الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 1

دانييل غيران

مقدمة

مؤخرا كان هناك تجديد للاهتمام بالأناركية. كرست كتب، كتيبات، وأدبيات لهذا الغرض. هناك تردد في ما إذا كان هذا المسعى الأدبي مؤثرا جدا. من الصعب جدا تتبع الخطوط العامة للأناركية. فمن النادر أن وضع مفكروها البارعين أفكارهم في أعمال منظمة. وإذا ما حاولوا فعل هذا، فعلوها فقط في كراريس صغيرة تهدف للدعاية والترويج للأناركية، لذا لا يمكن إلا ملاحظة أجزاء قليلة من أفكارهم. علاوة على هذا، هناك عدة حركات أناركية والعديد من الاختلافات في أفكار التحرريين العظماء.

رفض السلطة والتأكيد على أولوية الحكم الفردي يجعل من الطبيعي أن لا تكون معتقدا جامدا. يقول برودون في رسالة له إلى ماركس، “دعونا لا نكون زعماء الدين الجديد حتى لو كان هذا الدين دين المنطق والعقل”. وهذا يترتب أيضا على وجهة نظر عدد من التحرريين ما يجعلها أكثر اختلافا، وأكثر فهما من هؤلاء الاشتراكيين السلطويين الذين أقاموا كنائس منافسة لفرض معتقداتهم على المؤمنين.

قبل إرساله للمقصلة، كتب المتمرد إيميل هنري رسالة إلى حاكم السجن بينما كان ينتظر تنفيذ الاعدام، يقول فيها: “إحذر من أن تظن أن الأناركية هي عقيدة، مذهب فوق السؤال والمناقشة، إنها تبجل مفكريها كما يبجل القرآن من قبل المسلمين المؤمنين”. لا، إن الحرية المطلقة التي نطلبها باستمرار تطور تفكيرنا بشكل ثابت وترفعه نحو آفاق جديدة (وفقا لطريقة تفكير الأفراد المختلفين)، مخرجة إباه من الاطار الضيق للتعليم والتصنيف. إننا لسنا مؤمنين!، لقد استمر هذا الثائر برفض “الايمان الأعمى” لماركسيين الفرنسيين في تلك الفترة: “الذين يعتقدون أن غيسد قال أن الواحد يجب أن يعتقد به، لقد أصبح لديهم كتاب مقدس، وسوف يكون تدنيسا له أن يستجوب أجد بنوده”.

بالرغم من التنوع والغنى في الفكر الأناركي، بالرغم من التناقضات والنزعات الفكرية التي تركز غالبا على قضايا خاطئة، فإن الأناركية هي مجموعة متجانسة من الأفكار. للوهلة الأولى يبدو أن هناك اختلافات واسعة بين الأناركية الأنانية (شتيرنر) والأناركية الاجتماعية. لكن إذا قمنا بنظرة أعمق على الموضوع، نجد أن مناضلي الحرية المطلقة ومناضلي التنظيم الاجتماعي ليسوا متباعدين عن بعضهم البعض. فالأناركي الاجتماعي هو أيضا مناضل أناني والأناركي الأناني هو أيضا مناضل اجتماعي الذي يخاف الاعلان عن نفسه.

الوحدة النسبية للأناركية الاتجتماعية تنشأ من الحقيقة وبأنها تطورت خلال مرحلة واحدة من قبل إثنين، الأول هو الفرنسي جوزيف بيير برودون، والثاني هو المنفي الروسي ميخائيل باكونين. والأخير قام بتطوير البرودونية كثيرا ونحو النهاية.لقد طور هذا النوع نحو الجماعية.

ورثته رفضوا هذا التعبير وأعلنوا أنهم شيوعيين (شيوعيين تحرريين). أحدهم، هو المنفي الروسي الآخر، بيتر كروبوتكين، الذي وجهها نحو الخيالية والتفاؤلية بشكل كبير ولكنه كان ذو نظرة “علمية” ضعيفة. الايطالي إيريكو مالاتيستا، من ناحية أخرى توجه نحو النشاط الجريء والطفيلي في بعض الأحيان ولكنه أغنى التفكير الأتاركي بعنده ومجادلاته الانفعالية في أغلب الأحيان. وقد أنجبت تجربة الثورة الروسية الأناركي الأكثر من رائع فولين.

