الثورة المجهولة / 7

الفصل الخامس
القرن العشرين
التنمية المتسارعة . الدفع الثوري . النتائج
(1900 – 1905 م )
———————
مع بداية القرن العشرين , أصبحت الأحداث و الخصائص التي ذكرناها للتو أكثر وضوحا .
فمن ناحية قرر النظام الإستبدادي الحفاظ على نفسه من خلال جميع الوسائل الممكنة  بدلا من الإستجابة لتطلعات الجماهير . ليس فقط بقمع جميع الحركات الثورية و لكن جميع أشكال التعبير المعارضة أيضا . و في خلال هذه الفترة حولت حكومة (نيقولا الثاني) الإستياء الشعبي المتزايد عنها عن طريق حملات دعاية مضادة للسامية واسعة النطاق , يليها تحريض بل و حتى تنظيم لمذابح ضد اليهود .
و من ناحية أخرى تواصلت التنمية افقتصادية في البلاد بوتيرة متسارعة . ففي فترة السنوات الخمس ما بين 1900 إلى 1905 قفزت الصناعة و التكنولوجيا قفزات واسعة . و كان معدل إنتاج النفط في (باكو) و إنتاج الفحم في (دونيتز) و إنتاج المعادن قد قارب معدلاته في الدول الصناعية الأخرى . و جرى التوسع في الطرق و وسائل النقل . . السكك الحديدية و الشاحنات و النقل النهري و البحري عبر المحيطات . . و تحديثها . و وظفت مؤسسات المقاولات الآلاف بل و حتى عشرات الآلاف من العمال في المدن الكبرى و ضواحيها . و ظهرت مناطق صناعية بأكملها أو جرى توسيعها . و على سبيل المثال أن نحصر مصانع (بوتيلوف) الكبرى و أحواض بناء السفن الواسعة في (نيفسكي) و مصانع البلطيق الكبيرة فضلا عن مصانع (بطرسبورج) . و قد عمل في الضواحي الصناعية في العاصمة عشرات الآلاف من العمال . في (كولبينو) و (تشو خوفو) و (سيستروريتش) . و المنطقة الصناعية في (إيفانوفو- فوز – نيسينك) بالقرب من (موسكو) و مصانع عديدة مهمة في جنوب روسيا , في (خاركوف) و (إيكاترينوسلاف) و أماكن أخرى . و لم يكن هذا التطور السريع معروفا خارج روسيا لغير المعنيين . . و رغم ذلك , أو بسببه , لا يزال الكثيرون يعتقدون أنه في الفترة السابقة لصعود البلشفية لم يكن هناك أي صناعة تقريبا في روسيا و أن الصناعة كان انجاز الحكومة البلشفية بالكامل . لكن الحق أن التطور كان كبيرا , ليس من وجهة النظر الصناعية المحضة و حسب , بل و من وجهة النظر الإجتماعية أيضا . فقد أدى التصنيع إلى نمو سريع للبروليتاريا . و وفقا لإحصائيات تلك الفترة , بلغ عدد العمال في روسيا الملايين الثلاثة بحلول 1905 .
و في ذات الوقت تقدمت البلاد تقدما سريعا في الشئون الثقافية . و تقدم تعليم الكبار بسرعة أيضا . و قد وصل عدد الجامعات و مدارس التعليم العالي في سنة 1905 إلى حوالي الثلاثين , و اعتمد معظمها على معونة الدولة , باستثناء عدد قليل منها دعمتها أموال البلديات . و تبعا لتقليد قديم من ناحية و نتيجة لإصلاحات (ألكسندر الثاني) من ناحية أخرى كان نظام الجامعات الأساسي ليبراليا جدا و سمح بقدر كبير من الإستقلال الداخلي . و قد حاول كل من (ألكسندر الثالث) و (نيقولا الثاني) تقليص هذا الاستقلال , لكن أثارت كل محاولة من هذا النوع الكثير من الاضطرابات مما حدا بالحكومة في نهاية الأمر بالكف عن هذه المشاريع .
و كان اختيار أساتذة الجامعات و المدارس العليا من بين خريجي الجامعات يتم وفقا لإجراءات محددة .
