الثورة المجهولة / 11

الفصل الرابع
هزيمة الثورة
تقييم الإنتفاضة
———————
بنهاية عام 1905 قررت البرجوازية الفرنسية تقديم القرض و خوّل الإقتصاديون بمهمة منحه . و قد أنقذ “نقل الدماء” النظام القيصري الذي كان في طور الإحتضار .
بالإضافة إلى هذا , تمكنت الحكومة من إنهاء الحرب بمعاهدة سلام , لم تكن مهينة للغاية .
و من هذا الوقت فصاعدا , ستبدأ الرجعية من حيث انتهت الثورة , و بينما تتعلق آمال الناس في مستقبل جميل , ستحارب الثورة و يتم حصارها .
على أن الثورة على أية حال كانت قد ماتت من تلقاء نفسها . إذ كان إضراب أكتوبر غاية جهدها و ذروتها القصوى . و كان كل ما تحتاجه في الوقت الراهن هو التوقف لإلتقاط الأنفاس . و علاوة على ذلك كان بإمكانها التعويل على الإنتعاش في وقت لاحق , ربما تحت تأثير الجناح اليساري في الـ (دوما) .
في غضون ذلك , كانت الحريات التي استعادها الناس و التي وعدهم بها القيصر في بيانه بعد فوات الأوان , قد قمعت من جديد . و من جديد حظرت الحكومة الصحافة الثورية و أعادت تأسيس الرقابة و شرعت في الإعتقالات الجماعية و تصفية جميع التنظيمات العمالية أو الثورية التي استطاعت الوصول إليها . فحظرت الـ (سوفيات) و اعتقلت (نوصار) و (تروتسكي) و أرسلت الجنود لتطهير الناطق التي شهدت أحداث الإنتفاضة الكبرى و أوقعت عقوبات نموذجية . و كان تعزيز الجيش و الشرطة عملا يتم طيلة الوقت .
لكن شيئا واحدا لم تجرؤ الحكومة على المساس به . . مجلس الـ (دوما) الذي كان على وشك الإجتماع .
و مع ذلك , فقد كان لدى الثورة هجومين أخيرين , ضد عناد الرجعية .
كان الأول : ثورة جديدة في أسطول البحر الأسود , تحت قيادة الـ (ليفتنانت) (شميت) Schmidt . و قد قمع المحرضون و أعدم (شميت) رميا بالرصاص .
و الثاني : كانت انتفاضة عمال موسكو المسلحة , في ديسمبر 1905 . و التي استمرت ضد القوات الحكومية لعدة أيام .و التي اضطرت الحكومة لوضع حد لها بتوجيه قوات من (سانت بطرسبورغ) و استخدام وحدات المدفعية .
و بينما كان التمرد المسلح على أشده , بذلت الجهود من أجل إثارة إضراب عام جديد في كافة أنحاء البلاد . الإضراب الذي لو قدّر له أن ينجح لقدّر النصر للتمرد المسلح . . لكن الدافع هذه المرة , على الرغم من أن التنظيم كان مماثلا لإضراب أكتوبر , كان مفقودا . لم يكن الإضراب عاما هذه المرة و استمرت الخدمة البريدية في العمل , فضلا عن السكك الحديدية . و ظلت الحكومة قادرة على نقل قواتها أنّى شاءت . و لم يكن هناك شك في أن الثورة تلفظ أنفاسها .
و هكذا , ما إن انتهى عام 1905 حتى كانت العاصفة قد هدأت بدون أن تزيل العوائق . لكنها كانت قد اضطلعت بالفعل بمهمة أساسية لا مفر منها . مهمة إعداد الأرض و تمهيدها . و تركت علامات لا تمحى في حياة البلاد و عقلية السكان . و بإمكاننا الآن فحص “الحساب الختامي” للإنتفاضة . ما نجده في جانب المكاسب هو , عمليا بلا شك , مجلس الـ (دوما) . لقد اضطرت الحكومة من أجل الـ (دوما) لوضع قانون إنتخابي , كان شاملا بما فيه الكفاية لمنع خيبات الأمل من أن تكون سريعة أو مريرة . إن الحكومة لم تشعر بالأمان بعد , و ما زال يتوجب عليها أن تلتقط أنفاسها و تحصل على هدنة .
و كانت توقعات الجماهير في مجلس الـ (دوما) كبيرة . و قد تقررت الإنتخابات في ربيع 1906 . و دعي إليها بنشاط محموم في طول البلاد و عرضها . و شاركت فيها كافة الأحزاب السياسية .