النضالات الأناركية في نهاية القرن التاسع عشر كانت مثيرة وقصصية ودموية. ولكنها كانت نضالات ناشئة عن الطاقات والشجاعة الفردية، الأمر الذي ينال الاحترام، وقد استحوذت على اهتمام الرأي العام لنضالها ضد الظلم الاجتماعي؛ لكن يبدو هنا أن هذا انحرافا مؤقتا وعقيما في تاريخ الأناركية. تبدو نهايتها التاريخية. لقد قلل واهمل هذا الخاصائص الاساسية لمفهوم إعادة التنظيم الاجتماعي. وعندما ندرس هذا المفهوم نجده بناء وليس هدام، كما يدعي معارضوه. هذه السمة البناءة للأناركية سوف تقدم للقارئ في هذه الدراسة. على أي قاعدة؟ لأن الموضوع المدروس يتعلق بالحياة، ويشكل أحد أكثر المشاكل حدة من أي وقت مضى. وقد أظهر المفكرين التحرريين حاجات أوضاعنا الراهنة إلى حد بعيد.

هذا الكتاب الصغير، لا يهدف إلى نسخ التواريخ ونشر تاريخ الأناركية. مؤلفوا هذا كانوا علماء، غير مهتمين بالأسماء، مسحورين بالتشابهات السطحية، لقد اكتشفوا عددا من رواد الأناركية.  قدموا قيمة متساوية لكل مفكر وزميله، وأعطوا بالتفاصيل الأحداث المتعلقة بسيرته بدلا من الدراسة المعمقة لأفكاره. تاركين مجلدات تملئ القارئ بالتشتت، والتنافر، ويبقى سؤاله ما هي الأناركية؟ حاولت هنا بطريقة مختلفة. إنني أرى أن حياة مفكري الفكر التحرري معروفة. رغم أن الاضاءة على بعضهم أقل من بعض الكتاب الآخرين. العديد من هؤلاء المفكرين كانوا أناركيين في حياتهم ونشاطهم ولكن كان هناك جوانب في حياتهم لم تكن أناركية.

مثلا، برودون كان محافظا في التفكير، كان مهمتما بقضاشا الدين وكان فيها بعيدا عن التحررية. ورغم أنه كان معاد للكهنوتية، لكنه قبل بعدد من الكهنوت الكاثوليكي، وفقا لتفسيراته الخاصة، قال بأن التدريب والتوجيه الأخلاقي للناس يمكن أن يستنبط من الرموز المسيحية، وفي النهاية كان جاهزا لسرد الصلاة. لا يشار إلى هذا غالبا وإلى تحيته للحرب، وهجائه للنساء، وتمييزه العنصري احتراما لذكراه.

زميله باكونين، لم يكن لنشاطه في الشباب أي ارتباط بالأناركية. فقد اعتنق الفكر الأناركي في 1864 بعد فشل الانقلاب البولندي الذي كان جزءا منه. كتاباته السابقة ليست جزءا من الأدب الأناركي اليوم. أما كروبوتكين، فقد كان عالما، ويحتفل بأعماله اليوم في الاتحاد السوفييتي كإحدى أبرز الشخصيات في دراسة الجغرافية الوطنية، ولم يكن له تعارف على الأناركية إلا خلال الحرب العالمية الأولى.

بدلا من التسلسل التاريخي والزمني بالكتب العادية في هذا الكتاب: سيقدم للقارئ تباعا المواضيع البناءة الرئيسية للأناركية، وليس للشخصيات. حذفت متعمدا العناصر الغير متفق عليها في الأناركية، مثل نقد الرأسمالية، الالحاد، ضد العسكرية، الحب الحر، الخ. ولم أستخدم أي إدلاء غير مدعم بالدليل، واستعنت بالاقتباسات قدر الامكان. ما يعطي وصولا للقارئ إلى أفكار المفكرين الحية والدافئة كما كتبوها أصلا.

كذلك، في الزوايا المختلفة، أوضحت المراحل العظيمة التي اختبرت في أحداث الثورة الروسية، ايطاليا، والثورة الاسبانية. ويعالج الفصل الأخير بلا شك أكثر الأفكار الاصيلة للأناركية: الادارة الذاتية العمالية كما طورت في عصرنا الحديث في الجزائر، ويوغوسلافيا، وربما قريبا في الاتحاد السوفييتي.

في هذا الكتاب الصغير، سيرى القارئ مفهومين للاشتراكية يتغيران حينا ويرتبطان حينا آخر، واحدة سلطوية، وأخرى تحررية. في نهاية هذا التحليل القارئ سوف يسأل نفسه عن المستقبل.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com/

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s