الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 35

الادارة الذاتية في الزراعة

بالرغم من ذلك، في المجالس الذي أعطوه أهمية قصوى، الحقل الاقتصادي، أبدى الأناركيون الاسبان أنفسهم أكثر صلابة وأقل خطورة.  الادارة الذاتية الصناعية والزراعية كانت بشكل كبير ذاتية الحركة. لكن مع نمو قوة الدولة ومع ازدياد سلطوية لحرب شيئا فشيئا، نشأت التناقضات بشكل مرتفع بين الجمهورية البرجوازية في الحرب وتجربة الشيوعية أو بالأحرى الاشتراكية التحررية. في النهاية، كانت الادارة الذاتية هي التي انكفأت، وذبحت على مذبح “معاداة الفاشية”. وفقا بايراتس، الدراسة المنهجية لهذه التجربة في الادارة الذاتية لم تحصل حتى الآن، إنه سوف يكون صعبا، حيث أن الادارة الذاتية تمثل تنوعات كثيرة في أماكن مختلفة وأوقات مختلفة. هذه المسألة تستحق انتباها أكثر، لأنه قليل جدا ما يعرف عنها. حتى ضمن صفوف الجمهوريين إما تم تخطيها أو وضعت تحت التقييم. الحرب الأهلية غمرتها وحتى اليوم تغطيها في ذاكرة الإنسان. مثلا، لا يوجد مرجع لها في فيلم “للموت في مدريد”، وما زالت من المرجح التراث الأكثر إبداعا في الأناركية الاسبانية.

ثورة 19 تموز 1936، كانت عملا دفاعيا براقا من الناس ضد البيان رقم واحد لفرانكو. ملاك الأرض والصناعة مباشرة تركوا أملاكهم ولجؤوا خارج البلاد. العمال والفلاجون سيطروا على الملكية المتروكة، عمال الزراعة قرروا متابعة زراعة التربة بنفسهم. اجتمعوا في “جماعيات” بشكل عفوي. في كتالونيا المؤتمر الاقليمي للفلاحين دعي للانعقاد من قبل الكونفدرالية الوطنية للعمل في 5 أيلول ووافق على جمعنة الأرض تحت الادارة والسيطرة النقابية. ممتلكات كبيرة وكلكية الفاشيين تم جمعنتها، بينما ملاك الأرض الصغار كان لهم الخيار بين الملكية الجماعية والملكية الفردية. استنساب قانوني صدر لاحقا: في 7 تشرين الأول، الحكومة المركزية الجمهورية صادرت بدون تعويضات ملكية “الأشخاص المؤيدين للانقلاب الفاشي”. هذا التدبير لم يكن كاملا من ناحية قانونية، بما أنه فقط نسب جزء صغير جدا من الاستيلاءات التي كانت الناس قد فعلتها بعفوية؛ الفلاحين قاموا بالمصادرة بدون تمييز بين هؤلاء الذين لهم دور في الانقلاب العسكري وهؤلاء الذين ليس لهم.

في الأرياف المتخلفة حيث المزارد التقنية ضرورية للزراعة على مدى واسع غائبة، الفلاح الفقير منجذب أكثر للملكية الخاصة، التي لم يتمتع بها بعد، ثم بالزراعية الجماعية. في اسبانيا، التعليم التحرري والتقليد الجماعي عوض عن التخلف التقني، قاوم النزعات الفردية للفلاحين، وحولهم مبارة نحو الاشتراكية. الخيار الثاني للفلاحين الفقراء، في المناطق التي هم أفضل حالا فيها، ككتالونيا، ارتبط بالفردانية. أغلبية ساحقة (90 %) من عمال الأرض اختاروا الانضمام للجماعيات منذ البداية. الخيار خلق تحالفا وثيقا بين الفلاحين وعمال المدينة، الأخيرين كانوا داعمين لجمعنة وسائل الانتاج متأثرين بشدة بطبيعة عملهم. يبدو أن الوعي الاجتماعي كان أعلى في الريف من المدن.

