الثورة المجهولة / 6

الفصل الرابع
نهاية القرن
الماركسية . التطور السريع . الرجعية
( 1881 – 1900م )
———————
بعد فشل حملة العنف التي قادها الـ (نارودانيا فوليا) ضد القيصرية , شاركت الكثير من العوامل في تحول الحركة الثورة الروسية . و كان أهم هذه العوامل هو ظهور الماركسية .
و كما هو معروف فإن الماركسية قد عبرت عن تصور جديد للنضال الإجتماعي . تصورا أدي إلى برنامج عمل ثوري ملموس . و تمثل في أوروبا الغربية في حزب الطبقة العاملة السياسي المدعو بالحزب السياسي الديموقراطي .
و على الرغم من كل العقبات , كانت أفكار (لاسال) الإشتراكية و انجازات (ماركس) معروفة . إذ درست و بُشّر بها و مورست سرا في روسيا . و قد برع الأدب في فن التعامل مع الأفكار الإشتراكية باستخدام لغة معمّاة . و قد عادت المجلات الكبيرة المعروفة للظهور بحماسة كبيرة  بين المساهمين الذين كانوا أفضل الصحفيين و الناشرين في ذلك الوقت . و الذين حللوا بشكل منظّم المشاكل الإجتماعية و المذاهب الإشتراكية و وسائل تحقيقها . و إننا لا نبالغ في تقدير قيمة هذه المنشورات بالنسبة للحياة الثقافية للبلد إذا قلنا أنه يستحيل على أسرة مثقفة أن تكون كذلك بدونها . و كان من الضروري في المكتبات أن يوضع اسم الشخص على قائمة الإنتظار للحصول على أحدث إصدار . و قد تلقى أكثر من جيل من الروس تعليمهم الإشتراكي من هذه المجلات , و أكملوا هذا التعليم من خلال قراءة جميع أنواع المنشورات السرية .
و هكذا حلت الأيديولوجية الماركسية المستندة على العمل المنظم لـ (البروليتاريا) محل آمال الدوائر التآمرية السابقة , الخائبة
و كان العامل الآخر المهم هو التطور السريع المطرد للصناعة و التكنولوجيا , مع كل العواقب بعيدة المدى الخاصة به .
فمن شبكات السكك الحديدية و غيرها من وسائل النقل , إلى التعدين و التنقيب عن النفط , إلى المنسوجات , إلى صناعة الماكينات , تطورت كل هذه الأنشطة الإنتاجية بخطوات واسعة لتعوض ما فاتها . و انتشرت المناطق الصناعية في جميع أنحاء البلاد . و تغيرت بيئة مدن عديدة بسبب المصانع الجديدة و بسبب الأعداد المتزايدة من العمال .
فقد دعم هذه الطفرة الصناعية قوي عاملة تتألف من جموع هائلة من الفلاحين البائسين الذين أجبروا إما على ترك ترك أراضيهم غير الكافية بصورة دائمة أو البحث عن عمل إضافي أثناء فصل الشتاء . و كما في كل مكان آخر كلما تقدمت الصناعة تقدمت (البروليتاريا) . . و كما في كل مكان آخر , بدأت هذه (البروليتاريا) في إذكاء الحركة الثورية .
و هكذا كان انتشار الأفكار الماركسية و نمو (البروليتاريا) الصناعية التي يعتمد عليها الماركسيين , هي العناصر الساسية في تحديد الوضع الجديد .
و احتاجت التنمية الصناعية و ارتفاع مستوى المعيشة بشكل عام في جميع المجالات إلى المتعلمين و المهنيين و الفنيين و العمال المهرة . و تزايدت أعداد المدارس بكافة أنواعها في اطّراد الرسمية و البلدية و الخاصة . في المدن و الريف . جامعات و مدارس فنية متخصصة و غيرها منمنشئات التعليم العالي وكانت المدارس الإبتدائية و الدورات المهنية في كل مكان . و خلاصة القول كان 79% الجنود أميين في سنة 1875 , و بحلول 1898 انخفضت هذه النسبة إلى 55% .
