الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 8

مصادر الابداع: الجماهير

من ثورة 1848 اكتشف برودون أن الجماهير هي القوة المحركة للثورات. في نهاية 1849 كتب برودون: “إن الثورات لا تملم محرضان، إنها تحصل عندما يومئ القدر، وتنتهي مع نهاية تلك القوة الغامضة التي أطلقتها”. “كل الثورات حصلت بفضل عفوية الشعوب وإذا ما الحكومات أحيانا قد لبت مبادرات الشعب فقد فعلت ذلك بسبب الاكراه أو الاجبار على ذلك. هذه الحكومات في جميع الحالات تقريبا قد منعت، اضطهدت، قمعت”. “عندما يترك الشعب لغرائزه فإنه يرى دائما بشكل أوضح إذا ما قيد بسياسة قادته”. “إن الثورة الاجتماعية لا تحدث بسبب أوامر قائد يحمل نظريته الجاهزة، أو بسبب أمر رسول موحى له. بالرغم من أن لها رسلها ومنفذيها، إن الثورة الحقيقية العضوية ليست نتاج عمل شخص معين”. إن الثورة يجب أن تقاد من الأسفل لا من الأعلى. بعد تجاوز المرحلة الثورية يجب أن تكون عملية إعادة البناء الاجتماعي من عمل الجماهير نفسها. إن برودون يؤكد على “شخصية واستقلالية الجماهير”.

باكونين يكرر أن الثورة الاجتماعية لا يمكن أن تنظم أو تؤمر من الأعلى، بل لا يمكن أن تحصل وتصل إلى تطورها الكامل إلا عبر النشاط العفوي والدائم للجماهير. الثورات ” تأتي مثل اللص في الليل”. “إنها “تنتج من قوة الأحداث”. إنها طويلة التحضير في عمق الوعي الغرائزي للجماهير الشعبية ثم تنفجر، وفي أحيان عديدة لأسباب واهية ظاهريا. “يمكن ترقب الثورات، الشعور بقربها، ولكن لا يمكن أبدا تسريع انفجارها”. “إن الثورات الاجتماعية الأناركية تأتي بعفوية من قلوب الشعب، مدمرة كل ما يعوق الارتفاع المفاجئ لحياة الشعب حتى تخلق أشكالا جديدة للحياة الاجتماعية الحرة انطلاقا من أعماق روح الشعب”. رأى باكونين في كومونة باريس في العام 1871 تطبيقا واضحا لآرائه. كان ثوريو الكومونة على قناعة أنه في الثورة الاجتماعية “نشاط الأفراد لا يعني شيئا ولكن النشاط العفوي للجماهير هو كل شيء”.

حيا كروبوتكين كمن سبقه “هذه الروح الرائعة التي يمكتلكها الشعب للتنظيم العفوي، بدرجة عالية، والتي لا يسمح بممارستها إلا نادرا”. ويضيف “لن يشكك بهذا القول إلا من أمضى حياته خلف المكاتب”.

بعد هذه التأكيدات الكثيرة والمتفائلة، يجد الأناركي وشقيقه العدو الماركسي، في مواجهة تناقض خطير. إن عفوية الجماهير هي الأساس ولكنها ى تكفي لكل شيء. فلا بد من وجود قلة من الثوريين القادرة على صيغة الاطار الفكري للثورة من أجل إيصال الوعي للجماهير. لكن كيف يتم تجنب استغلال هذه النخبة لقدراتها الفكرية فتستبدل الجماهير وتوقف مبادرتها وحتى أن تفرض عليها سلطة جديدة؟

يشدد برودون على العفوية ولكنه يلاحظ جمود الجماهير ويرفض الحكم الاستباقي على دور الحكومة، والاحترام الذي تكنه لها الجماهير وعقدة النقص التي تعيق الحيوية الشعبية. لذا يجب إثارة العمل الجماعي عند الشعب. فعبودية الطبقات الدنيا قد تستمر إلى الأبد إذا لم يأتها وحي من الخارج. فيقول: “إن الأفكار التي حركت الجماهير في كل العصور كانت وليدة أدمغة عدد من المفكرين. لم تكن الأولوية للجماعيات بل كانت لعمل فكري للأفراد”. ومن المثالي أن تنقل هذه الأقليات التي تحمل الوعي علمها الثوري إلى الناس؟ ويشكك برودون من امكانية تطبيق هذا: إذا أن الجهل في الطبيعة العدوانية للسلطة، في أفضل الأحوال، يمكن الموازنة بين الاثنين.