و كان الوضع الذي خلقته الدولة البوليسية هذه , متناقضا بما فيه الكفاية . فبينما نشرت الأحزاب اليسارية دعايتها بصورة علنية و قانونية – حيث لا تستطيع الحكومة التدخل إلا عن طريق تنظيمات جديدة أو وضع فخاخ ماكرة – , امتلأت السجون بأعضاء من نفس الأحزاب , تم اعتقالهم في وقت تصفية الحركة . و بقيت الصحافة و حرية التعبير مكممة . و استمر حظر التنظيمات العمالية .
هذا التناقض الظاهري يمكن تفسيره بسهولة . و سيمكننا هذا التفسير من فهم توقعات الحكومة من أداء مجلس الـ (دوما) .
و على الرغم من حقيقة أن الحكومة قد اضطرت إلى منح رعاياها قدرا معينا من الحرية بسبب الإنتخابات , إلا أنها لم ترى في الـ (دوما) مؤسسة حقيقية ضد الحكم المطلق . و كانت وجهة نظر الحكومة أن الـ (دوما) ليس أكثر من جهاز ثانوي مساعد , ذو مهام استشارية بحتة , ملائم لمساعدة الحكومة في بعض مهامها . و على الرغم من اضطرارها للتسامح مع بعض مظاهر الإثارة الإنتخابية من قبل الأحزاب اليسارية , فإن الحكومة قد قررت منذ وقت مبكر أنها ستسمح بكمية محدودة منها و أنها سترد على أية محاولة لإتخاذ مواقف متحدية , من قبل الأحزاب أو الناخبين أو مجلس الـ (دوما) ذاته . فمن وجهة نظر الحكومة ليس لمجلس الـ (دوما) أية علاقة بالثورة . و لذلك كانت الحكومة منطقية تماما في إبقاء الثوار في السجون .
و كان تكوين و شرعية الأحزاب السياسية ذات وجهات النظر المختلفة واقعا آخرا ملموسا جديدا بالكلية على الحياة الروسية
فحتى أحداث 1905 , كان في روسيا حزبان سياسيان فقط , و كانا كلاهما سريا و ثوريا أكثر منه سياسيا . نعني بهما الحزب الإشتراكي الديموقراطي و الحزب الإشتراكي الثوري .
و كانت الحريات القليلة التي منحها مانفستو السابع عشر من أكتوبر بهدف الحملة الإنتخابية , و الحملة الإنتخابية ذاتها , قد اعطت فجأة حصانة كاملة للأحزاب القانونية و شبه القانونية .
و قد أنشأ مؤيدوا الملكية العريقون , إتحاد الشعب الروسي .  و هو حزب رجعي متطرف ذو توجه برمجي , و كان برنامج هذا الحزب يدعو لإزالة كل ” الإنعامات التي وعدت تحت ضغط الإنتفاضات المجرمة” , بما في ذلك الـ (دوما) , و القضاء التام على آخر آثار أحداث 1905 .
أما العناصر الرجعية بصورة أقل : غالبية كبار الموظفين , و كبار أصحاب المصانع , و المصرفيين , و النبلاء , و رجال الأعمال , و ملاك الأراضي الزراعية فقد تجمعوا في الحزب “الأكتوبري” – اتحاد 17 أكتوبر – الذي ذكرناه سابقا .
و كانت تفاهة الثقل السياسي لهذين الحزبين دائما مصدر للتندر .
أما غالبية الأغنياء و الطبقة الوسطى , فضلا عن المثقفين “المتميزين” فقد أنشأوا لأنفسهم حزب الوسط الكبير , الذي مال جناحه اليميني إلى “الأكتوبريين” و ذهب جناحه اليساري إلى حد التعبير عن الميول الجمهورية . أما برنامج الغالبية العظمى في هذا الحزب فكانت الدعوة إلى نظام دستوري يضع حدا للحكم المطلق , عن طريق الإحتفاظ بالملك في منصبه مع وضع حد لسلطاته . و قد أطلق على هذا الحزب اسم “الحزب الدستوري الديموقراطي” و إختصارا حزب (كا-ديت) . و كان يطلق عليه أيضا “حزب حرية الشعب” . و قد كان قادته في الغالب من بين المشاهير في المدينة و المحامين و الأطباء و ذوي التوجة الليبرالي و الأكاديميين . و كان في وضع مؤثر جدا , مع تمويله كبير و نشاط و حيوية أعضاءه في إنشاءه .
