الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 5

العداء للديمقراطية البرجوازية

يرفض الأناركي بشدة خدعة الديمقراطية البرجوازية، أكثر مما قد يفعل الاشتراكي السلطوي.

إن الدولة الديمقراطية البرجوازية التي تسمى “أمة” ليست أقل خطوة من الدولة الاستبدادية القديمة كما يرى شتيرنر: “كان الملك ملكا بائسا، مقارنة بالملك الجديد، أي سيادة الأمة. إن الليبرالية تكمل فقط الاحتقار القديم الذات. طبعا، لقد انتزعت مع الوقت امتيازات عديدة ولكن ليس إلا لصالح الدولة وأبدا ليس لتقوية الذات”.

أما برودون فيرى “أن الديمقراطية ليست أكثر من تعسف دستوري”. وقد أعلن سيادة الشعب بخداعه آبائنا. لكن في الواقع إن هذا الشعب هو ملك دون ملك، قرد الملوك، لا يحمل من عظمة الملك إلا الاسم. إنه ملك لا يحكم. إنه يفوض سيادته بالممارسة الدورية للاقتراع العام، معلنا استسلامه كل ثلاث أو خمس سنوات. وإذا طرد الملم، فما زالت الملكية محفوظة، مصانة، منظمة على قدر حسن من التنظيم. إن ورقة الاقتراع بين يدي شعب لم يثقف عمدا، ليس إلا خدعة لعينة لا تفيد إلا سادة الملكية والتجارة والصناعة.

ويرى باكونين “أن النظام التمثيلي لا يضمن مصالح الشعب على الاطلاق، بل يضمن الوجود الدائم للحكومة الارستقراطية ضد الشعب”. إن الاقتراع العام هو مراوغة، كمين، حماية، وقناع “تختبئ سلطة الدولة الاستبدادية خلفه مرتكزة على المصارف والشرطة والجيش”، إنه “وسيلة بارعة لقمع وسرقة الشعب باسم الاردة الشعبية المزعومة”.

لا يؤمن الأناركي بالتحرر من خلال ورقة الاقتراع. يوضح برودون، على الأقل على المستوى النظري، إنه متغيب. يعتقد أن “الثورة الاجتماعية هي مشوهة إذا ما كانت ثورة سياسية”. الاقتراع غير منطقي بحد ذاته، إنه عمل متخاذل، دعم للنظام الفاسد:”حتى نقوم بحرب على كافة الأحزاب القديمة، يجب أن لا يكون البرلمان حلبة النضال الشرعي، بل خارجه”. الاقتراع العام هو الثورة المضادة. وينبغي على البروليتاريا أن تنشق أولا على الديمقراطية البرجوازية كي تكون طبقة اجتماعية في حد ذاتها”.

لكن برودون في ممارساته النضالية لم يطبق دائما هذا المبدأ، فقد انتخب نائبا في 1848 وانزلق في الدبق البرلماني، ثم في الانتخابات النيابية في أيلول 1848. وفي الانتخابات الرئاسية في 10 كانون الأول من السنة نفسها، دعم ترشيح راسباي أحد زعماء اليسار الثوري، والذي كان مسجونا آنذاك. حتى أنه توجه إلى أكثر من ذلك فقد اعتنق تكتيك “الأقل سواء” مفضلا الجنرال كافيناك، مرتكب مجازر البروليتاريا الباريسية على الدكتاتور المبتدئ لويس نابليون. بعدها بفترة طويلة، في انتخابات 1863 و1864 دعا برودون إلى الاقتراع بورقة بيضاء كتعبير عن المعارضة للدكتاتورية الامبراطورية ولكن ليس معارضة لمفهوم الاقتراع بحد ذاته، الذي وصفه في تلك الفترة بالمبدأ “الديمقراطي الأمثل”.

رفض باكونين وأنصاره في الأممية الأولى صفة “المتغيبين” التي أطلقت عليهم من قبل الماركسيين بهدف مهاجمتهم. فمقاطعة الاقتراع ليست مبدأ أساسيا لهم، بل مسألة تكتيكية. ورغم أنهم أكدوا على أولوية الصراع الطبقي على المستوى الاقتصادي إلا أنهم رفض أن يقال لهم “غير مهتمين للسياسة”. فهم لم يرفضوا السياسة بالمطلق ولكن رفضوا السياسة البرجوازية. وقد رفضوا أن تأتي الثورة السياسية قبل الثورة الاجتماعية. لقد عارضوا الحركات السياسية التي لا تحمل تحرير الطبقة العاملة كهدف مباشر وفوري. لقد استنكروا التحالفات الانتخابية الملتبسة مع الأحزب البرجوازية الراديكالية كما 1848 أو الجبهة الشعبية كما نسميها اليوم.

