الثورة المجهولة / 8

القسم الثاني – الإنتفاضة الكبرى
( 1905 – 1906 )
———————
الفصل الأول
ملحمة الـ (غابونيست)
الإضراب العام الأول
———————
أما (زوباتوف) Zubatov من موسكو , فقد انكشف أمره سريعا . فلم يتمكن من إنجاز الكثير . لكن الأمور في (سانت بطرسبورج) سارت بأفضل ما يتمناه النظام . . كان الأب (غابون) Gapon ماكرا شديد المكر , و عمل في الظل , و عرف يكسب ثقة و ود المجموعات العمالية . و كان موهوبا بحق في التحريض و التنظيم و قد نجح بفضل موهبته هذه في إنشاء ما يسمى بـ “القطاعات العمالية” و التي قادها بنفسه . و في نهاية 1904 كان هناك أحد عشر قطاعا من هذه “القطاعات” , تقع في مناطق عدة من العاصمة و تضم في عضويتها عدة آلاف من العمال .
و كان العمال ينضمون طوعا لهذه “القطاعات” و كانوا يجتمعون مساءا لمناقشة مشاكلهم و الإستماع إلى المحاضرات و إلقاء نظرة على الصحف. و إن لم يتمكن النشطاء السياسيين من الأحزاب السياسية من النفاذ إلى هذه الإجتماعات بسهولة , إذ كان العمال الجابونيست يحرسون مداخل هذه الإجتماعات بحرص بالغ . و حتى من كان يستطيع التسلل داخل كان سرعان ما يكتشف أمره و يطرد على الفور .
و قد أخذ عمال (سانت بطرسبورج) “قطاعاتهم” على محمل الجد , و إذ وضعوا في (غابون) كامل ثقتهم , فقد أفضوا إليه بمشاكلهم و تطلعاتهم . و كان على إطلاع بمناقشاتهم كيفية تحسين أوضاعهم و أساليب الكفاح المختلفة ضد أرباب العمل . و لأنه كان نفسه ابنا لأحد الفلاحين الفقراء و قد أمضى حياته بين العمال , كان (غابون) يفهم جيدا سيكولوجية العمال الذين وثقوا فيه . و كان بارعا جدا في التظاهر بالموافقة و التعاطف مع الحركة العمالية . و هو ما كان مهمته الرسمية , على الأقل في البداية .
و كان الإقتراح الذي أرادت الحكومة أن تفرضه على العمال في “قطاعاتهم” ما يلي : ” يا عمال !! يمكنكم تحسين أوضاعكم من خلال تكريس أنفسكم لهذه المهمة ضمن الحدود القانونية و في إطار قطاعاتكم . تحقيق النجاح لا يحتاج للانخراط في السياسة . اهتموا بمصالحكم الشخصية الملموسة الحاضرة لتعيشوا حياة سعيدة . أما الأحزاب و الصراعات السياسية و كل البرامج التي يعدكم بها “الرعاة الأشرار” الإشتراكيين منهم و الثوريين , فلن تقودكم إلى شيء يستحق . اهتموا بمصالحكم الإقتصادية الحاضرة , هذا هو المسموح , و هذه هي الطريقة الوحيدة لتحسين وضعك . كما أن الحكومة تهتم لأمرك و تريد مساعدتك . ” . . كانت هذه أطروحة (غابون) و أعوانه الذين جندهم من بين العمال أنفسهم . و التي جرى التبشير بها في “القطاعات”.
أما العمال فلم يكونوا ليضيعوا وقتا قبل أن يردوا على هذه الدعوة . فتحضروا للعمل . و وضعوا و صاغوا مطالبهم بالإتفاق مع (غابون) الذي كان وضعه دقيقا للغاية . . إذ كان عليه أن يشارك بفعالية . و لو فشل في القيام بذلك فسيثير على الفور سخط العمال و ستنمو شكوكا أخطر حوله و سيتهمونه وقتها حتما بخيانتهم و دعم أرباب العمل . و سيفقد شعبيته حتما . الأمر الذي إذا حدث فسيعرض عمله كله للخطر . من أجل ذلك كان عليه أن يلعب لعبة مزدوجة . و كان عليه أن يحتفظ بعلاقات ودية مع العمال بأي ثمن . على أمل الإحتفاظ بتحكمه في الحركة و تلاعبه بالجماهير لتحديد و توجيه عملها . من أجل ذلك تصرف كما لو كان مؤيدا لقضية العمال تأييدا تاما .
لكن ما حدث كان عكس ما خُطٍّط له . إذ سرعان ما تجاوزت الحركة خطوطها الحمراء و اكتسبت بسرعة غير متوقعة مدى و قوة و زخما و خالفت كل الحسابات و قلبت كل التوقعات و سرعان ما أصبحت طوفانا حقيقيا جرف (غابون) في طريقه .
و في ديسمبر 1904 , قرر عمال مصنع (بوتيلوف) Putilov أحد أكبر المصانع في (سانت بطرسبورج) و كان الكثير منهم من أصدقاء (غابون) و أتباعه , البدء في العمل . و بالإتفاق مع (غابون) أعدوا قائمة من المطالب الإقتصادية المعتدلة جدا و قدموها للإدارة . و لم تحل نهاية الشهر حتى كان قد بلغهم أن الإدارة “لا تعتقد أنه من الممكن النظر في هذه المطالب” و أن الحكومة كانت عاجزة تماما عن فعل أي شيء حيال مطالبهم . ثم أقدمت إدارة المصنع على طرد بعض العمال الذين كانوا يعتبرون قادة هذه الحركة فطالب العمل بعودة زملائهم المطرودين إلى العمل . و قوبل طلبهم أيضا بالرفض .
