الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 26

المنظمة الماخنوية

كانت تصفية الأناركيين سهلة نسبيا في مراكزهم الصغيرة والضعيفة في المدن، لكن الأشياء كانت مختلفة في أوكرانيا، حيث الفلاح نستور ماخنو بنى منظمة أناركية قروية قوية، اقتصاديا وعسكريا. ماخنو ولد من فلاحين أوكرانيين فقيرين وكان في سن العشرين من عمره في العام 1919. كطفل، رأى ثورة 1905 ولاحقا أصبح أناركيا. النظام القيصري حكم عليه بالاعدام، استبدلت بالسجن لثماني سنوات، التي قضاها، غالبا في سجن بوتيركي، المدرسة الوحيدة التي ارتادها. ملأ على الأقل بعض الفجوات في ثقافته مع مساعدة زميله في السجن، بيتر أرشينوف.

مباشرة بعد ثورة تشرين الأول، ماخنو أخذ المبادرة في تنظيم جماهير الفلاحين في اقليم مستقل ذاتيا، مساحة دائرية تقريبا 480 ب 400 ميل، مع حوالي 7 ملايين قاطن. الجنوب ينتهي في بحر آزوف عند ميناء بيرديانسك، ومركزها غولاي بويلي، القرية الأكبر من 20 ألف إلى 30 ألف قاطن. كانت هذا اقليم ثوري تقليديا الذي رأى عمليات عنف في 1905.

القصة بدأت عندما الجيوش الألمانية والنمساوية المحتلة فرضت نظام الجناح اليميني الذي سرع في عودة الملاك السابقين للأراضي التي استولي عليها من الفلاحين الثوريين. عمال الأرض أعلنوا الدفاع المسلح ضد المحتلين الجدد. قاوموا الرجعية لكن أيضا تدخلت مفوضيات البلاشفة وضرائبهم الباهظة. هذه الانتفاضة الواسعة استلهمت ب”محب للعدالة”، نوع ما من روبين هود أناركي سمي “الأب” نستور ماحنو من قبل الفلاحين. عمله الأول مع المسلحين كان الاستيلاء على غولاي بويلي في منتصف أيلول 1918. هدنة 11 تشرين الثاني أدت إلى انسحاب القوات النمساوية الألمانية، وأعكت ماخنو فرصة فريدة لبناء احتياط من السلاح والمؤن.

لأول مرة في التاريخ، مبادئ الشيوعية التحررية طبقت على أوكرانيا المحررة، والادارة الذاتية وضعت في قيد التنفيذ قدر الامكان بسبب ظروف الحرب الأهلية. الفلاحين اتحدوا في “كومونات” أو “سوفييتات العمل الحر”، وفلحوا بشكل مشترك الأرض التي حاربوا من أجلها الملاك السابقين. هذه المجموعات احترمت مبادئ المساواة والأخوية. كل رجل، امرأة، وطفل كان يجب أن يعمل وفقا بالتناسب مع قوته أو قوتها، ورفاق انتخبوا  لأدوار ادارية مؤقتة ومن ثم يعودون لأعمالهم الاعتيادية إلى جانب باقي أعضاء الكومونات.

كل سوفييت كان ببساطة المنف لإرادة الفلاحين في المحلية التي انتخب منها. الوحدات الانتاجية اتحدت في المناطق، والمناطق في الأقاليم. السوفييتات اندمجت في نظام اقتصادي عام قائم على المساواة الاجتماعية؛ كانت مستقلة عن أي حزب سياسي. لا يمكن لأي سياسي أن يملي إرادته عليهم تحت غطاء سلطة السوفييت. الأعضاء يجب أن يكونوا عمالا حقيقيين في خدمة الجماهير العاملة.

عندما انتقل الفلاحين الماخنويين إلى منطقة ما وضعوا بوسترات كتب عليها: “حرية العمال والفلاحين هي ملك لهم، ولا تخضع لأي قيود. إنه يعود فقط للعمال والفلاحين أن ينشطوا، أن ينظموا أنفسهم، أن يوافقوا فيما بينهم على كافة مظاهر حياتهم، وفقا لما يرونه مناسبا ورغباتهم … الماخنويين لا يمكنهم القيام بأكثر من تقديم المعونة والنصيحة … لا يمكنهم في أي حال من الأحوال ولا يرغبون في أن يحكموا”.

في 1920، عندما أجبر الماخنويين على التفاوض مع البلاشفة، فعلوا هذا على قدم المساواة، وأبرموا اتفاقا سريع الزوال معهم، الذي أصروا على أن يذيل بالملحق التالي: “في المنطقة التي يعمل فيها الجيش الماخنوي السكان من العمال والفلاحين سوف يكونوت مستقلين ذاتيا ومرتبطين اتحاديا باتفاقات مع الهيئات الحكومية للجمهوريات السوفييتية”. المفاوضون البلاشفة أذهلوا وفصلوا الملحق عن الاتفاقمن أجل العودة لموسكو، حيث اعتبرت طبعا “مرفوضة كليا”.