و في أقصى اليسار كان هناك “الحزب الإشتراكي الديموقراطي” و الذي كان وضعه المعلن قانونيا تماما , على الرغم من برنامجه الجمهوري الصريح و تكتيكاته الثورية . و أخيرا “الحزب الثوري الإشتراكي” و الذي لم تختلف برنامجه و لا تكتيكاته كثيرا عن الحزب الإشتراكي الديموقراطي فيما عدا تعاطيه مع المشكلة الزراعية . و يبدو أنه من أجل حرية الحركة وقت إنتخابات الـ (دوما) , قاد الحزب الإشتراكي الديموقراطي حملته تحت اسم “حزب العمال” . و الذي أصبح لاحقا حزب مستقل . و من نافلة القول أن مشاركة كلا الحزبين قد مثلت أساسا جماهير العمال و الفلاحين و طبقة واسعة من العمال المتعلمين .
عند هذه النقطة يجب علينا أن نزودكم ببعض التفاصيل حول برامج و أيديولوجيات هذه الأحزاب .
فبإستثناء المسألة السياسية , كانت النقطة المحورية في برامج كافة الأحزاب قطعا هي المشكلة الزراعية . المشكلة التي تطلبت حلا عاما فعالا و عاجلا . و الحقيقة , أن عدد الفلاحين قد تزايد بسرعة كبيرة بحيث أصبحت مساحات الأراضي الممنوحة للفلاحين المحررين في العام 1861 غير كافية , و قد انخفضت هذه المساحات , نتيجة التقسيم المستمر خلال ربع قرن حتى صارت بؤر للمجاعة . و على حد قول أحد الفلاحين “إننا لم نعد نجد مكانا لنربي فيه الدجاج” . و قد انتظر سكان الريف بفارغ الصبر حلا فعالا عادلا لمشكلتهم . و كانت الأحزاب جميعها مدركة لأهمية هذه الكتلة السكانية .
و قد طرحت ثلاث حلول في ذلك الوقت :
1 – اقترح الحزب الدستوري الديموقراطي توسيع مساحات الراضي بتحويل بعض أراضي أصحاب الأراضي الخاصة و الأراضي الحكومية إلى الفلاحين . على أن يسدد الفلاحون ثمن هذه الأرض تدريجيا بمساعدة الدولة و بشروط يضعها ممثلو الدولة و بتقييمات عادلة .
2 – اقترح الحزب الإشتراكي الديموقراطي نقلا خالصا و بسيطا للأراضي التي يحتاجها الفلاحون بدون أي سدادات . على أن تشكل هذه الأراضي أساسا للمال العام و الذي يمكن توزيعه وفقا للإحتياجات – تأميم أو مصادرة الأراضي – .
3 – أقترح الحزب الإشتراكي الثوري أكثر الحلول جذرية . النقل المباشر و الكامل لكل الأراضي التي في أيدي ملاك القطاع  و الخاص . و الإسقاط التام لملكية الأراضي الزراعية – سواء المملوكة للأفراد أو للدولة –  . و وضع كافة   الأراضي  تحت تصرف تعاونيات الفلاحين  peasant collectives – إشتراكية الأرض –
و كان على الـ (دوما) أن يتعامل مع هذه المشكلة المعقدة الملحة , قبل أي شيء آخر .
و هنا نود أن نشرح بإختصار أيديولوجيات الحزبين اليساريين في هذه المرحلة – من الديموقراطيين الإشتراكيين و اللإشتراكيين الثوريين – .
بحلول عام 1900 ظهر تباين كبير في وجهات النظر في قلب احزب الإشتراكي الديموقراطي الروسي . إذ تشبث بعض أعضاؤه بـ “برنامج الحد الأدنى” , متمسكين بفكرة أن الثورة الروسية القادمة ستكون ثورة بورجوازية , ذات نتائج متواضعة نسبيا . لم يعتقد هؤلاء الإشتراكيون بإمكانية التجاوز من الملكية الإقطاعية إلى النظام الإشتراكي بقفزة واحدة . و اعتقدوا أنه لابد من جمهورية بورجوازية ديموقراطية , لتمهد الطريق لنمو رأسمالي سريع يكون من شأنه وضع الأساس للإشتراكية المستقبلية . كانت هذه فكرتهم الأساسية . إستحالة الثورة الإشتراكية في روسيا في الوقت الراهن .