تخوف باكونين وأنصاره أن يتحول العمال المنتجون إلى نواب أيضا، فيعيشون حياة البرجوازية ويصبحون رجال دولة لا عمال، وبالتالي يتحولون إلى برجوازيين، وربما أكثر برجوازية من البرجوازيين أنفسهم.

إن موقف الأناركيين إزاء الاقتراع العام هو بعيد كل البعد عن التماسك والوضوح. فيرى بعضهم أن الاقتراع هو أفضل من لا شيء. وهناك  المعارضين الصلبين الذين يذمون استعمال هذا الاقتراع، أيا كانت الظروف، ويدخلون هذه القضية في خانة الاخلاص العقائدي. وفي هذا الاطار رفض مالاتيستا التنازل خلال انتخابات اتحاد اليسار الفرنسية في أيار 1924، ففي بعض الظروف قد تاتي الانتخابات بنتائج سيئة أو حسنة وإن النتيجة أحيانا قد يقررها اقتراع الأناركيين، لا سيما عندما تكون القوى السياسية المتنافسة متساوية تقريبا. وفقا لمالاتيستا “لكن لا يهم، فحتى لو حققت الانتصارات الانتخابية بعض التطورات الايجابية الصغيرة، فإن الأناركيين يجب أن يمتنعوا عن التوجه إلى صناديق الاقتراع”. وينتهي قائلا:”إن الأناركيين مارسوا دائما السياسية النقية ويبقون الحزب الثوري الأفضل، حزب المستقبل لأنهم لم يستجيبوا للدعوة الانتخابية”.

هناك العديد من الأمثلة على الممارسات المتنوعة للعقيدة الأناركية، خصوصا في اسبانيا. فسنة 1930، تحالف الأناركيون مع الأحزاب الديمقراطية البرجوازية للقضاء على الدكتاتور بريمو دو ريفييرا. ففي السنة التالية، رغم تغيبهم المعلن عن الانتخابات فقد شاركوا بقوة في الانتخابات البلدية ما عجل إسقاط الملكية. وفي انتخابات 19 تشرين الثاني 1933 دعا الأناركيون إلى عدم المشاركة بالانتخابات، فأتت الانتخابات باليمين المتطرف المعادي للعمال إلى الحكم ولمدة سنتين. ولكنهم أعلنوا أنه في حال وصلت القوى الرجعية إلى السلطة بفضل الاقتراع فإنهم سوف يشعلون الثورة الاجتماعية.وهذا ما حالوا القيام به، ولكنهم فشلوا، بخسارة جسيمة (شهداء، جرحى، سجناء). وفي مطلع سنة 1936، عند شكلت الأحزاب اليسارية تحالفا في الجبهة الشعبية، تضارب الموقف الذي يجب اتخاذه في صفوف الأناركيين النقابيين.

في النهاية، اتخذت موقفا بعدم التصويت، ولكن الحملة كانت صامتة، وشاركت الجماهير بالتصويت بشدة. وبالفعل انتصرت الجبهة الشعبية. تجدر الاشارة إلى أنه بالرغم من الرفض الشديد للأناركيين للديمقراطية البرجوازية إلا أنهم يرونها تقدمية نسبيا. فشتيرنر الأكثر معارضة يصف الاقتراع من حين لآخر بالتقدمية. ويقول برودون “إن هناك تقدما في الانتقال من الدولة الملكية إلى الدولة الديمقراطية”؛ أما باكونين: “لا يظنن أحد أننا ننتقد الحكومة الديمقراطية لصالح الملكية، إن الجمهورية الأكثر سوءا هي ألف مرة أفضل من الملكية الأكثر تنويرا. إن النظام الديمقراطي يتقدم بالجماهير شيئا فشيئا إلى الحياة العامة”، وهذا ما يعطي الصحة لقول لينين إن “بعض الأناركيين” يعلمون أن “شكل القمع لا يهم بنظر البروليتاريا”. وفي الوقت ذاته تصبح شكوك هنري أرفون في كتابة الصغير الأناركية شكوكا خاطئة، من أن الموقف الأناركي المعادي للديمقراطية يلتقي مع الموقف اللا ثوري المعادي للديمقراطية.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s