في حوالي العام 1864، كان باكونين وقبل أن يصبح أناركيا، يحوم في بحر المؤتمرات والمنظمات السرية وكان مؤمنا بالبلانكية خصوصا، التي تقول بأن نشاط النخبة الأقلية يجب أن يسبق الانتفاضة الواسعة للجماهير وبعد نهوض الجماهير من سباتها فإنها سوف تصبح جزءا من هذه النخبة المتقدمة. وفي الأممية، الحركة العمالية الكبيرة التي أسست بعد طول انتظار، طرحت القضية بصورة مختلفة. غير أن باكونين الذي أصبح أناركيا، كان مقتنعا بضرورة وجود الطليعة الواعية: “من أجل انتصار الثورة ضد الرجعية، من الضرورة وجود وحدة الفكر والنشاط الثوري في وسط الفوضى الشعبية التي تشكل روح الثورة وطاقتها”. إن مجموعة من الأفراد يحركهم الفكر والهدف الواحد، يجب أن يمارسوا “نشاطا طبيعيا على الجماهير”. “بامكان عشرة، عشرين أو ثلاثين شخصا، مثقفين ومنظمين فيما بينهم، تحريك مئة، مئتين، ثلاث مئات أو أكثر”. “إن ما يجب تشكيله هو قيادات عليا، منظمة جدا، وملهمة من عمل زعماء الحركة الشعبية”.

يوصي باكونين باتباع طرق تشبه إلى حد كبير ما تسميه السياسة الحديثة “تكوين النخب الثورية”، يجب العمل بسرية على تجهيز الأفراد الأكثر ذكاء وفعالية في كل محلة “من أحل أن يكون هذا التنظيم مطابقا لمبادئنا، وتأثيرنا يكمن هنا”. يجب على الأناركيون كـ”قادة غير مرئيين” في وسط العاصفة الشعبية. ينبغي أن لا يقودوها عبر “السلطة الظاهرة” بل عبر “دكتاتورية دون اسم، دون عنوان، دون حق رسمي، تكون قائدة حقا ولا تحمل أي مظهر من مظاهر السلطة”.

باكونين لا يجهل مدى عدم اختلاف الكلمات التي يستخدمها (قادة، دكتاتورية، الخ) عن تلك التي يستخدمها خصوم الأناركية وهو يجيب مسبقا على “كل من يدعي أن عملا منظما كهذا هو انتقاص لحرية الجماهير، هو محاولى لخلق نفوذ سلطوي جديد: لا! إن الطليعة الواعية يجب أن لا تكون محسنا للشعب أو زعيمه الدكتاتوري، بل ببساطة المولدة للتحرر الذاتي للجماهير. لا يمكن لها أن تحقق شيئا عدا نشر أفكار نطابق غرائز الجماهير. “السلطات الثورية” (باكونين لا يتوانى عن استخدام الكلمة معتذرا عنها عبر تمني وجود أقل عدد منها) لا تفرض الثورة على الجماهير لكنها توقظها في قلبها، غير مكرهة اياهم على أي شكل تنظيمي، بل محفزة التنظيم المستقل للجماهير من الأسفل لأعلى.

لاحقا جدا، روزا لوكسمبورغ سوف تشرح ما اراده باكونين: أن التناقض بين العفوية التحررية والحاجة لعمل الطلائع الواعية سوف ينتهي كليا عندما العلم والطبقة العاملة يصبحا رائدين، وتصبح الجماهير واعية، فلا تحتاج بعدها للقادة، بل فقط هيئات تنفيذية لنشاطها الواعي. بعد تأكيده أن الطبقة العاملة ما زالت تفتقر للعلم والتنظيم، الأناركي الروسي يصل لخلاصة أن الأممية لن تصبح وسيلة للتحرر إلا “إذا أدخلت العلم، الفلسفة وسياسات الاشتراكية إلى وعي أعضائها”.