و في كل المدن تقريبا , حتى غير المهمة منها , كان التعليم الثانوي متاحا . كم أتيح التعليم الإعدادي للأولاد و البنات . و قد أسست المدارس الثانوية الدولة أو الأفراد أو المجالس البلدية . و في جميع الحالات اعتمدت برامج التدريس التي وضعتها الدولة , و كان التدريس فيها جميعا متماثلا . و كان تدريس الدين إلزاميا .
و كان اختيار أعضاء هيئة التدريس في المدارس الثانوية يتم من المجتمع الجامعي فيما عدا استثناءات قليلة . و كان برنامج الدراسة يشمل ثماني سنوات إلزامية تنتهي بالحصول على الدبلومة المؤهلة للدراسة الجامعية . و كان بإستطاعة الطلبة الحصول على سنة تحضيرية إضافية قبل الجامعة .
و زاد عدد المدارس الإبتدائية في المدن و الريف في سرعة . و جرى تأسيسها من قبل الدولة أو المجالس البلدية . و كانت جميعها تحت رقابة و سيطرة الحكومة . و كان التعليم الإبتدائي مجاني لكنه لم يكن إلزامي . و قد فرضت الدولة بطبيعة الحال التعليم المسيحي في المدارس الإبتدائية . و توجب على المدرسين , رجالا و نساء , في المدارس الإبتدائية الحصول على دبلومة من أربعة سنوات من المدارس الثانوية .
و لاقت الدورات المسائية للكبار و بعض الجامعات الشعبية المنظمة تنظيما جيدا اقبالا كبيرا في كل المدن الكبرى . و قد كرست البلديات و بالأخص بعض الأفراد أنفسهم في حماس لهذه المؤسسات .
و كان أبناء العمال و الفلاحين ندرة في المدارس الثانوية و الجامعات بصورة واضحة . إذ كانت تكلفة هذا التعليم مرتفعة جدا . خلافا للأسطورة الذائعة بأن ارتياد هذه المدارس كان ممنوعا على أبناء العمال و الفلاحين . و قد كانت غالبية الطلبة من أسر المثقفين من أصحاب المهن الحرة و الموظفين و رجال الدين و من الأسر البرجوازية .
و حقيقة أن الأوساط الفكرية قد اعتنقت عقيدة أقل ما توصف به أنها متحررة هو ما مكّن دعاية الأفكار التقدمية من أن تجد لنفسها مكانا بجانب المناهج الدراسية في العديد من المدارس البلدية و الأهلية . برغم رقابة الشرطة .
و كان المحاضرين في الجامعات الشعبية و المعلمين في المدارس الإبتدائية في أغلب الأحيان من الأوساط الثورية . و قد تسامح المدراء , و كانوا غالبا ذوي ميول ليبرالية معهم . و أجادوا كيفية “ترتيب الأمور” مما صعّب الأمر على السلطات أن تعارض هذه الدعاية .
و بالإضافة إلى التعليم المدرسي و المحاورات , اتخذ التعليم مكانه عبر الكتابة و النشر . إذ ظهرت كمية هائلة من المنشورات و الكتيبات الشعبية . و كان يتوفر على تأليفها عادة أكاديميون , أو كانت تتألف من مقتطفات لكبار الكتّاب . و تناولت هذه الكتيبات جميع العلوم , و حللت المشاكل السياسية و الإجتماعية بروح تقدمية للغاية . و كانت الرقابة الرسمية عاجزة في مواجهة هذه الفيضانات المتزايدة . و ابتدع المؤلفين و الناشرين وسائل عديدة لخداع السلطات اليقظة .
فإذا أضفنا إلى ذلك كله نشر الأدب الثوري السري و الكتابات الإشتراكية بين أوساط المثقفين و الطبقة العاملة , فسيتكون لدينا فكرة جيدة عن الحركة الواسعة من التعليم و الإعداد الذي ميّز الفترة بين 1900 و 1905 .
لقد سمحنا لأنفسنا أن نقدم بعض التفاصيل الضرورية لفهم الطابع التدريجي للحركات الثورية التي أعقبت . و ينبغي أن نؤكد أن هذه الحركة من التطلعات السياسية و الإجتماعية قد اكتملت من خلال تطور أخلاقي ملحوظ .