على أن كثيرا من أعضاء الحزب كان لهم رأي مخالف , فمن وجهة نظرهم , أن الثورة القادمة من المحتمل جدا أن تكون “ثورة إشتراكية” , مع كل عواقبها المنطقية . هؤلاء الإشتراكيون أسقطوا “برنامج الحد الأدنى” و أعدوا أنفسهم لإستيلاء الحزب على السلطة , و النضال الفوري و الحاسم ضد الرأسمالية .
كان قادة التيار الأول الأساسيون : (بليخانوف) Plekhanov و (مارتوف) Martov و آخرين . بينما كان (لينين) Lenin المؤسس الأكبر للتيار الثاني .
و قد حدث الإنقسام النهائي بين المعسكرين سنة 1903 , في مؤتمر لندن . و كان الإشتراكيون الديموقراطيون ذوي الميول اللينينية أغلبية – كلمة أغلبية بالروسية (بولشينستفو) Bolshinstvo و الواحد منهم (بولشيفيكي) bolsheviki , بينما الأقلية = (منشيفيكي) men-sheviki . و هكذا أكتسب التياران اسماهما اللذان سيظلان مصاحبين لهما . فأكتسب التيار الأول اسم (البلشفية) = الأغلبية , و سمي الثاني بـ (المنشفية) = الأقلية .
و قد أطلق الـ (بلاشفة) على أنفسهم بعد انتصارهم في 1917 على أنفسهم اسم “الحزب الشيوعي” بينما احتفظ الـ (مناشفة) باسم “الحزب الإشتراكي الديموقراطي” . و قد اعتبر “الحزب الشيوعي” , عندما تولى السلطة , الـ (مناشفة) ثورة مضادة , قبل أن يبيدهم .
من جهة أخرى , انقسم الحزب الإشتراكي الثوري هو الآخر إلى حزبين منفصلين : الحزب الإشتراكي الثوري “اليميني” و الذي أصرّ , على غرار الـ (مناشفة) , على الحاجة إلى مرحلة الجمهورية البورجوازية الديموقراطية . و الحزب الإشتراكي الثوري “اليساري” الذي زعم , على غرار الـ (بلاشفة) , أن الثورة يجب أن تُدفع إلى حدّها الأقصى , و هو الإلغاء الفوري للنظام الرأسمالي و إقامة الإشتراكية – نوع من الجمهوريات الإشتراكية – .
و قد محا الـ (بلاشفة) , بعد استيلائهم على السلطة سنة 1917 , الجناح اليميني من الحزب الإشتراكي الثوري , بإعتباره ثورة مضادة . بينما تعاونوا مع الجناح اليميني من الحزب الإشتراكي الثوري في البداية . لكن عندما نشأت الخلافات الرئيسية بين الحزبين فيما بعد , انهار التحالف السابق , و أخيرا تم حظرهم قبل إبادتهم .
على أن تأثير هذين الحزبين – البلاشفة و الجناح اليساري في الحزب الإشتراكي الثوري – كان ضئيلا في زمن إنتفاضة 1905 .
و لإكمال عرضنا للتيارات الفكرية المتنوعة التي تزامنت مع هذه الثورة , لابد و أن نشير إلى أن الحزب الإشتراكي الثوري قد فرّخ تيارا ثالثا , فصل نفسه عن الحزب , و دعا أثناء الثورة , ليس للقضاء على الدولة البورجوازية و حسب , بل على الدولة بصورة عامة – كمؤسسة سياسية – . و قد عرف هذا التيار الفكري في روسيا باسم الـ (برنامج الحد الأقصى)  Maximalism , لأن أنصار هذا التيار بعد رفضهم لبرنامج الحد الأدنى , انشقوا على الجناح اليساري للحزب الإشتراكي الثوري , منادين بضرورة النضال الفوري من أجل تنفيذ كامل لبرنامج الحد الأقصى . الذي هو : إشتراكية كاملة مبنية بالكامل على أساس غير سياسي .
و لهذا السبب لم ينشيء أنصار برنامج الحد الأقصى حزبا سياسيا . بل كوّنوا “إتحاد الإشتراكيين الثوريين الأقصويين” و قد نشر هذا الإتحاد بعض الكتيبات لتبيان وجهة نظرهم . و نشر بضعة دوريات , لكنها لم تستمر طويلا , و كان تأثيرها لا يكاد يذكر . و كان نشاط الإتحاد في المقام الأول كان الأنشطة الإرهابية . و شارك في كافة النضالات الثورية . و الحق أم كثيرا من أعضاءه قد ماتوا كأبطالا حقيقيين .