لكن هذه الخلاصة الجيدة نظريا هي سند سحب على المستقبل البعيد. وبانتظار أن يسمح التطور التاريخي بتحقيقها، فإن الأناركيين كما الماركسيين، يبقون سجناء التناقض. هذا التناقض الذي مزق الثورة الروسية، التي تجاذبتها السلطة العفوية للسوفييت من جهة وسعي الحزب البلشفي للامستاك بالقيادة من جهة أخرى. كما أن هذا التناقض سيظهر في الثورة الاسبانية حيث يتأرجح الأناركيون بين قطبين: قطب الحركة الجماهيرية وقطب النخبة الأناركية الواعية.

استشهادين تاريخيين سوف يكونان كافيين لتوضيح هذا التناقض:

لقد استنتج الأناركيون من الثورة الروسية درسا نهائيا: رفض “قيادة” الحزب الواحد. أحد هؤىء الأناركيين هو فولين الذي قال هذا فيما يلي : “إن الفكرة الرئيسية للأناركية بسيطة: إن أي حزب أي تجمع سياسي أو ايديولوجي يضع نفسه فوق الجماهير الكادحة أو خارجها من أجل ممارسة “الحكم” عليها أو قياداتها، لن ينجح أبدا في اعتاق الجماهير، ولو أرادهذا حقا. لن يتحقق التحرر الفعلي إلا عبر العمل المباشر للمعنيين بالموضوع، العمال أنفسهم، مجتمعين، ليس تحت لواء الحزب السياسي أو منظكة أيديولوجية، يل في منظماتهم الطبقية الخاصة (نقابات الانتاج، لجان المصانع، التعاونيات …)، على قاعدة العمل الملموس والإدارة الذاتية يساعدهم في ذلك، لا يحكمهم ثوريون يعملون بين الجماهير لا فوقها. إن الفكرة الأناركية والثورة الأناركية الحقيقية لا يمكن أن تتححق على يد الأناركيين أنفسهم، بل على الجماهير الواسعة نفسها والأناركيون أو الثوريون عموما لا يمارسون إلا دورا تنويريا ومساعدا لهذه الجماهير. إن اعتقادا عند الأناركيين أنهم يمكنهم تحقيق الثورة الاجتماعية بقيادتهم للجماهير هو مجرد وهم، كما كان وهم البلاشفة، للأسباب عينها”.

لكن الأناركيون الاسبان شعروا بدورهم بدورهم بضرورة تنظيم أقلية واعية ايديولوجيا، تجسدت في الفيدرالية الأناركية الايبيرية ضمن نقابتهم المركزية الواسعة: الكونفدرالية الوطنية للشغل، من أجل مواجهة التوجهات الاصلاحية لبعض النقابيين، وكذلك في مواجهة مؤيدي “دكتاتورية البروليتاريا”. لقد استرشدت الفيدرالية الأناركية الايبيرية من أفكار باكونين وسعت لأن تلعب دور الموجه وليس القائد، فالوعي الأناركي العالي نسبيا لعناصر قاعدية عديدة من الكونفدرالية الوطنية للشغل قد ساعدها على عدم الوقوع في ما وقع فيه الأحزاب الثورية “السلطوية”. لكنها لم تنجح في ممارسة دورها القيادي إذ قامت بغباء بوضع النقابات تحت الوصاية وتأرجحت في استراتيجيتها وكانت تتكون من الناشطين والديماغوجيين أكثر من الثوريين المستقيمين، سواء في النظرية أو الممارسة.

ان العلاقات بين الجماهير والأقلية الواعية تطرح اشكالية لم تجد حلا كاملا لها، حتى من قبل الأناركيين، ولم تقل بعد الكلمة الأخيرة حول هذه القضية.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s