كان غضب العمال هائلا . . فأولا لم تؤد جهودهم الشاقة إلى شيء . و ثانيا و هو الأهم أنهم كانوا على يقين بأن جهودهم ستكلل بالنجاح . و كان (غابون) نفسه قد شجعهم و ملأهم بالأمل . لكن ها هي الخطوة الأولى على الطريق القانوني لم تجلب لهم سوى الفشل المرير . كانوا يشعرون بأنهم قد خدعوا و أنهم ملتزمون أخلاقيا بالتدخل لصالح زملائهم المطرودين .
بطبيعة الحال تحولت أعين العمال إلى (غابون) . و لإنقاذ مكانته و دوره كان (غابون) أكثر سخطا من أي شخص آخر . و حث العمال على التوجه إلى المصنع و الرد بقوة . و لم يتردد العمال . شاعرين بأنهم في مأمن إذ كانت مطالبهم المعتدلة إقتصادية بحتة , و بأنهم تحت حماية (غابون) و “القطاعات” . و قرروا بعد عدة إجتماعات صاخبة أن يدعموا قضيتهم بالإضراب . و لم تتدخل الحكومة , ثقةً منها في (غابون) . . و هكذا اندلع اضراب مصانع (بوليتوف) , أول إضراب كبير في روسيا , في ديسمبر 1904 .
و لم تتوقف الحركة عند هذا الحد إذ تحرك العمال في كل “القطاعات” للدفاع عن حركة العمال في (بوليتوف) . و قد وقر في نفوسهم أن فشل عمال (بوليتوف) هو فشلهم جميعا . و كان من الطبيعي أن يتبنى (غابون) وجهة نظر العمال . و كان يزورالقطاعات في المساء . و يلقى الخطب في كل مكان لصالح المضربين في (بوليتوف) داعيا بقية العمال لدعم المضربين بإجراءات حاسمة .
مرت بضعة أيام . و قد أثار التحريض عمال العاصمة بصورة غير عادية . فجأة صارت المصانع خاوية على عروشها تلقائيا . بدون إعداد أو تخطيط . بدون إشارة أو علامة . بدون قيادة . . و هكذا تحول إضراب (بوليتوف) إلى إضراب عام بين كل عمال (سانت بطرسبورج) تقريبا .
كانت عاصفة . و هرع المضربون بشكل جماعي إلى “القطاعات” , متجاهلين جميع الإجراءات و القواعد , داعين إلى اتخاذ إجراءات فورية مؤثرة .
و بإختصار . كان الشعور الهام أن الإضراب وحده غير كاف . و أنه لابد من فعل شيء ما . شيء مؤثر و حاسم .
ثم خرجت فكرة جيدة . لا أحد يعلم كيف و لا أين و لا من الذي اقترح فكرة إعداد “عريضة” للقيصر باسم الفلاحين و العمال و كل مستاء في روسيا تدعمها مظاهرة ضخمة أمام قصر القيصر الشتوي تطالب القيصر بأن يستمع إلى مآسي شعبه . و تسليم “العريضة” له عن طريق وفد يرأسه “غابون” . و على الرغم من سذاجة الفكرة و تناقضها إلا أنها انتشرت بين عمال (سانت بطرسبورج) كالنار في الهشيم . وحدتهم و ألهمتهم و ألهبتهم بالحماس . . و أعطت لحركتهم معنى و هدفا محددا .
و التحمت “القطاعات” بالجاهير حيث قررت تنظيم الحدث . و طولب (غابون) بصياغة “العريضة” فاستجاب . . و هكذا أصبح تحت ضغط الظروف زعيما لحركة تاريخية كبرى للجماهير .
و كانت “العريضة” جاهزة خلال الأيام الأولى من يناير 1905 . واضحة و بسيطة و تنضح بالإخلاص و الثقة . و قد وضحت معاناة الشعب مع قدر كبير من الإخلاص , إذ سئل القيصر أن يلتفت إلى هذه المعاناة و أن يوافق على اصلاحات فعالة و أن يشرف على تنفيذها .
و كان غريبا – لكننا لا نشك أبدا – أن “عريضة” (غابون) قد ألهمت الجماهير حقا .
و كانت الخطوة التالية أن تعتمد “القطاعات” هذه “العريضة” و تقوم بإبلاغها للجماهير , و تنظم المسيرة باتجاه القصر الشتوي .
في هذه الأثناء دخل لاعب جديد في اللعبة . فالثوريون المنتمون لأحزاب سياسية , و الذين ظلوا حتى ذلك الوقت بعيدين عن الحركة و عن “الغابونية” قرروا لقاء “غابون” و كان هدفهم الرئيس التأثير عليه من أجل إعطاء موقفه و “عريضته” و حدثه نمطا أقل إنقيادا و أكثر كرامة و أكثر صلابة . . و باختصار أكثر ثورية . و قد قادته دوائر العمال التقدمية أيضا إلى هذا الإتجاه . و إذ أعطوه الأمان , أقام “غابون” علاقات مع الثوريين الإشتراكيين , و بالإتفاق معهم قام بتغيير “عريضته” الأصلية و وسّعها إلى حد كبير , مقللا تفانيها الموالي للقيصر .