حرر الشباب أنفسهم إذن من جميع الأحكام المسبقة . في الدين و الوطنية و الجنس . و في بعض النواحي كانت الدوائر الطليعية الروسية و لفترة طويلة أكثر تقدما من مثيلاتها في الدول الغربية . و كانت المساواة بين البشر المساواة بين الدول , بين الأعراق , بين الجنسين إضافة إلى الزواج الحر union libre و إنكار الأديان , من الثوابت الموروثة في هذه الدوائر منذ أيام العدميين . و قد أنجز الكتاب الروس بلينسكي Belinski , و (هيرزن)Herzen , و (تشيميشيفسكي)Chernyshevsky , و (دوبرولوبوف)Dobrolubov  , و (بيساريف) Pissarev , و (ميخائيلوفيسكي) Mikhailovsky , مهمة هائلة في جميع هذه الميادين . . لقد تعلمت عدة أجيال من المثقفين معنى التحرر الكامل . على الرغم من التعليم الإلزامي ذو المحتوى المعاكس الذي فرضه النظام القيصري .
و في نهاية المطاف صارت هذه الروح التحررية تقليدا مقدسا و حقا ثابتا للشباب الروسي . و بينما كانوا يخضعون لما يمليه التعليم الرسمي , إلا أنهم سرعان ما كانوا ينبذونه بمجرد حصولهم على الدبلومة .
“لا تذهبوا إلى الجامعة !!” هكذا صاح مطران أبرشيتنا في حفل توزيع شهادات الدبلومة علينا نحن الطلبة المتخرجين من المدرسة الثانوية . “لا تذهبوا إلى الجامعة !! لأنها وكر مثيري الشغب . كان هذا المطران الطيب يعرف ما كان يحدث . فمع إستثناءات قليلة للغاية فإن جميع من ذهب إلى الجامعة قد صار من الثوار . و كانت كلمة طالب تساوي كلمة متمرد .
فيما بعد , و بعد أن يكبر هؤلاء الذين كانوا ذات مرة متمردين , كثيرا ما كانوا ينسون دوفعهم الأولى تحت ضغوط الحياة . لكن شيئا ما ظل هناك . عقيدة الحرية , روح المعارضة , شرارة حية تحت الرماد على استعداد أن تنشب حريقا ضخما في أول فرصة مناسبة .
و رغم ذلك ظلت الحالة السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية للطبقة العاملة دون تغيير . و كان العمال يتعرضون لإستغلال متزايد من الدولة و البرجوازية , مجردين من كل وسيلة للدفاع , محرومين من كل حق في التجمع و التوحد , من أن يسمع صوتهم أو أن تحدد مطالبهم , من التنظيم و من النضال و من الإضراب . . كان العمال ماديا و معنويا غير راضين .
و في الريف , كان الفقر و عدم الرضا بين الجماهير الفلاحية في تزايد . كان الفلاحين و هم حوالي 175 مليونا من النفوس مهملين . حيث اعتبرتهم الدولة “حيوانات بشرية” . و كان العقاب البدني حقيقة واقعة حتى 1904 برغم حظره قانونا منذ 1863 . و كان الفلاحين يفتقرون إلى الثقافة العامة و التعليم الإبتدائي و كانت أدواتهم بدائية و غير كافية . و مع غياب نظام الإئتمان و جميع أشكال الحماية أو المعونة . و في ظل الضرائب المرتفعة جدا و المعاملة القاسية المتعسفة و الإزدراء من قبل السلطات و الطبقات المتميزة و استمرار تجزئة أراضيهم نتيجة تقسيم الأرض بين أفراد الأسرة الجدد . و المنافسة المستمرة بين الـ (كولاك) الفلاحين الأغنياء و طبقة النبلاء الإقطاعيين . . كانت تلك كلها أسبابا منوعة لبؤسهم . . حتى الكوميونات الزراعية . . الـ (ميرات)(1) الروسية الشهيرة . . لم تعد قادرة على دعــــــم أعضاءها . و علاوة على ذلك , فإن حكومات كل من (ألكسندر الثالث) و خليفته (نيقولا الثاني) قد بذلت كل ما وسعها لتحويل الـ (مير) إلى هيئة إدارية بسيطة تحت مراقبة و حراسة الدولة . و كان الغرض الأساسي من هذه الهيئة الإدارية هو إجبار الفلاحين على دفع الضرائب و الرسوم .