و من مجمل أفكارهم , كان “الأقصويون” قريبين جدا من الفكر الأناركي . فهم لم يتبعوا الماركسيين بشكل أعمى في نفي فائدة الأحزاب السياسية . و انتقدوا الدولة و السلطوية السياسية . لكنهم برغم ذلك لم يجرؤوا على التخلي عن السلطة السياسية بشكل فوري و شكل كامل . و لم يروا أنه من الممكن الإنتقال المباشر للمجتمع اللاسلطوي الكامل – ففرقوا هكذا بين الإشتراكية الكاملة و الأناركية – . و قد وضعوا لضمان الإنتقال فرضية “جمهورية العمال” تخفّض فيها عناصر الدولة و السلطة إلى الحد الأدنى الذي , وفقا للأقصويين , سيضمن إنقراضها السريع . هذا الإحتفاظ المؤقت بالدولة و السلطة هو ما يفرق بين برنامج الحد الأقصى و الأناركية .
و كغيرها من التيارات الايديولوجية التي لا تتوافق مع الـ (بلشفية) , تم سحق الأقصوية Maximalism بعد ثورة 1917 .
أما بالنسبة للأناركية و المفاهيم النقابية – كما سنبين لاحقا بالتفصيل – فقد كانت غير معروفة تقريبا في روسيا في هذا الوقت .
و الإعتقاد الغالب خارج روسيا , أنه بما أن (باكونين) Bakunin و (كروبوتكين) Kropotkin – الآباء المؤسسين للأناركية – روس . فلابد و أن روسيا كانت , و لفترة طويلة بلد الأفكار و الحركات الأناركية . و هذا سوء فهم خطير . فكل من (باكونين) Bakunin (1814 – 1876) و (كروبوتكين) Kropotkin (1842 – 1921)  لم يصبحا أناركيين إلا خارج روسيا . كما أن أيا منهما لم يشتهر في روسيا كأناركي . و قد ظلت أعمالهما مجهولة في روسيا حتى ثورة 1917 . و قد كتبت أصلا بلغة أجنبية – غير روسية – . و هذه الأعمال لم يترجم منها سوى مقتطفات قليلة و لم تنشر في روسيا سوى بكميات قليلة و بصورة سرية و تحت خطر بالغ . كما إن توزيع هذه الأعمال داخل روسيا كان أمر شبه مستحيل . و أخيرا فإن التثقيف الإجتماعي و الإشتراكي و الثوري في روسيا لم يكن بدري أي شيء عن الأناركية , و ربما مع استثناءات قليلة جدا , لم يكن أحد مهتم بالأفكار الأناركية .
و كانت الـ (سينديكالية / الحركة النقابية) Syndicalism غير معروفة بالجملة , بإستثناء قلة قليلة من المثقفين , بسبب من عدم وجود أي حركة عمالية في روسيا قبل ثورة 1917 . بل و يمكننا القول بأن الشكل التنظيمي الروسي للعمال : الـ (سوفيات) و الذي اتخذ على عجل في 1905 , ثم اعيد احياؤه مرة أخرى في 1917 كان على وجه التحديد بسبب غياب المفاهيم و الحركات النقابية . و ليس هناك من شك أنه لو كان هناك جهاز نقابي , فإنه سيقود الحركة العمالية .
و قد ذكرنا وجود بعض الجماعات الأناركية الصغيرة في (سانت بطرسبورج) و (موسكو) , و في الغرب و الجنوب . و كان هذا كل شيء . و قد شارك الأناركيست في موسكو في احداث 1905 , و استقطبوا الإنتباه خلال التمرد النسلح في ديسمبر من العام نفسه .
و قد سحق البلاشفة الحركة الأناركية , بعد 1917 , كما سحقوا كافة الحركات الأخرى التي لو تتفق مع أيدلوجياتهم . لكن سحق الحركة الأناركية لم يتم بسهولة , و كان الصراع بين البلشفية و الأناركية , خلال ثورة 1917 , صراعا صعبا مريرا , و هو صراع غير معروف تماما خارج روسيا , و قد استمر نحو ثلاث سنوات , و لعبت فيه “حركة ماخنو” الدور الأكبر – و هذا ما سنذكره بالتفصيل في الجزء الأخير من هذا الكتاب –
و الآن دعونا ننتقل إلى العواقب المعنوية و الآثار النفسية لأحداث 1905 . لأن أهميتها بالنسبة للمستقبل كانت أكبر من مجرد الإنجازات الفورية الملموسة .