في شكلها النهائي , كانت “العريضة” أعظم مفارقة تاريخية وجدت على الإطلاق . كانت موجهة إلى القيصر بإخلاص , تسأله أن يأذن بـ , بل و يقوم بما ليس أقل من ثورة جذرية , تؤدي في تحليلها النهائي للقضاء على سلطاته . و الواقع أنه قد تم إدراج الحد الأدنى من برامج الأحزاب الثورية في هذه الوثيقة . و كان من بين المطالب العاجلة : الحرية الكاملة للصحافة , و حرية التعبير و الفكر , و الحرية المطلقة لجميع المنظمات و الجمعيات , و حق العمال في الانضمام إلى النقابات و الحق في الإضراب , و بعض الإصلاحات الزراعية المبنية على مصادرة أملاك كبار ملاك الأراضي الزراعية لصالح الكوميونات الفلاحية (مير) , و أخيرا الدعوة الفورية لإنتخاب جمعية تأسيسية على أساس قانون إنتخابي ديموقرطي . . و على الإطلاق . . كانت دعوة صريحة للإنتحار .
و فيما يلي نعرض النص الكامل و النهائي للوثيقة :
 سيدي !!!
نحن عمال (سانت بطرسبورج) و زوجاتنا و أطفالنا و آباءنا و عجائزنا الذين بلا مورد , جئنا إليك أنت أيها القيصر نسأل العدل و الأمان .
لقد انحدر بنا الحال حتى صرنا متسولين . نحن المظلومون . المسحوقون تحت وطأة العمل الشاق . الغارقون في اللعنات . نحن من لا نعد من البشر نعامل معاملة العبيد الذين يجب أن يعانوا مصيرهم المحزن في صمت . و قد عانينا في صبر . و الآن ندفع إلى أعمق أعماق الهاوية . حيث لا شيء غير الجهل و الاستبداد . لقد خنقنا الإستبداد و خنقتنا المعاملة غير الآدمية .
لم يعد بإمكاننا تحمل المزيد . أيها القيصر!! . لقد حانت اللحظة الرهيبة التي يصير الموت فيها أهون من الإستمرار في معاناة لا تطاق . لهذا السبب توقفنا عن العمل . و لهذا السبب أخبرنا أصحاب العمل بأننا لن نعود إليه إلا إذا أجيبت مطالبنا العادلة .
لقد طلبنا أقل القليل . أنه بدون هذا الحد الأدنى لن تكون حياتنا حياة . بل جحيم . و عذاب مقيم .
كان ما طالبنا به رؤساءنا أن يأخذوا في الإعتبار احتياجاتنا بالإتفاق معنا . . و قد رفضوا . . لقد حرمنا من حقنا الأصيل في مناقشة احتياجاتنا بحجة أن القانون لا يعترف بهذا الحق .
رفض مطلبنا تحديد ساعات العمل بثمان ساعات يوميا بحجة عدم مشروعيته .
و طالبنا بالمشاركة في تحديد أجورنا , و المشاركة في التحكيم في حالة حدوث خلاف بين العمال والإدارة الداخلية للمصنع , طالبنا بحد أدنى للأجور روبل واحد يوميا لغير المهرة من العمال رجالا أو نساء , و بالغاء أوقات العمل الإضافية , و طالبنا بأمن و سلامة أماكن العمل حتى لا يموت عامل من المطر أو الريح أو الجليد . . و طالبنا برعاية المرضى . و ألا تصحب الأوامر المعطاة لنا بالشتائم .
و قد رفضت هذه المطالب كلها باعتبارها مخالفة للقانون . و صنفت صياغة المطالب بوصفها جريمة . و اعتبرت رغبتنا في تحسين أوضاعنا من قبل أرباب العمل وقاحة منا تجاههم .
أيها القيصر !! أيتفق هذا مع ما أوصى به الرب حين أعطاك علينا السلطة ؟ هل تستحق هذه الحياة تحت ظل هذه القوانين أن تعاش ؟ ألن يكون من الأفضل لنا , نحن عمال روسيا , أن نموت تاركين الرأسماليين و البيروقراطيين يعيشون وحدهم و يستمتعون بحياتهم ؟
سيدي !! هذا هو المستقبل الذي ينتظرنا . و هذا هو السبب الذي نجتمع من أجله اليوم أمام قصرك . أنت أملنا الأخير . ساعد شعبك ليخرج من فخ الخارجين على القانون , الفخ الذي لا شيء فيه غير البؤس و الجهل . و امنح شعبك فرصة , وسيلة لتحقيق خلاصهم الحقيقي . خلاصهم من ظلم البيروقراطيين الذي لا يطاق . لهدم الجدار الذي يفصل شعبك عنك . . و ادعهم ليحكموا هذا البلد معك .
لقد أرسلك الرب إلينا هاهنا لتقود الناس إلى سعادتهم . لكن موظفيك قد أخذوا منا سعادتنا شيئا فشيئا , و لم يقدموا لنا شيئا سوى الألم و الإذلال .
ابحث مطالبنا باهتمام و دون غضب . فقد صغناها للخير لا للشر . من أجل خيرنا و خيرك يا سيدي . ليس عن وقاحة منا , بل عن وعي بالحاجة العامة لوضع حد للوضع غير المحتمل الذي نعيشه اليوم .
إن روسيا كبيرة جدا . و مطالبها أكبر من أن تحققها حكومة تتألف من البيروقراطيين و حسب . لقد صارت مشاركة الشعب في الحكومة ضرورة لازمة لأن كل إنسان أدرى بما يحتاج .
