الثورة المجهولة / 12

الفصل الخامس
الهدنة
1905 – 1917
———————
لم تضف الإثنا عشر عاما , الفاصلة بين الثورة الحقيقية عن محاولتها الأولى , بين الإنتفاضة و الانفجار , أقول لم تضف شيئا بارزا من وجهة النظر الثورية . بل على العكس , ازدهرت الرجعية على طول الخط . لكن هذا لم يمنع بعض الإضرابات الكبرى و لا تمردا في أطول البلطيق في (كرونشتادت) Kronstadt . و قد قمع هذا التمرد الأخير بوحشية .
و كان مصير الدوما هو الحدث الأبرز في هذه الفترة .
بدأت جلسات الـ (دوما) في مايو 1906 في (سانت بطرسبورج) وسط حماس شعبي كبير صاحب دورتها الأولى . و على الرغم من كل مكائد الحكومة , خرجت هذه الـ (دوما) ضد الحكومة .و قد سيطر الحزب الدستوري الديموقراطي على غالبية المقاعد بسبب من كثرة عدده و تميّز نوابه . و قد أختير (س. مورومتسيف)  S. Muromtsev الأستاذ بجامعة موسكو و أحد أكثر أعضاء الحزب تميزا , رئيسا للجمعية . كما شكل الجناح اليساري – الحزب الإشتراكي الديموقراطي و حزب الإشتراكيين الثوريين – كتلة ذات أهمية . و قد تابع جميع السكان مداولات مجلس الـ (دوما) باهتمام و شغف . تحولت كل الآمال صوب مجلس الـ (دوما) . و توقع الناس إصلاحات هامة و فعالة و عادلة .
لكن , منذ الإتصال الأول المباشر , و العداء بين الحكومة و البرلمان في تنامي , صامتا في البداية ثم علنيا فيما بعد . و قد عاملت الحكومة الـ (دوما) بتعالي , و ازدراء مكشوف . و قليلا ما تحمّلت الـ (دوما) . و قد رفضت قبول مجلس الـ (دوما) حتى بإعتباره هيئة استشارية بحتة . و من جهة أخرى حاولت الـ (دوما) فرض نفسها دوما ككيان تشريعي دستوري . و قد بقيت العلاقة بين الجانبين في توتر متزايد .
و اتخذ الناس جانب الـ (دوما) بشكل واضح , ليصبح موقف الحكومة غير مواتي , مثيرا للسخرية , بل و حتى خطيرا . و مع ذلك لم يكن هناك ما يثير الخوف من ثورة وشيكة . و قد علمت الحكومة هذا الأمر . علاوة على ان بإمكانها التعويل على الشرطة و الجيش . و هكذا اتخذت الحكومة إجراءات حاسمة . و كلّف (ستولي بين ) بالوزارة و قد اتخذ من مشروع “نداء إلى الشعب” الذي أعده الـ (دوما) و كان يرتكز في الأساس على إصلاحات زراعية ذريعة .
فذات صباح فوجيء النواب بأبواب الـ (دوما) مغلقة و تحت حراسة القوات النظامية . و بالجيش و الشرطة يطوفون في الشوارع . لقد حل مجلس الـ (دوما) المعروف بالـ (دوما) الأولى . و صدر مرسوم رسمي يشرح للشعب سبب هذا الحل . . كان هذا في صيف 1906 .
و عدا عن سلسلة طويلة من الإغتيالات و عدد قليل من التمردات المنعزلة , و كان أهمها ما جرى في (سفيابورج) Sveaborg و (كرونشتادت) Kronstadt – و قد حدث الأول في أكتوبر 1905 و استمر الثاني لفترة قصيرة قبل قمعه  – , أقول ظلت البلاد هادئة .
أما النواب أنفسهم فلم يجرؤ أيا منهم على المقاومة بشكل فعال . و هذه حقيقة يمكن تفسيرها بسهولة . ذلك أن المقاومة كانت تعني العودة إلى العمل الثوري . غير أنه في كل مكان كان الإحساس العام , في الوقت الحالي , أن الثورة بلا حول و لا قوة . و علاوة على ذلك , إن لم يكن هذا هو الوضع السائد على الأرض و لولا أن خبت جذوة الثورة , لما جرؤت الحكومة على حل الـ (دوما) بهذه الطريقة الوقحة . لقد شعرت الحكومة بنفسها في مركز قوة , و لم تكن مخطئة في شعورها هذا في ذلك الوقت . و كانت البورجوازية أضعف من أن تحلم بثورة مواتية لمصالحها . أما بالنسبة لجماهير العمال و أحزابهم , فلم يستشعروا في أنفسهم الاستعداد للثورة في هذا الوقت .
و هكذا خضع النواب لقرار الحل . لكن المرسوم لم يلغ الـ (دوما) , و إنما فقط دعا لإنتخابات جديدة في المستقبل القريب , على أساس من تعديل بعض القواعد . و قد قنع “ممثلو الشعب ” بإعداد مذكرة احتجاج ضد هذا العمل التعسفي . و لوضع هذه المذكرة في جو كامل من الحرية اضطر النواب السابقين – و غالبيتهم من الحزب الدستوري الديموقراطي – لعقد اجتماعهم في فنلندا , من أجل التمتع بالحماية التي يكفلها استقلال هذا الجزء من الإمبراطورية الروسية تشريعيا , في مدينة (فيبورج) Vyborg , و التي اطلق اسمها على المذكرة . . (نداء فيبورج) . ثم عادوا بعدها إلى ديارهم في هدوء .