باديء ذي بدء , و كما أشرنا مسبقا . تلاشت أسطورة القيصر , و قد أصبحت شريحة واسعة من الجماهير على بينة من الطبيعة الحقيقية للنظام و من الضرورة الملحة لإنهاؤه . لقد فقدت القيصرية و الحكم المطلق سلطانها معنويا .
و لم يكن هذا كل شيء . فقد انضمت الجماهير الشعبية أخيرا للقوى التي طالما عارضت النظام : الدوائر الثقافية الطليعية , و الأجنحة اليسارية للأحزاب السياسية و الثوريين بشكل عام . و اتصلت الجماهير بالدوائر الطليعية إتصالا وثيقا واسع النطاق . و من الآن فصاعدا سيتصاعد هذا الاتصال و يتعمق و يشتد . و ستصل “المفارقة الروسية” إلى نهايتها .
و هكذا فإن لدينا إنجازين كبيرين قد تم تحقيقهما . من ناحية , كان هناك عنصر مادي يمكن للثورة العرجاء أن تستند عليه : الـ (دوما) . و من الناحية الأخرى فإن العقبة المعنوية التي كانت المانع في طريق كل ثورة واسعة النطاق قد انهارت . لقد فهمت الجماهير أخيرا العلة و انضمت أخيرا إلى أولئك الذين كانوا في الصفوف الأمامية في صراع التحرير .
و أعدت الأرض للثورة المقبلة الحاسمة . كان هذا هو جانب “المكسب” من انتفاضة 1905 .
و ياللأسف !! كانت الخسائر جسيمة بقدر المكاسب .
فحركة 1905 لم تكن قادرة للأسف على إنشاء تنظيم للطبقة العمالية , لا تنظيم نقابي و لا حتى إتحاد تجارة . و لم تنل جماهير الطبقة العاملة حق التنظيم . و بقيت بلا اتصال و لا تنظيم .
و كان النتيجة النفسية لهذه الحالة من التخبط أن صارت الجماهير الكادحة – بلا وعي منها – , في الثورة القادمة . جائزة الأحزاب السياسية و منافساتهم المهلكة و صراعتهم البغيضة على السلطة . الصراع الذي لا مكسب للعمال من ورائه إلا خسارة كل شيء .
و هكذا , فقد كان لغياب الحركة العمالية و التنظيمات العمالية الحقيقية , عشية الثورة , أن فتح الباب على مصراعيه لغلبة , أو بالأحرى , لسيطرة حزب سياسي أو آخر , على حساب العمل الحقيقي و السبب الحقيقي للعمال .
و سيرى القاريء لاحقا , كيف أن عبء هذه الخسائر سيكون قاتلا بالنسبة لثورة 1917 : التي ستنسحق في نهاية المطاف تحت رزء هذه الخسائر .
و أخيرا أود أن أذكر شيئا عن مصير (نوصار- خروستاليف) , الرئيس الأول لأول (سوفيات) لعمال (سانت بطرسبورج) .
اعتقل (نوصار) أثناء “تصفية” الحركة , بحلول نهاية 1905 , و حوكم و ادين و نفي إلى سيبيريا . ثم هرب لاجئا إلى الخارج . لكن مثله مثل (جابون) لم يستطع التأقلم مع الحياة الجديدة , و أكثر من ذلك أنه لم يستطع الحصول على عمل منتظم . لكنه , بكل تأكيد , لم يعش حياة الفجور , و لا ارتكب أي فعل من أفعال الخيانة . لكنه كان يضيع حياته خارج الوطن في فوضى و فقر و تعاسة .
استمر هذا حتى ثورة 1917 , التي ما إن اندلعت حتى اسرع – مع كثييرين غيره – عائدا إلى البلاد ليشارك في النضال الثوري . لكنه لم يلعب أي دور هام .

و نحن لا نعرف حقا ما حدث له بعد ذلك . لكن وفقا لمصادر نعتبرها فوق الشبهات , أنه قد تحول في النهاية ضد الـ ((بلاشفة) و أنهم بدورهم قد قتلوه رميا بالرصاص .

http://anarchist-document.blogspot.com

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s