الجماعيات الزراعية نصبت ذاتها في ادارة ثنائية، زراعية وجغرافية. الأدوار كانت متمايزة، لكن في أغلب الحالات كانت النقابات تفرضها أو تسيطر عليها. الجمعية العامة للعمال الفلاحين في كل قرية تنتخب لجة ادارية تكون مسؤولة عن الادارة الاقتصادية. بصرف النظر عن أمين السر، كل الأعضاء تابعوا عملهم الاعتيادي. العمل كان الزاميا لكل الأشخاص الأصحاء بين ثمانية عشر وستين. الفلاحين انقسموا في مجموعات من عشر أو أكثر، كل يقودها مندوب، وكل عينت مساحة للزرع، أو عملية للانجاز، المناسب لعمل أعضائها وطبيعة العمل المخصص، الكومونة دوريا تدعو المندوبين من كل المجموعات في كل ليلة. فيما يتعلق بالادارة المحلية، الكومونة تدعو كل القاطنين لجمعية عامة لتلقي التقارير عن النشاطات المعمودة. كل شيء وضع في ملك عام باستنثناء التلبيس، المفروشات، المدخرات الشخصية، الحيوانات الأليفة الصغيرة، الحدائق، والطيور الداجنة المحفوظة للاستعمال الشخصي. الحرفيين، الحلاقين، صناعي الأحذية، الخ جمعوا في جماعيات؛ العنم المملوك للمجتمع قسم إلى قطعان من مئات، ووضع في مسؤولية الرعاة، ووزعوا بمنهجية في مراعي الجبال.

فيما يتعلق بتوزيع المنتجات، تم تجريب أنظمة مختلفة، بعضها قام على الجماعية والأخرى كانت تقريبا شيوعية، وبعضها أنتج شكلا من خلال ربط الاثنين. عموما، الدفع قام على حاجات العائلة. كل مسؤول عن العائلة كان يتلقى أجرا يوميا من عدد من البيزتات المعينة التي يمكنه تبادلها فقط مقابل بضائع من المتاجر الكوميونية (التشاركية)، التي وضعت غالبا في الكنيسة أو مبانيها. أي باق لا يستهلك كان يوضع في حساب ائتمان للبيزتات لصالح الفرد. إنه من الممكن وضع كمية محددة من مصروف الجيب من هذا الباقي. الايجار، الكهرباء، العناية الصحية، المستحضرات الصيدلية، مساعدة المسنين الخ، كانت كلها مجانية. التعليم كان أيضا مجانيا وكان يعطى في مدارس وضعت في دير الرهبان السابقة، كان الزاكيا لكل الأطفال تحت أربعة عشر عاما، الذين كان ممنوع أن يقوموا بأي عمل يدوي.

العضوية في الجماعية استمرت في أن تكون تطوعية، كما تطلب الاهتمام الرئيسي للأناركي للحرية. لم يمارس أي ضغط على المزارعين الصغار. اختيارهم أن يكونوا خارج المجتمع، جعلهم لا يتلقون خدماته ومنافعه بما أنهم طالبوا أن يكونوا مكتفين بذاتهم. مع ذلك، أمكنهم الاختيار كما يريدون في العمل الكوميوني وأمكنهم أن يأتو بانتاجهم للمتاجر الكوميونية. كان معترف بهم من الجمعيات العامة وتمتعوا ببعض المنافع الجماعية. هم منعوا فقط من الاستيلاء على أرض غير تلك التي يزرعونها، وخضوا لقيد واحد فقط: أن وجودهم أو ملكيتهم يجب أن لا تفسد النظام الاشتراكي. في بغض الأماكن المساحات المجمعنة لأعيد تكوينها في وحدات أكبر عبر التبادل التطوعي للأراضي مع الفلاحين الأفراد. في أغلب القرى، الفردانيين، سواء فلاحين أو تجار، انخفض عددهم مع مرور الوقت. شعروا بالانعزال وفضلوا الانضمام للجماعيات.