جاء هذا التطور كله خارج إطار النظام السياسي ذو الحكم المطلق . بل و كان معارضا له في كثير من الأحيان . و تمسك النظام في عناد بجموده السخيف المعرقل حتى صار كجثة نجثم فوق جسد البلد الحـي .
و بالتالي , و على الرغم من القمع الوحشي , انتشرت الحركة المناهضة للملكية جنبا إلى جنب مع الدعايات الثورية و الإشتراكية على نطاق واسع و على نحو متزايد .
و حتى الجماهير الفلاحية – الأكثر تخلفا و الأكثر تعرضا للظلم في آن – بدأت تتزحزح . . يحثها الفقر و المعاملة غير الإنسانية من ناحية و تجاوب أصداء الدعايات المحرضة من ناحية أخرى . و قد نفذت هذه الأصداء إلى أوساط الفلاحين عبر المثقفين الذين كانوا يعملون في الـ (الزيمستفات) حيث كانوا يعرفون باسم (زميستكي رابوتنيكي) =  مستخدمين البلديات . و عبر العمال الذين كانت تربطهم علاقات عائلية مع الريف . و عبر العمال الموسميين و البروليتاريا الزراعية . و كانت الحكومة عاجزة في مواجهة هذه الدعاية .
و ما إن نصل إلى نهاية القرن حتى نجد قوتان واضحتان في مواجهة إحداهما الأخرى . أولاهما القوة القديمة و تتألف من الطبقات صاحبة الإمتيازات العالية الذين تجمعوا حول العرش , النبلاء و ملاك الأراضي و البيروقراطيين و العسكريين و كبار رجال الدين و البرجوازية الناشئة . و كانت الثانية قوة ثورية شابة تألفت أساسا بين 1890 و 1900 من جموع الطلبة , لكنها بدأت تستقطب العمال الشباب في المدن و المناطق الصناعية .
و في 1898 أنشأ التيار الثوري ذو الميول الماركسية حزب العمال الإشتراكي الروسي . و كانت أولى المجموعات الإشتراكية الديموقراطية قد تكونت سنة 1883 تحت اسم ” تحرير العمال “.
بين هاتين القوتين المتضادتين وقفت قوة ثالثة . تألفت أساسا من ممثلي الطبقة الوسطى و عدد من المثقفين البارزين , أساتذة جامعات و محامين و كتاب و أطباء . . كانت حركة ليبرالية على استحياء . و على الرغم من تقديمهم الدعم للحركة الثورية سرا و بحذر شديد , اعتقد هؤلاء الناس في “الإصلاحات” و كانوا على أمل أنه تحت التهديد بالثورة الوشيكة – كما في عهد (ألكسندر الثالث) – سيقدم النظام الاستبدادي المزيد من التنازلات مما سيؤدي في نهاية المطاف إلى إنشاء نظام دستوري .
وحدها الجموع الفلاحية ظلت خارج هذه المعادلة .
و عندما توفي (ألكسندر الثالث) ترك العرش لابنه نيقولا . . آخر آل رومانوف . .
و أدعت أسطورة غامضة أن القيصر مؤمن بالأفكار الليبرالية . بل و تمادت إلى حد الزعم بأنه قد منح شعبه دستورا من شأنه أن يقيد السلطات المطلقة للقيصر تقييدا .
و سعيا لتحويل رغباتهم إلى حقائق , التمست بعض المجالس البلدية (زيمستفو) الليبرالية على استحياء شديد من القيصر الشاب حقوقا نيابية تمثيلية .

و في يناير 1895 و في أثناء الاحتفال زواج (نيقولا الثاني) , و إذ كان القيصر يتلقى أفواج المهنئين من النبلاء و الجيش و المجالس البلدية في (سانت بطرسبورج) إذ فوجيء أعضاء المجالس البلدية بالقيصر يتمعّر غضبا و يضرب الأرض بقدمه و هو يصرخ في هيستيريا داعيا المجالس البلدية لنبذ “أحلامها المجنونة” إلى الأبد . . و قد عزز قوله على الفور عن طريق اتخاذ تدابير قمعية ضد “محرضين” معينين على مواقف المجالس البلدية “التخريبية” . . و هكذا تم التأكيد على الرجعية و الإستبداد مرة أخرى ضد تطور البلاد العام .

http://anarchist-document.blogspot.com

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s