كان و لابد , و الوضع على هذا الحال , أن تلقى الدعاية الإشتراكية و النشاط الثوري بعض النجاح . فانتشرت الماركسية سرا لك بقوة , و وجدت العديد من الأتباع المخلصين و بخاصة في أوساط الطلبة و بين بعض العمال . و قد كان تأثير حزب العمال الإشتراكي الديموقراطي الذي تأسس 1898 محسوسا في كثير من المدن و المناطق على الرغم من كونه غير قانوني – و الحق أن كل الحزاب كانت كذلك – .
و مع تحول التشدد الحكومي ضد النشطاء إلى الوحشية , كان هناك عدد لا يحصى من المحاكمات السياسية و تدابير القمع الإداري و العنف الجسدي من جهة الشرطة . و امتلأت السجون و أماكن الأشغال الشاقة و معسكرات النفي . و مع ذلك , و رغم قدرة الحكومة على الحد من نشاط الحزب و نفوذه إلى الحد الأدنى إلا أنها لم تنجح في خنقه كما نجحت في خنق الجماعات السياسية الأولى .
بعد عام 1900 , و على الرغم من كل الجهود التي بذلتها السلطات , نمت الحركة الثورية إلى حد كبير . و اصبحت الإضطرابات الطلابية و العمالية حدثا يوميا . و أغلقت الجامعات مرارا بسبب الاضطرابات السياسية . و كانت استجابات الطلاب المدعومين من العمال هي التظاهر في الأماكن العامة . و قد أصبحت ساحة كاتدرائية (كازان) في (سانت بطرسبورج) البقعة الكلاسيكية لهذه المظاهرات الشعبية حيث يتجمع الطلبة و العمال يغنون الأغاني الثورية و يحملون الأعلام الحمراء . ثم ترسل الحكومة مفارز من الشرطة و الـ (قوزاق) لـ “تطهير” الساحة و الشوارع المجاورة بالسيوف و السياط (ناجايكاس) .
لقد بدأت الثورة تستفتح الشوارع . .
و مع ذلك , و من أجل إعطاء القاريء فكرة دقيقة عن الوضع العام فسنتحفظ تحفظا آخر . فالصورة التي رسمناها للتو دقيقة حقا , لكن لو نظرنا فقط إلى هذه الصورة دون إجراء تصحيحات كبرى من الإشارة إلى مجمل السكان في البلاد فإننا نخاطر بالمبالغة . و سوف ينتهي بنا الأمر إلى استنتاج تقييمات عامة خاطئة لن تؤدي إلا لفهم خاطيء للأحداث اللاحقة .
فلا يجب أن ننسى أنه من كتلة هائلة من السكان تتألف من نحو 180 مليون نفس لم تتأثر بالحركة الفكرية التي وصفاها إلا طبقة صغيرة جدا في الواقع تتالف من بضعة آلاف من المثقفين و بخاصة الطلبة و نخبة من الطبقة العاملة في المدن الكبرى . أما بقية السكان من جماهير فلاحية لا تحصى و غالبية الطبقة العاملة فكانوا مايزالون خارج المد الثوري . بل و حتى غير مبالين بها . لكن منذ 1900 كانت أعداد العمال في الدوئر التقدمية في ازدياد و وصل المد الثوري إلى جماهير الفلاحين البائسين على نحو متزايد . لكن في الوقت نفسه كانت كتلة واسعة من الشعب – الكتلة المعول علي تغيرها  في تحديد التغيرات الأجتماعية – لا تزال على حالها . . كان ” التناقض الروسي ” على حاله . و كانت “أسطورة القيصر ” لاتزال قادرة على إبهار الملايين . بالنسبة لهذه الكتلة كان المد الثوري ليس أكثر من موجة بحر عابرة . . صغيرة و سطحية . . فقط أربعة من العمال شاركوا في المؤتمر الإشتراكي الديموقراطي في لندن 1903 .
و لا يجب أن ننسى أن كل أتصال بين هؤلاء الذين في مقدمة المد الثوري و بين من كانوا في الطريق إليه , و بين كتلة السكان الذين ظلوا متخلفين عن ذلك المد , كان مستحيلا .
و هذا الإعتبار يجب أن يضعه القاريء في ذهنه باستمرار من أجل فهم الحداث اللاحقة .