لذا لا ترفض أن تساعد شعبك . ادع ممثلو جميع الطبقات في البلاد إلى التجمع دون تأخير . و اسمح للرأسماليين بالتمثيل . و اسمح للعمال بالتمثيل . و اسمح للموظفين و الكهنة و الأطباء و الأساتذة أن يختاروا مندوبيهم . و اسمح لكل فئة بالحرية في اختيار من تشاء . و تحقيقا لهذه الغاية , اسمح بانتخاب جمعية تأسيسية في ظل نظام للإقتراع العام .
هذا هو مطلبنا الرئيسي و عليه يتوقف كل شيء آخر . و هذا هو البلسم الشافي لجراحنا المفتوحة . المطلب الذي إن لم يتحقق فستظل جراحنا مفتوحة تنزف حتى الموت .
ليس هناك حل واحد . علاج واحد كاف شاف لكل مشكلات مجتمعنا . نحتاج علاجات متعددة . و سنذكرها لك بالتفصيل الآن . مخلصين نتحدث إليك سيدي . فأنت لنا أب .
و لا غنى عن التدابير التالية :
تتكون المجموعة الأولى من تدابير لمكافحة غياب الحقوق الأصيلة و ضد الجهل الذي يدمغ الشعب الروسي . و قد فصلنا هذه التدابير كما يلي :
            1 – الحرية و السلامة الشخصية . و حرية التعبير و الصحافة . و حرية تكوين الجمعيات . و حرية الفكر في الشئون الدينية . و الفصل بين الكنيسة و الدولة .
            2 – دعم الدولة و تعميمها للتعليم الإلزامي .
            3 – تحمل الوزراء المسئولية أمام الأمة . و ضمانات لشرعية الإجراءات الإدارية .
            4 – المساواة بين جميع الأفراد أمام القانون , بلا استثناء .
            5 – الإفراج الفوري عن جميع المسجونين بسبب معتقداتهم .
و تتألف المجموعة الثانية من تدابير لمكافحة الفقر
            1 – إلغاء جميع الضرائب غير المباشرة . و فرض ضرائب تصاعدية مباشرة على الدخل
            2 – إلغاء رسوم شراء الأراضي . و خفض فائدة الإئتمان . و تحويل ملكية الأراضي تدريجيا إلى الشعب
و تتالف المجموعة الثالثة من تدابير مكافحة سحق العمال من قبل رأس المال
            1 – الحماية القانونية للعمال .
            2 – حرية العمال في إنشاء نقابات لغرض التعاون و تنظيم المشكلات المهنية .
            3 – تحديد ساعات العمل بثماني ساعات يوميا . و تقييد ساعات العمل الإضافي .
            4 – حرية العمال في النضال ضد رأس المال .
            5 – مشاركة ممثلي الطبقة العاملة في إعداد مشروع قانون بشأن التأمين الحكومي على العمال
            6 – الحد الأدنى للأجور .
هذه يا سيدي هي مطالبنا الرئيسية . فآمر للوفاء بها !! و أقسم لنا على تحقيقها !! و لسوف تجعل من روسيا بلدا سعيدا مجيدا . و لسوف ننفش اسمك في قلوبنا و قلوب أطفالنا و أطفال أطفالنا إلى الأبد .
لكن إن لم تعطنا وعدك . إن لم تقبل “عريضتنا” إليك . فقد قررنا أن نموت هنا . في هذه الساحة . أمام قصرك . إذ ليس لدينا من مكان نذهب إليه . أو أي سبب نحيا من أجله . و لم يعد أمامنا إلا أحد سبيلين . واحد يقود إلى السعادة و الحرية . و الآخر يقود إلى القبر . . حدد أنت أيها القيصر المسار !! و سنتابعه حتى لو قاد إلى الموت .
إذا كان على حياتنا أن تصير قربانا للخلاص من معاناة روسيا , فإننا سنصعد إلى المحرقة بكل ابتهاج
 و الجدير بالذكر أنه برغم كل العناصر المتناقضة التي احتوتها “العريضة” , فإن الحدث الذي كان يجري إعداده على قدم و ساق لم يكن بالنسبة للمراقب العليم بأكثر من نتيجة طبيعية تجميعية لعناصر اللعبة بأكثر منها نتيجة منطقية لضغط عوامل حقيقية مجتمعة .
فمن ناحية , لم تكن فكرة التظاهرة الجماعية أمام القيصر أكثر من مجرد مظهر من مظاهر إيمان الشعب الساذج في نية القيصر الحسنة , و التي سبق و أن وصفناها بـ “أسطورة القيصر” التي تمارس على الشعب , و قد عاد العمال الروس الذين لم تنقطع صلتهم قط بالريف لحظيا إلى تقاليد الفلاحين القديمة بعودتهم إلى “الأب الصغير” للحصول على المساعدة و الحماية . و مستفيدين من الوضع غير العادي الذي عرض لهم و قد أثارهم الفورة العفوية التي لا يمكن مقاومتها , حاول العمال التركيز على النقطة الحساسة للحصول على حل ملموس و نهائي . و بينما توقعوا , من أعماق قلوبهم , نجاحا جزئيا على الأقل , فقد أرادوا و قبل أي شيء أن يعرفوا موقعهم الذين يقفون فيه .
و من ناحية أخرى فإن تأثير الأحزاب الثورية – و التي لم تستطع فعل شيء أكثر من الوقوف جانبا عاجزة عن عن وقف الحركة ناهيك عن استبدالها بحركة أكثر ثورية – كان مع ذلك قويا بما يكفي لممارسة بعض الضغوط على جابون و إلزامه بـ “تثوير” حركته .
