الثورة المجهولة / 10

الفصل الثالث
الحرب الكارثية
إنتصار الإضراب الثوري
———————
لم تهدأ الموجات التي أثارتها أحداث ناير 1905 على الفور . في هذا الوقت كانت البلاد بأكملها تهتزّ .
فمن ربيع 1905 و صاعدا , و النظام القيصري في حالة من الضعف على نحو متزايد . و كان السبب الرئيسي هو هزيمة روسيا القيصرية المريرة في حربها ضد اليابان .
بدأت هذه الحرب في فبراير 1904 , و صاحبها قدر غير عادي من الغطرسة . و كان الهدف الأساسي منها إثارة مشاعر الإنتماء القومية و الوطنية و المَلَكِية . و انتهت إلى هزيمة يائسة . إذ هزم الجيش و الأسطول معا .
و ألقى الرأي العام باللوم علنا على السلطات و على تفسّخ النظام في هذه الهزيمة . و لم تكن  فقط جماهير العمال من يتميز غضبا , بل اشتعلت الشرائح الأخرى بروح الثورة كذلك . و كان تأثير الهزائم , التي توالت في تتابع سريع , ساحقا . فلم يعد الناس قادرين على إحتواء مشاعرهم . و انتشر الغضب الذي لا يعرف حدودا . و أصبح التحريض على نطاق وسع . بينما بقيت الحكومة , إدراكا منها لهزيمتها . في صمت .
و للإستفادة من الوضع الحالي , بدأت دوائر الليبراليين و الثوريين حملة عنيفة موسعة ضد النظام . و بدون إذن , بدأ الشعب يمارس حرية التعبير و حرية الصحافة , و كان فتحا حقيقيا للحرية السياسية . فظهرت الجرائد من كافة الإتجاهات , حتى الثورية منها , و بيعت بحرية . بدون رقابة أو سيطرة عليها . و انتقدت الحكومة و النظام بأكمله بشدة .
و حتى أجبن الليبراليين وجدوا مجالا للعمل , فتأسست الإتحادات المهنية : “اتحاد الإتحادات” و يمكن توصيفه كلجنة مركزية لتوجية كل نشاط الاتحادات . و “اتحاد التحرير” السري – تنظيم سياسي – . و تعجلوا في إنشاء حزب سياسي رسمي يدعي بـ “الحزب الدستوري الديموقراطي” . و تحملت الحكومة كل هذا مكرهة , كما تحملت من قبل إضراب يناير و إجتماعات الـ (سوفيات) .
و تتابعت الإغتيالات السياسية بمعدل متسارع .
و اندلعت المظاهرات العنيفة و الانتفاضات الخطيرة في مدن مختلفة . و في بعض الأماكن أقام الناس المتاريس .
و في مختلف المقاطعات , تمرّد الفلاحون , مطلقين بالفعل “انتفاضات” (ثورة الفلاحين) فحرقوا القلاع و استولوا على الأراضي و طاردوا , بل و حتى قاموا بإغتيال , ملاك الأراضي . و تم تشكيل اتحاد للفلاحين ذي برنامج اشتراكي . لقد أصبح أعداء النظام كثر جدا , جريئين جدا , و فوق كل شيء , كانوا على حق .
لكن هزيمة الحكومة العسكرية , و “معنوياتها” المنحدرة ليست بتفسير لكل شيء . فالشيء الوحيد الذي يفسرونه هو احتياج الحكومة إلى أهم أداة لمقاومة الحركة : المال . و قد جرت المفاوضات خارج البلاد , و تحديدا في فرنسا , بغرض تأمين قرض , و استمرت إلى مالا نهاية بسبب عدم الثقة في النظام القيصري .
و خلال صيف 1905 حدثت اضطرابات خطيرة في الجيش و البحرية . و تعد ثورة الأمير (بوتمكين) Potemkin و ملحمة سفينته الحربية , التي تعد واحدة من القطع الرئيسية للقوات البحرية في البحر الأسود , أوضح حلقة في سلسلة هذه الأحداث . آخر أسوار النظام المنهار – القوات المسلحة – بدأت في الإنهيار . .
هذه المرة , بدأت البلاد تتحول أكثر فأكثر . و بحزم . ضد النظام القيصري .
و في أغسطس 1905 , و تحت ضغوط مختلفة , قرر الإمبراطور في النهاية الإعتراف – بعد فوات الوان , و غني عن القول نفاقا – ببعض “الحريات” . و وعد بعقد جمعية وطنية ممثلة “دوما” Duma , مع تقييد شديد للحقوق و على أساس من إجراءات انتخابية ضيقة للغاية . و تم تكليف (بوليجين) Bulygin , وزير الداخلية بالإستعدادات اللازمة إجراء هذه الإنتخابات . لكن هذه الخطوة الخجول , المتأخرة واضحة النفاق , لم ترض أحدا . و استمرت الإضطرابات و التمردات , أما هذه الـ “دوما”, التي أطلق عليها اسم (دوما بوليجين) فلم تعقد قط . و اضطر (بوليجين) لتقديم أستقالته – بنهاية أغسطس – ليخلفه (ويت) Witte , الذي نجح في إقناع (نيقولا) الثاني بقبول المزيد من التنازلات ذات المعنى .