و في 1901 انضم إلى المد الثوري عنصر جديد . . فبجانب حزب العمال الإشتراكي الديموقراطي , قام الحزب الإشتراكي الثوري . و قد لاقت دعاية هذا الحزب نجاحا كبيرا . .
و الحزبان يختلفان أيديولوجيا في نقاط ثلاث :
1 – من وجهة نظر فلسفية و إجتماعية يرفض الحزب الإشتراكي الثوري التعاليم الماركسية .
2 – و بسبب رفضه للتعاليم الماركسية , فقد وضع الحزب الإشتراكي الثوري حلا مختلفا لمشكلة الفلاحين – و بخاصة في روسيا – . على حين أن حزب العمال الإشتراكي الديموقراطي و المستند فقط على الطبقة العاملة (البروليتاريا) لم يعول على الجماهير الفلاحية كثيرا – بإنتظار تحولها السريع إلى (بروليتاريا) – و أهمل بالتالي الدعاية في المناطق الريفية . على حين أمل الحزب الإشتراكي الثوري في كسب الفلاحين إلى صف الإشتراكية و الثورة . حيث بنيت أيديولوجيته على أساس من استحالة انتظار تحول الفلاحين إلى (بروليتاريا) . و بالتالي فقد نفذ دعاية واسعة النطاق في المناطق الريفية . . و في حين لم يعد الحزب الاشتراكي الديموقراطي في برنامجه الزراعي بأكثر من توسيع أراضي الفلاحين و بعض الإصلاحات الثانوية الأخرى . على حين نص برنامج الحزب الإشتراكي الثوري على إشتراكية فورية كاملة للأرض .
3 – و إذ يتشق العمل مع الجماهير تماما مع عقيدته فقد رفض الحزب الإشتراكي الديموقراطي جميع النشطة الإرهابية و الإغتيالات السياسية و اعتبرها عديمة الجدوى . و على الطرف الآخر تورط الحزب الإشتراكي الثوري في محاولات لإغتيال كبار رجال القيصر . و أنشأوا تنظبما خاصا اطلق عليه اسم “كائن المعركة” . و كان مكلفا بإعداد و تنفيذ عمليات الإغتيالات السياسية بتوجيه من اللجنة المركزية .
عدا عن هذه الخلافات كانت البرامج السياسية و الإجتماعية قصيرة الأجل “برامج الحد الأدنى” واحدة لـدى الطرفين تقريبا : جمهورية برجوازية ديموقراطية تمهد الطريق لحدوث تطور في اتجاه الإشتراكية .
و فيما بين 1901 و 1905 قام الحزب الإشتراكي الثوري بعدة محاولات إغتيال , كان لبعضها تداعيات كبيرة . ففي 1902 قام (بالماتشيف) Balmachev الطالب الناشط في الحزب الإشتراكي الثوري بإغتيال (سيبياجين) Sipiagin وزير الداخلية ,  في 1904 قام طالب آخر يدعى (سازونوف) Sazonov بإغتيال (فون بليهفي) خليفة (سيبياجين) و المشهور بقسوته . و في 1905 قام الإشتراكي الثوري (كالاييف) Kalayev بإغتيال الدوق الأكبر (سيرجي) حاكم موسكو الملقب بالمرزبان البشع .
بالإضافة إلى هذين الحزبين السياسيين كان كانت هناك أيضا حركة أناركية صغيرة تتشكل . كانت ضعيفة للغاية و مجهولة تماما من الشعب . و قد تألفت من بعض المجموعات من المثقفين و العمال و فلاحي الجنوب بدون اتصال دائم . و ربما كانت هناك مجموعتان اناركيتان في (سانت بطرسبورج) و أكثر من ذلك قليلا في (موسكو) و إن كانت الأخيرة أكثر قوة و نشاطا . فضلا عن مجموعات صغيرة في الجنوب و الغرب . و اقتصر نشاطهم على دعاية ضعيفة للغاية – برغم صعوبتها البالغة أو ربما بسببها – و بعض محاولات الإغتيال ضد الموظفين المتحمسين للنظام و بعض أعمال “الانتقامات الفردية” . و جاء الأدب التحرري مهرّبا من الخارج . و كان في معظمه عبارة عن كتيبات لـ (كروبوتكين) و الذي اضطر هو نفسه للهجرة خارج البلاد بعد انهيار (نارودنايا وليا) حيث استقر في انجلترا .