و بالإختصار كانت الحركة عملا غير شرعي , لكنه نتاج طبيعي للقوى الفاعلة .
أما دوائر المثقفين و الليبراليين فلم تفعل أكثر من المراقبة السلبية للأحداث أثناء وقوعها .
على إن سلوك و سيكولوجية (جابون) نفسه يمكن تفسيرها بالرغم من تناقضها الواضح . فهو ليس أكثر من مهرج , عميل مدفوع من الشرطة و قد اجتاحته الحركة الشعبية بموجاتها الهائلة و دفعته إلى الأمام بشكل لا يقاوم . و قد حملته الحركة معها في نهاية المطاف . ووضعته الأحداث رغما عنه على رأس الحشود التي ألّهته . و لا ريب أن روحه المغامرة الرومانتيكية هي ما جعلته يتغذى على هذا الوهم . و إذ كان واعيا بالأهمية التاريخية للأحداث فمن المحتمل أنه قد رسم لنفسه صورة مبالغ فيها . كان ير البلاد بأجمعها تتفجّر بالثورة , و العرش في خطر . و يرى نفسه . . (جابون) . . القائد الأعلى للحركة و معبود الشعب المرفوع إلى ذروة المجد . و مفتونا بحلمه هذا , و على ما يبدو تبريرا لواقعه , فقد قدّم نفسه في النهاية جسدا و روحا للحركة التي بدأها . و توقف دوره تماما كعميل للشرطة فلم يعد يفكّر فيه حتى في تلك الأيام العصيبة . و قد بهرته بروق العاصفة و استوعبه تماما دوره الجديد الذي و لابد قد بدا له كمهمة إلهية . لعل هذه كانت نظرة (جابون) في أوائل يناير 1905 . و لعله من المعقول أن نفترض أنه في هذه اللحظة و بهذا المعنى , كان مخلصا . على الأقل هذا هو افنطباع الشخصي لكاتب هذه السطور , الذي التقى (جابون) قبل الأحداث بأيام قليلة .
بل إن العامل الأغرب على الإطلاق , صمت الحكومة و الغياب الكامل لأي تدخل من جانب الشرطة خلال أيام الإعداد المحموم , يمكن أيضا تفسيره بسهولة . لم تستطع الشرطة قراءة أفكار (جابون) الجديد . لقد وثقوا فيه حتى النهاية و فسروا موقفه بكونه خطوة ماهرة من قبله ليس إلا . و عندما أصبحت الشرطة أخيرا على بينة من التغيير و الخطر الداهم , لم يعد بإستطاعتها أن توقف أو تسيطر علىالأحداث التي اندلعت بالفعل . أما الحكومة فعلى الرغم من دهشتها المبدئية , إلا أنها قررت أخيرا أن تنتظر فرصة للقضاء على الحركة بضربة واحدة . و حيث أنها لم تتلق أي أوامر , فإن الشرطة لن تتحرك . و ينبغي أن نضيف إلى هذا كله حقيقة غامضة و غير مفهومة شجعت الجماهير و رفعت آمالهم . . إذ كان تعليق الناس ” إن الحكومة لا تجرؤ على معارضة الحركة و لسوف ترضخ ” .
تم تعيين صباح الأحد 9 يناير – على حسب التقويم القديم – للقيام بالمسيرة باتجاه القصر الشتوي . و قد خصصت الأيام الأخيرة أساسا لقراءة “العريضة” علنا في “القطاعات” . و قد تكرر نفس التسلسل في كل مكان تقريبا . و على مدار اليوم , كان (جابون) بنفسه أو أحد أصدقاءه يقرأ “العريضة” و يعلق عليها لجماهير العمال الذين يتناوبون شغل أماكن الإجتماعات . و كان بمجرد أن يمتليء المكان , تغلق الأبواب و تتلى “العريضة” ثم يوقع الحاضرين بأسمائهم على ورقة منفصلة ثم يغادرون المكان . ليدخل حشد آخر من الناس المنتظرين دورم بصبر في الشارع ليتكرر الأمر و يستمر في كل القطاعات حتى بعد منتصف الليل .
و كان ما أعطى هذه الاستعدادات النهائية شكلها الدرامي , نداء الخطيب في الحشد المهيب , و حلف اليمين على الإستجابة للنداء . . يقول الخطيب : ” أيها الرفاق , من عمال و فلاحين و غيرهم !!” ” أيها الإخوة في البؤس !! كونوا مخلصين للقضية و للتظاهرة جميعكم . و تعالوا إلى الساحة أمام القصر الشتوي صباح الأحد . سيكون فشلك في القيام بذلك خيانة لقضيتنا . . تعالوا في هدوء و سلام و استمتعوا بوقتكم حتى تحين الساعة المحددة للإضراب . لقد حذّر الأب (جابون) القيصر . و أكّد له بصورة شخصية أنه سيكون في أمان بينكم . فإن سمحتم لأنفسكم بفعل في غير موضعه فإن الأب (جابون) سيسأل عن هذا . لقد استمعتم إلى “العريضة” . مطالبنا العادلة . و لن نستطيع مواصلة حياتنا البائسة هذه . لهذا السبب نحن ذاهبون إلى القيصر بأذرع مفتوحة و قلوبنا مليئة بالحب و الأمل . و كل ما عليه فعله هو استقبالنا و الإستماع إلى مطالبنا . و سيسلمه (جابون) “العريضة” بنفسه . . دعونا نأمل أيها الرفاق . دعونا نأمل أيها الإخوة بأن القيصر سيلتقي بنا و أنه سيستمع إلينا و أنه سيتخذ خطوات لتلبية مطالبنا العادلة . . لكن أيها الإخوة إذا – بدلا من أن يلتقينا القيصر – تحوّل علينا بالبنادق و السيوف . إذن يا إخوتي فليرحمه الرب !! و إذن فلن يعود لنا قيصر !! و إذن لتكن علي اللعنة إلى الأبد هو و سلالته جميعا !! . . أقسم و نقسم جميعا أيها الرفاق . . أيها الإخوة . . أيها المواطنون العاديون أننا لن ننسى خيانته . . و نقسم أننا سنحاول تدمير الخائن بكل وسيلة ممكنة . . . . . ” , و هنا يقف الحضور جميعا رافعين أيديهم مجيبين  : “نقسم !!”.