إحدى نقاط الضعف النسبية في الحركة الماخنوية كان افتقارها للمثقفين التحررين، لكنها استقبلت بعض المعونة المتقطعة من الخارج. هذا أتى أولا من خاركوف وكورسك حيث الأناركيين، المتأثرين بفولين، شكلوا في 1918 اتحادا تحت اسم النابات (ناقوس الخطر). في 1919 عقدوا مؤتمرا أعلنوا أنفسهم “معارضين بشكل قطعي ونهائي لأي شكل من المشاركة في السوفييتات، التي تحولت إلى هيكليات سياسية صرفة، منظمة وفقا للقواعد الدولتية، المركزية، السلطوية”. الحكومة البلشفية اعتبرت هذا البيان اعلان حرب وأجبرت نابات على وقف كافة نشاطاتها. لاحقا في تموز، فولين وصل إلى مراكز ماخنو وانضم بيتر أرشينوف اليهم ليتولوا الجانب الثقافي والتعليمي من الحركة. عقد مؤتمر في تشرين الأول في الكسندروفسك، حيث “الطروحات العامة” قد أتت بتبني مذهب “السوفييتات الحرة”.

المنتدبين الفلاحين والمناصرين أخذوا دورا في هذه المؤتمرات. ي الحقيقة، المنظمة المدنية كانت توسعا للجيش الفلاحي المنتفض الذي يمارس تكتيك حرب العصابات. هذا الجيش كان جوالا على نحو رائع، يغطي حوالي 160 ميل في اليوم الواحد، طبعا ليس فقط بفضل فرسانه بل أيضا مشاته، الذين تنقلوا في عربات الخيل الخفيفة في الربيع. كان هذا الجيش منظما وفقا للأسس التطوعية والتحررية. المبدأ الانتخابي كان مطبقا على كل المستويات والانضباط كان يتم الموافقة عليه بشكل حر: القواعد الأخيرة كانت توضع من لجان المؤيدين، ثم توثق من الجمعيات العامة، وكان يتم مراقبتها بصرامة من قبل الجميع.

سببت الحركة السريعة للماخنويين العديد من المشاكل للجيوش البيضاء. وحدات الحرس الأحمر البلشفي، بدورهم، لم يكونوا مؤثرين جدا. لقد قاتلوا فقط على طول السكة الحديد ولم يذهبوا أبعد من قطاراتهم المدرعة، التي انسحبت عند أول انتكاسة، أحيانا بدون أن تأخذ كل مقاتليها. هذا لم يعطي الثقة الكاية للفلاحين الذين كانوا أقل تسليحا ومعزولين في قراهم والذين أصبحوا تحت رحمة عناصر الثورة المضادة. أرشينوف، مؤرخ الماخنوية، كتب “إن شرف تدمير الثورة المضادة لدينيكن في خريف 1919 كان يعود إلى الثوار الأناركيين”.

لكن بعد أن تحولت وحدات الحرس الأحمر في الجيش الأحمر، أمعن ماخنو في رفض وضع جيشه تحت الأوامر العليا لقائد الجيش الأحمر، تروتسكي. هذا الثوري العظيم اعتقد أنه من المهم الانقلاب على الحركة المنتفضة. في 4 حزيران 1919، كتب مسوجة قرار في منع المؤتمر الوشيك للماخنويين، متهمهم بالوقوف ضد سلطة السوفييت في أوكرانيا. لقد وصف المشاركة في المؤتمر أنه عمل “خيانة عظمى” ودعا لاعتقال المندوبين. رفض إعطاء السلاح للمقاتلين الماخنويين، فشل في واجبه في مساندتهم، وأخيرا اتهمهم بالخيانة والسماح لأنفسهم بالهزيمة من قبل القوات البيضاء. على نفس النهج سار الستالينيين الاسبان ضد الألوية الأناركيى بعد 18 عاما.

الجيشين عقدا مجددا اتفاقا، في مناسبتين، عندما الخطر العالي بسبب التدخل الأمر الذي دفعهما للعمل معا. هذا حصل في آذار 1919، ضد دينيكين، الثاني خلال صيف وخريف 1920، قبل تهديد القوات البياضء في رانجل حيث دمرت نهائيا من قبل ماخنو. لكن كلما مرت فترة الخطر يعود الجيش الأحمر لعملياته ضد الماخنويين، الذين يردون الهبة بهبة.

في نهاية تشرين الثاني 1920 هؤلاء الذين في السلطة ذهبوا بعيدا في التحضير للكمين. البلاشفة دعوا ضباط الجيش الماخنوي في كريمين لأخذ دورهم في المجلس العسكري. هناك اعتقلوا مباشرة من قبل التشيكا، الشرطة السياسية، وقتلوا بينما نزع سلاح مناصريهم. في نفس الوقت الهجوم الدوري اطلق نحو غولاي بويلي. تنامي الصراع الغير متساوي بين التحرريين والسلطويين استمر لتسعة شهور. في النهاية، اضر ماخنو لوقف القتال بسبب مجيء المزيد من القوات القوية عددا وعديدا. اضطر للجوء إلى رومانيا في آب 1921، ولاحقا وصل إلى باريس، حيث مات بعدها بكثير بسبب المرض والفقر. كانت هذه نهاية الملحمة البطولية للمنظمة الماخنوية. وفقا لبير أرشينوف، كانت نموذجا أصيلا عن الحركة المستقلة للجماهير العاملة ومصدرا للالهام المستقبلي للعمال حول العالم.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s