و على الرغم من سلمية “ثورتهم” هذه فقد حوكموا و أدينوا في فترة لاحقة من قبل محكمة خاصة . و عوقبوا بعقوبات مخففة , و إن كانوا قد فقدوا الحق في إعادة الترشح لإنتخابات الـ (دوما) .
على أن نائبا واحدا فقط , فلاح صغير من مقاطعة (ستافروبول) Stavropol, و المحسوب على حزب العمال . ( أونيبكو) Onipko لم يقبل بالتوقف . و كان أن أشعل إنتفاضة (كرونشتادت) و قد اعتقل في مسرح الأحداث بعد إصابته بطلق ناري . و لم ينقذه إلا بعض التدخلات من ناحية و مخاوف الحكومة من ناحية أخرى . غير أنه قد حوكم في نهاية المطاف و أرسل  إلى المنفى في سيبيريا . و قد نجح في الهرب و وجد ملجا خارج البلاد . و عاد إلى روسيا عام 1917 . أما ما حدث له بعد ذلك فغير معروف . و العهدة على بعض المصادر الموثوقة , أنه قد واصل النضال بوصفه عضوا يمينيا في الحزب الإشتراكي الثوري و أنه قد انقلب على البلاشفة الذين قتلوه رميا بالرصاص .
و بمجرد أن تم حلّ الـ (دوما) الأولى , عدّلت الحكومة القانون الإنتخابي . و لجأت بلا ضمير لى تدابير و مناورات وقائية أخرى , ثم دعت إلى الـ (دوما) الثانية . المجلس الذي كان أكثر إعتدالا و تواضعا بكثير من نظيره الأول . على أن هذه الــ (دوما) ظلت “ثورية جدا” بالنسبة للحكومة . و الحق أنه برغم كل المكائد و الدسائس ظل هناك جناح يساري في المجلس . و قد حلّت هذه الـ (دوما) بدورها . ليتم تعديل القانون الإنتخابي بشكل ملحوظ هذه المرة . أما الشعب فقد فقد كل اهتمام في أنشطة – أو بالأحرى خمول – الـ (دوما) , عدا عن بعض لحظات نادرة من الأحداث غير الإعتيادية أو الحوارات المثيرة التي تجذب الإنتباه لفترة وجيزة من الوقت .
و قاد حل الـ (دوما) الثانية إلى (دوما) ثالثة و أخيرا (دوما) رابعة . و كانت هذه الأخيرة أداة طيعة في يد الحكومة الرجعية , التي طال أمد وجودها العقيم حتى ثورة 1917 .
أما من جهة الإصلاحات أو إصدار قوانين مفيدة , فلم تنجز الـ (دوما) شيئا على الإطلاق في هذا الصدد . لكن وجودها لم يكن عديم الفائدة تماما . فالخطب النقدية من بعض النواب المعارضين , و وضع القيصرية في مواجهة مباشرة مع مشاكل الساعة الملتهبة , و عجز البرلمان عن التعامل مع هذه المشاكل طالما بقى النظام الإستبدادي قائما , كل هذه الحقائق استمرت في تنوير الجماهير العريضة من السكان حول الطبيعة الحقيقية للنظام , و عن دور البورجوازية , و عن المهام التي يتعين إنجازها , و عن برامج الأحزاب السياسية . و بالنسبة للشعب الروسي , كانت هذه الفترة على قصرها , درسا تجريبيا طويلا مجديا , و كانت هذه هي الطريقة الوحيدة في ظل غياب غيرها من وسائل التثقيف السياسي و الإجتماعي .
كانت هناك عمليتان متوازيتان تجريان في ذات الوقت : الأولى عملية متسارعة من الإنهيار النهائي – أو التفسخ النهائي لو أردنا استخدام لفظ أفضل – للنظام الإستبدادي . و الثانية النمو السريع في وعي الجماهير . و كانت علامات تدهور لحكم القيصري واضحة للعيان خارج روسيا . كان نمط الحياة الذي اعتمده البلاط الإمبراطوري هو نفس النمط الذي اعتمدته كافه الأنظمة الملكية قبيل سقوطها . كان (نيقولا) الثاني غير كفء و غير مكترث , و كان وزراءه و موظفينه فاسدين بقماءة , و التصوف المبتذل الذي اعتمده الملك و عائلته – و كان الراهب (راسبوتين) حلقة أساسية فيه – لم تكن هذه العناصر خافية على أحد في الخارج .
أما ما لم يكن معروفا , فكان التبدل العميق الذي حدث في نفسية الجماهير . فروح الرجل من العامة في 1912 مثلا لم يعد بينها و بين النظرة البدائية لرجال ما قبل 1905 أي شيء مشترك . و كانت طبقات واسعة من السكان تصبح على نحو متزايد ضد النظام القيصري بشكل مباشر . و كانت وحشية الرجعية , و التي منعت أي شكل تنظيمي للعمال و كل دعاية سياسية أو إجتماعية , هي ما منع الجماهير من تشكيل أفكارها في شكلها النهائي .
و لم يكن غياب الأحداث الثورية الكبرى دليل على أن العملية الثورية نفسها قد توفت . بل الحق أنها استمرت , تحت السطح , بقوة لم تنتقص قط , في أفكار الناس و مشاعرهم .
و قد بقيت جميع المشاكل الحيوية قائمة , أثناء ذلك , حتى وصلت البلاد إلى طريق مسدود . و أصبحت الثورة العنيفة الحاسمة أمرا لا مفر منه . و لم ينقصها سوى السلاح و دفعة صغيرة إلى الأمام .
كانت هذه هي الصورة العامة عندما اندلعت الحرب في العام 1914 . و كانت الحرب هي من أعطت الناس السلاح الضروري و الدفعة اللازمة .
المصدر
Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s