و عندما كان (جابون) يقرأ “العريضة” بنفسه – و قد قرأها مرة واحدة على الأقل في كل قطاع – كان يضيف :” أنا الكاهن (جورج جابون) , و من خلال إرادة الرب , أحلّكم في هذه القضية من اليمين الذي أقسمتموه للقيصر . و أبارك مقدما كل من يحنث به . لأننا في هذه القضية لم يعد لدينا قيصر !!! ” و إذ يشحب من الإنفعال , كان يكرر عبارته هذه مرتين أو ثلاثة للجمهور الصامت المرتجف .
“أقسموا على أن تتبعوني !! أقسموا برؤوس أعز الناس عليكم . أولادكم !!” ” نعم!! أيها الأب , نعم !! نقسم على رؤوس أطفالنا!!” كانت هذه هي الإستجابة دائما .
و في مساء الثامن من يناير , كان كل شيء جاهز للمسيرة . و علمت بعض دوائر المثقفين بالقرار الذي عزمت عليه الحكومة . لن يصل الحشد إلى القصر تحت أي ظرف . و إذا ما أصرت الحشود أطلقوا الرصاص بلا رحمة !! و على عجلة أرسل وفد إلى السلطات في محاولة لمنع سفك الدماء , لكن بلا جدوى . كانت الأوامر قد وصلت بالفعل , و كانت العاصمة قد صارت في قبضة قوات مسلحة حتى الأسنان .
أما الباقي فمعروف . في صباح الأحد التاسع من يناير , بدأت حشود هائلة من العمال – غالبا مع عائلاتهم – فضلا عن عناصر أخرى في التحرك باتجاه القصر الشتوي . عشرات الآلاف من البشر , رجالا و نساءا و أطفالا بدأوا في الخروج من كل أنحاء العاصمة و ضواحيها متحركين نحو المكان المعين للإجتماع .
و في كل مكان ذهبوا إليه كانت هناك قوات بمتاريسها و شرطة تطلق النار بلا انقطاع على هذا البحر البشري . لكن ضغط الجماهير المحتشدة – الضغط الذي كان في تزايد مستمر – هو ما مكّن هذه الحشود من الاستمرار في التقدم نحو القصر على أي حال , و بلا توقف . حتى امتلأت الشوارع المحيطة به . ألوف من البشر فرقتهم الطلقات لكنهم تحركوا بعناد نحو هدفهم , متخذين الشوارع الجانبية و الطرق الإلتفافية , مدفوعين بزخم الحدث  , بالفضول , بالغضب , بالحاجة إلى الصراخ استياءا و خوفا . . كثيرون استمروا , على الرغم من كل شيء , محتفظين بشرارة الأمل , مؤمنين بانهم إن نجحوا في الوصول إلى الميدان المقابل لقصر القيصر , فسيأتي لهم القيصر و سيتقبّلهم و سيصلح كل شيء , بينما اعتقد آخرون أن القيصر , و بإملاء الأمر الواقع , لن يعاند و سيجبر على التسليم . بينما بقى آخرون , الأكثر سذاجة , متصورين أن القيصر لم يكن على علم بما كان يحدث و أنه ر يعرف شيئا عن المجزرة . و أن الشرطة , التي أخفت عنه الحقيقة منذ البداية , تحاول الآن منع الناس من القدوم و الإتصال بـ :الأب الصغير” . و لذلك فإن عليهم الوصول إلى القيصر مهما كلّف الأمر . . و علاوة على ذلك أنهم كانوا قد أقسموا على الوصول إلى هناك . . و أخيرا فإن (جابون) كان هناك , و ربما كان قد نجح في الوصول إلى القيصر .
على أية حال اخترقت الموجات البشرية الطريق من كل ناحية و غزت أخيرا المحيط المباشر للقصر الشتوي و دخلت الميدان نفسه . و لم تجد الحكومة حلا أفضل من إطلاق النار , لتكتسح الحشود اليائسة غير المسلحة بموجات من النيران .
كان المشهد مرعبا . مشهد أغرب من الخيال  . شيء فريد في التاريخ . المدافع الآلية تضرب بدون تصويب , صراخ و نيران , ألم و غضب , و هذا الحشد الهائل , غير القادر لا على التقدم و لا على التراجع بسبب حجمه الذي يمنعه من الحركة , يتلقى ما عرف لاحقا بـ “حمام الدم” . و مدفوعة إلى الوراء قليلا مع كل جولة , كما لو كان بفعل عاصفة قوية من الرياح , و على الرغم من أنها قد ديست و اختنقت و سحقت جزئيا , تشكلت الحشود مرة أخرى , على جثث الموتى , و على القتلى و الجرحى , تدفعها الحشود الجديدة التي وصلت و التي استمرت بالوصول من خلفها . و استمر اطلاق النار يحصد أرواحا جديدة من هذه الكتلة الحية . و استمر هذا لمدة طويلة حتى صارت الشوارع الجانبية خاوية . و تمكن الحشد من الهروب .
