في البلدان الأوروبية الأخرى .
و قد نبهنا على هذه الفجوة الواسعة من التناقض بين عقلية السكان المستعبدين من ناحية و عقلية الطبقات المميزة من قبل .

http://anarchist-document.blogspot.com

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s