في هذه الثناء , شجع خمول الحكومة و عجزها القوى المعارضة و الثورة . و من بداية أكتوبر بدأ الناس يتحدثون عن إضراب عام يشمل كامل البلاد تمهيدا للثورة النهائية .
و قد وقع الإضراب , الذي شمل البلاد كلها , و كان ضربة هائلة و فريدة من نوعها في التاريخ الحديث , في منتصف أكتوبر . و إذ كان متوقعا منذ فترة , و معدا له على مهل , فقد كان أقل عفوية من إضراب يناير . و قد تولت الـ (سوفيات) و “اتحاد الإتحادات” و – بصورة أساسية – العديد من لجان الإضراب التنظيم . و تم تعليق العمل في المصانع و الساحات و الورش و المخازن و البنوك و المكاتب الإدارية و السكك الحديدية و جميع وسائل المواصلات الأخرى و مكاتب البريد و محطات التلغراف . توقف كل شيء تماما , كل شيء على الإطلاق . و بالجملة علّقت الحياة في البلاد .
و فقدت الحكومة توازنها و استسلمت . و في 17 أكتوبر 1905 أصدر القيصر بيانه المشهور بـ (مانفستو السابع عشر من أكتوبر) , و الذي أعلن فيه رسميا قراره بمنح “رعاياه الأعزاء المخلصين” جميع الحريات السياسية , و الدعوة – في أقرب وقت ممكن – إلى مجلس تمثيلي (دوما الدولة) . – و المصطلح (دوما) مستعار من قرون الدولة الروسية الأولى حين كان “مجلس الدولة” أو غرفة النبلاء الـ (بويار) تعرف باسم (دوما-بويارس-كايا) Dumaboyarskaya , و هو مؤسسة كانت تدعى لمساعدة القيصر في أداء مهامه . و في فترة لاحقة خلال القرنين 16 و 17 , كان يطلق على الجمعيات الممثلة للطبقات اسم (زيمسكايا دوما) Zemskaya Duma , و هي جمعيات مشابهة للـ Etats Generaux في النظام الملكي الفرنسي القديم . و أخيرا , في الفترة التي نحن بصددها , كانت هناك مجالس المدن (جورودسكايا دوما) Gorodskaya Duma , جورود تعني مدينة , و تبعا للمانفستو كانت هذه المجالس تختص بمساعدة الحكومة .
بالإختصار , كان المانفستو وعد غامض بنظام دستوري غامض . و قد أخذته بعض الدوائر على محمل الجد . و ظهر حزب “الأكتوبريين) على الفور تقريبا . و أعلن أنه سيقبل و يطبق و يدافع عن الإصلاحات المعلن عنها في المانفستو .
و في الواقع , كان لهذا العمل من حكومة القيصر هدفان , و لم يكن الدستور منهما :
1 – إحداث تأثير فعال في الخارج , و الإيحاء بأن الثورة قد انتهت و أن الحكومة قد استعادت السيطرة على الوضع . و التأثير على الرأي العام , و بالتحديد على رأي الأوساط المالية الفرنسية , و ذلك لإحياء المفاوضات على الإقراض .
2 – خداع الجماهير و تهدئتها و قطع الطريق على الثورة .
و قد تحقق هذان الهدفان بالفعل . فانتهى الإضراب و كسرت الهمة الثورية و كان التأثير الذي تركه المانفستو في الخارج مواتيا . إذ تم اعتبار حكومة القيصر , و رغم كل شيء , ماتزال قوية بما يكفي لقمع الثورة . و منحت القرض الذي طلبته بالفعل .

هنا يجب أن نوضح أن هذه الخدعة لم تنطل على الأحزاب الثورية . إذ اعتبروا المانفستو مناورة سياسية ساذجة و بدأوا على الفور في شرح الأمر لجماهير العمال . و لم يكن العمال أقل ريبة . و قد بدا أن العمال قد أنهوا الإضراب كما لو كانوا قد حصلوا على مبتغاهم , أو كما لو كانوا قد وثقوا في حصولهم عليه . لكن الحقيقة أن انتهاء الإضراب كان علامة على افتقاد الثورة لقوة الدفع و تعذر ذهابها أبعد من ذلك . فلم تكن هناك أي علامة رضا حقيقي . و لم يبادر الشعب لإستخدام “حقوقه الجديدة” , التي أدرك بشكل حدسي طابعها الإحتيالي . و هو ما تم تبينه بسرعة . إذ فرّقت الشرطة المظاهرات السلمية التي خرجت في العديد من المدن للإحتفال بـ “النصر” و بـ “النظام الجديد” الذي وعد به القيصر . ثم تلا ذلك مذابح اليهود . بينما خلّدت الجدران مانفستو القيصر .

http://anarchist-document.blogspot.com/

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s