هلك المئات من الرجال و النساء و الطفال في هذا اليوم في العاصمة . و قد اضطرت السلطات لاسكار الجنود لإسكات ضمائرهم و إزالة كل وازع لديهم . و في غمرة الجنون تسلى الجنود في إحدى الحدائق القريبة من القصر باسقاط الأطفال الذين تسلقوا الأشجار من أجل “رؤية أفضل” رميا بالرصاص .
و عندما حل المساء كان لنظام قد تم استعادته . و لم يعرف قط عدد الضحايا و لا حتى بالأرقام التقريبية . لكن ما هو معلوم حق العلم أنه و طوال الليل , كانت قطارات نقل طويلة تملأ بالجثث لنقلها خارج المدينة . و أن جثث هؤلاء المساكين قد دفنت عشوائيا في الحقول و الغابات .
و مما هو معلوم كذلك , أن القيصر لم يكن حتى في العاصمة في ذلك اليوم . فبعد أن أطلق يد السلطات العسكرية , لجأ إلى واحد من مقراته الصيفية , في (تسارسكوي سيلو) Tsarskoye Seloبالقرب من (سانت بطرسبورج) .
أما (جابون) , محاطا بحملة الأيقونات و صور قيصر , فقد قاد مظاهرة ضخمة تجاه القصر عن طريق بوابة (نارفا) Narva . و كما حدث في كل مكان آخر فقد قامت القوات المتمركزة على مداخ البوابة بتفريق الحشد . و نجا (جابون) نفسه بالكاد . إذ حالما أطلقت أول رصاصة , انبطح أرضا على بطنه و لم يحرك ساكنا . و للحظات فكّر الناس في أنه قد قتل أو أصيب . لكن اصدقاءه سرعان ما حملوه بعيدا إلى بر الأمان . حيث قص شعره و ارتدي كمدني .
ثم إنه قد استطاع الهرب خارج البلاد في وقت لاحق , بعيدا عن أي ملاحقة . و قبل أن يغادر روسيا أطلق نداءه القصير التالي للعمال :
“أنا , القس . ألعن كل هؤلاء . الضباط و الجنود , الذين قتلوا في هذه الساعة إخوانهم الأبرياء و النساء و الأطفال . ألعن كل ظالم للشعب . و أبارك كل الجنود الذين قدّموا المساعدة للشعب في نضاله من أجل الحرية . و أحلّهم من قسمهم بالولاء للقيصر – القيصر الخائن الذي سالت دماء الشعب بأوامره .”
بالإضافة لهذا فقد أعد بيانا آخر قال فيه :
” أيها الرفاق العمال !! . لم هناك قيصر !! . اليوم تدفقت سيول من الدماء بينه و بين الشعب الروسي . لقد آن أوان ليتعهد العمال الروس النضال من أجل تحرير الشعب منه . لكم بركاتي في هذا النضال . غدا أكون وسطكم  و اليوم أعمل من أجل الوقفة .”
و قد وزّع هذا البيان بأعداد كبيرة في أنحاء البلاد .
و قد يكون هذا أفضل مكان لبضع كلمات تعرض المصير الذي آل له (جابون) . .
استقر الكاهن السابق الذي أنقذه أصدقاءه خارج البلاد . و قد أحاطه بعض الثوريون الإشتراكيون برعايته . و سيعتمد في حياته من الآن فصاعدا على نفسه . و قد أعطي كل ما هو يتطلبه قطع علاقته بالماضي , و استكمال تعليمه و صياغة موقفه الأيديولوجي . و بالإختصار ليصبح حقا رجل المعركة .
لكن (جابون) لم يأبه لكل هذا . لأن الشرارة المقدسة التي اشتعلت يوما ما في روحه المظلمة لم تكن في دخيلة نفسه أكثر من نار الطموح و المجد الشخصي . فسرعان ما انطفأت . و بدلا من أن يكرّس نفسه من أجل التعليم الذاتي و الإعداد لنشاطات جادة , كان (جابون) سعيدا بالخمول , و الخمول أبو الضجر . و لم يعن العمل الصبور البطيء شيئا له . إذ كان يحلم بتكرار فوري مجيد لمغامرته العابرة . لكن الأحداث في روسيا استقرت . و الثورة العظيمة لم تأت . و تزايد ضجره . و اخيرا تحول إلى الفجور في محاولة للنسيان . فصار يقضي معظم أوقاته في الملاهي الليلية نصف المظلمة بصحبة المومسات . و كان يبكي بكاءا مرا أوهامه المحطمة . و قد عذّبه الوضع في بلاده . و أراد العودة إلى روسيا بأي ثمن .
و قد ملأته فكرة الكتابة لحكومته , و استغفارها للحصول على إذن للعودة من أجل تقديم خدماته مرة أخرى . فكتب إلى الشرطة السرية . و استأنف علاقاته بها .