و قد سببت الزيادة المتسارعة في المد الثوري قلقا متزايدا لدى الحكومة . أما ما أزعج السلطات أكثر فكان تقبل الطبقة العاملة لهذه الدعاية بشكل إيجابي . و بالرغم من عدم قانونيته مما شكل مشكلة في وجودها , كان لدى كلا الحزبين الإشتراكيين لجان و دوائر دعاية و مطابع سرية و عدد لا بأس به من المؤيدين في العديد من المدن الكبرى . و قد اجتذبت اغتيالات الحزب الإشتراكي الثوري قدرا كبيرا من الإهتمام , بل و الإعجاب . و عندما وصل الأمر إلى هذا الحد قررت الحكومة أن أساليبها الدفاعية عن طريق القمع و الترصد و التجسس و الاستفزاز و السجون و المذابح ليست كافية . . و من أجل إبعاد الجماهير العاملة بعيدا عن نفوذ الأحزاب الإشتراكية و جميع الأنشطة الثورية الأخرى , تبنت خطة ميكيافيلية كان بإمكانها نظريا أن تحكم قبضة الحكومة على الحركة العمالية . إذ قررت أن تطلق منظمة عمالية قانونية تسيطر عليها الحكومة . و بذلك تضرب عصفورين بحجر واحد : فمن ناحية ستجذب الحكومة تعاطف و امتنان و ولاء الطبقة العاملة , و تسحبها بعيدا عن الأحزاب الثورية . و من ناحية أخرى فإن الحكومة ستكون قادرة على قيادة هذه الحركة العمالية أينما أرادت , فضلا عن مراقبتها عن كثب .
و ليس هناك من شك أن مهمة مثل هذه في غاية الدقة كانت تتطلب لجذب العمال إلى منظمات الدولة و لتهدئة شكوكهم و إثارة إهتمامهم , الكثير من التملق و الخداع و الإغراء , بدون علمهم . . و كان من الضروري التظاهر بتلبية تطلعاتهم و التفوق على الحزبين و تحييد دعاياتهما بتجاوزها , و لاسيما مع أعمال ملموسة . . و كان على الحكومة لتحقيق نجاحات ملموسة أن تقدم بعض  التنازلات في النظام الإقتصادي و الإجتماعي , لكي تحتفظ بالعمال تحت رحمتها تتلاعب بهم كما تشاء .
و كان على رجال تضع فيهم الحكومة ثقتها المطلقة أن يضطلعوا بتنفيذ مثل هذا “البرنامج” . رجال ماكرين , ماهرين , ذوي خبرة , و على دراية بنفسية العمال . رجال يعرفون كيف يفرضون أنفسهم على العمال و يكسبون ثقتهم .
و قد وقع اختيار الحكومة على عنصرين من عناصر الشرطة السياسية السرية (أوخرانا) للإضطلاع بهذه المهمة . كان أولهما (زوباتوف) Zubatov من (موسكو) و كان الآخر الأب (غابون) Gapon قسيس سجن (سانت بطرسبورج) .
أرادت حكومة القيصر أن تلعب بالنار , و لم يمض طويل وقت حتى أحرقت نفسها بقسوة ..

مير Mir : كوميونة زراعية قوامها فلاحين أحرار تئول فيها ملكية الأرض للكوميونة و تعتمد على التنظيم الذاتي في استغلال الأرض . و يرجع تاريخ تكونها إلى عهد سابق على نظام القنانة في محاولة الفلاحين الإحتفاظ بأرضهم و حريتهم . وبعد إلغاء نظام القنانة 1868 آلت ملكية الأراضي المستقطعة من الإقطاعيين إلى الـ (مير) . و مع تزايد السكان الطبيعي صار الـ (مير) عاجزا عن دعم أعضاءه . و قد حاول (ستوليبين) Stolypin بإصلاحاته 1908 كسر الـ (مير) بلا جدوى . صحيح أن بعضها قد تحول إلى أراضي ملكيات فردية إلا أن الـ (مير) قد استمر كوحدة إدارية و ضريبية لما بعد قيام ثورة 1917 حتى 1928 – 1929 مع إدخال مفهوم المنظمات الجماعية حين حلت محلها المزارع الجماعية كبديل لها . (المترجمة)

http://anarchist-document.blogspot.com

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s