و قد تلقى رؤساؤه السابقين عرضه بصورة إيجابية إلى حد ما . لكن قبل الموافقة على طلبه سئل دليلا ماديا على توبته و حسن نيته .  و إذ كانوا واعين بمعرفته الشخصية بأعضاء مؤثرين في الحزب الإشتراكي الثوري , فقد طالبوه بتقديم معلومات دقيقة عنهم من شأنها مساعدتهم في إنزال الضربة الحاسمة بهذا الحزب . و قد قبل (جابون) هذا العرض .
في غضون ذلك . تنامى إلى سمع أحد الأعضاء المؤثرين في الحزب – المهندس (روتمبرج)Rutemberg , أحد أصدقاء (جابون) المقربين – عن علاقات (جابون) الجديدة مع الشرطة . فأوصل الأمر إلى اللجنة المركزية في الحزب , التي أوكلته – كما روى (روتمبرج) عن ذلك في مذكراته – مهمة القيام بكل ما في وسعه لكشف (جابون) .
و كان على (روتمبرج) أن يلعب دورا , و قد أداه بنجاح حاز معه على ثقة (جابون) , الذي افترض أن المهندس قد خان حزبه طوعا مقابل مبلغ ضخم من المال . و كان هذا بالضبط ما اقترحه (جابون) عليه . و قد فعل (روتمبرج) كما لو كان قد قبل فعلا . و اتفقوا على أن يبلغ الشرطة , عن طريق (جابون) بعض أسرار الحزب المهمة جدا .
و تساوموا على السعر , المساومة التي تظاهر بها (روتمبرج) و أمضاها عمدا , بينما قام بها (جابون) بموافقة الشرطة , لتنتهي أخيرا في روسيا عندما صار كا من (جابون) و (روتمبرج) قادرين على العودة .
 و شهدت (سانت بطرسبورج) آخر فصول المسرحية, ففور وصوله , اتصل (روتمبرج) ببعض العمال الين كانوا أصدقاءً أوفياء لـ (جابون) محذرا . و قد رفضوا التصديق بأنه خائن . فعرض عليهم (روتمبرج) أن يقدّم دليلا غير قابل للجدل . و تم الإتفاق مع عمال (جابون) على الاختباء لحضور الاجتماع الأخير بين (جابون) و (روتمبرج) . و هو الإجتماع الذي سيقبض فيه (روتمبرج) ثمن خيانته ليتم تسوية هذا الأمر مرة و إلى الأبد .
و قد عقد الاجتماع في فيلا مهجورة على مقربة من العاصمة . و اختبأ العمال في غرفة بجوار الغرفة التي ستتم فيها المقابلة . و كان عليهم البقاء في هذه الغرفة و يحرصوا على ألا يراهم أحد , ليقتنعوا بالدور الذي لعبه (جابون) و يتمكنوا من فضحه للعامة .
لكن العمال لم يتمالكوا أنفسهم . فبمجرد أن أقتنعوا بخيانة (جابون) , حتى اقتحموا الغرفة التي كان الرجلان يتفاوضان فيها . و ألقوا بأنفسهم على (جابون) و أمسكوا به , و بالرغم من توسلاته – التي كانت مثيرة للشفقة إذ جثا على ركبتيه و توسل للمغفرة باسم ماضيه – إلا أنهم قتلوه بوحشية . حيث وضعوا الحبل حول عنق و شنقوه في السقف . و تركوه على هذه الحالة حتى عثر على جثته مصادفة في وقت لاحق .
و هكذا انتهت ملحمة (جابون) الشخصية .
و قد حاول (جابون) في مذكراته – التي كانت صادقة إلى حد كبير – برعونة أن يبرر بطريقته الخاصة علاقاته مع الشرطة قبل 9 يناير 1905 . لكنه لا يبدو في هذه النقطة صادقا جدا . .
أما بالنسبة للحركة , فقد تابعت طريقها .
كان لأحداث التاسع من يناير تداعيات هائلة في كافة أرجاء البلاد . ففي أعمق زوايا الرض جهلا , علم الناس في ذهول سخط أنه بدلا من أن يستمع لى الناس القادمين إلى القصر سلميا ليخبروا القيصر مآسيهم , أعطى الحاكم أوامره ببرود بإطلاق النار . و لمدة طويلة , كان الفلاحين يرسلون مندوبين من قراهم سرا إلى (سانت بطرسبورج) لتحسس الحقيقة .
و سرعان ما عرف الجميع الحقيقة . و هنا فقط تلاشت “أسطورة القيصر” . و في مفارقة تاريخية أخرى , كان بعض الثوريين قد أغتالوا القيصر سنة 1881 ليقتلوا الأسطورة . لكنها نجت . ليقتلها القيصر بنفسه بعد أربعة و عشرين سنة .
و في (سانت بطرسبورج) تسببت أحداث التاسع من يناير في توسيع الإضراب . الذي تحول إلى إضراب عام كامل . و في العاشر من يناير لم يكن هناك مصنع و لا حوض سفن واحد يعمل . و توغلت حركة تمرد صامتة في كل مكان . أول إضراب ثوري كبير لعمال روسيا – إضراب عمال (سانت بطرسبورج) – قد صار أمرا واقعا . .
و صار هناك استنتاج هام يمكن استخلاصه من كل ما سبق :
قبل أن يبدأ الناس في فهم طبيعة القيصرية الحقيقية , و مجمل الوضع , و مهام النضال الحقيقية , فإنهم يحتاجون العيش خلال تجربة تاريخية ملموسة , واسعة النطاق . النتيجة التي لم تؤد إليها لا الدعاية و لا تضحيات المتحمسين .
Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s