يظهر أن الوحدات التي طبقت المبدأ الجماعي للأجور اليومية كانت أكثر صلابة مقارنة مع البعض الذين حاولوا تأسيس الشيوعية الكاملة بسرعة أكبر، بدون الأخذ بالحسبان للأنانية العميقة المتجذرة في الطبيعة البشرية، خصوصا بين النساء. في بعض القرى حيث منعت العملات وساعد السكان أنفسهم من المساهمة المشتركة، الانتاج والاستهلاك ضمن حدود ضيقة من الجماعيات، السلبيات لهذا الشلل المكتفي ذاتيا جعلهم يلبدون، ويعودون وعادت الفردانية إلى الواجهة، مسببة انقسام المجتمع بين العديد من المزراعين الصغار السابقين الين انضموا ولكنهم لم طريقة تفكير شيوعية حقا. الكومونات كانت متحدة في اتحادات مقاطعية، وفوقها كان هناك اتحادات اقليمية. نزريا كل الأراضي العائدة لاتحاد المقاطعة عوملت موحدة واحدة بدون حدود متوسطة. التضامن بين القرى دفع إلى أقصى حدود، والدعم المتساوي جعل من الممكن تقديم المساعدة للجماعيات الأفقر. الأدوات، المواد الأولية، وفائض العمل كلها كانت متوفرة للمجتمعات المحتاجة.

توسع الجمعنة القروية كان مختلفا بين المقاطعات المختلفة. كما قلنا سابقا، كتالونيا كانت مساحة للمزارع الصغيرة والمتوسطة، والفلاحين امتلكوا تقليدا فردانيا قويا، لذا لم يكن هناك أمثر من بضعة جماعيات. في آراغون، من ناحية أخرى، أكثر من ثلاثة أرباع الأرض قد جمعنت. المبادرة الخلاقة للعمال الزراعيين في هذا الاقليم اثيرت من قبل الوحدة العسكرية التحررية، فوج دوروتي، في كرورها نحو الجبهة الشمالية لمقاتلة قوات فرانكو، وبالتالي تأسيس السلطة الثورية خلق في القاعدة، الأمر الذي كان فريدا من نوعه في اسبانيا الجمهورية. حوالي 450 جماعية قد نشأت، مع حوالي نصف مليون عضو. في اقليم ليفانتي (5 مقاطعات، والعاصمة فالنسيا)، الأغنى في اسبانيا، حوالي 900 جماعية قد نشأت، مغطية حوالي 45 % من المساحة الجغرافية، 50 % من انتاج الحمضيات، و70 % من تجارة الحمضيات. في كاستيا، نشأت حوالي 300 جماعية، مع حوالي 100 ألف عضو. الجمعنة أخذت مكانها في استريمدورا وجزء من أندوليسيا، بينما بضعة محاولات مبكرة كبحت بسرعة في أستورياس.

يجب تذكر أن الاشتراكة القاعدية لم تكن من عمل الأناركيين النقابيين وحدهم، كما يظن العديد من الناس. وفقا لغاستون ليفال، داعمي الادارة الذاتية كانوا “تحرريين دون أن يعرفوا هذا”. في استريمدورا و أندوليسيا، الديمقراطي الاجتماعي، الكاثوليكي، وفي أستورياس حتى الشيوعي، الفلاحين أخذوا المبادرة في الجمعنة. في المناطق الجنوبية لم يكن هناك سيطرة للأناركيين، حيث البليات سيطرت على أملاك ضخمة تحت شعار سلطوي، العمال المياومون لسوء الحظ لم يشعروا بهذا التحوا الثوري: أجورهم وظروفهم لم تتغير؛ لم يكن هناك ادارة ذاتية.

الادارة الذاتية الزراعية كانت نجاحا لا جدل فيه إلا حيث خربت من أعدائها أو أوقفتها الحرب. لم يكن صعبا تحطيم رقم قياسي في الملكية الخاصة الواسعة، لأنه كان بائسا. حوالي 10 آلاف مالك للأرض كانوا يمتلكون حوالي نصف شبه الجزيرة الاسبانية. لقد كان ملائما لهم أن يتركوا جزءا كبيرا من أرضهم تبور من السماح بتطوير طبقة المزارعين المستقلين، أو اعطاء عمالهم أجورا كريمة؛ القيام بأي من هاذين سوف يوهن سلطتهم الاقطاعية القروسطية.  هكذا كان وجودهم قد أعقم التطور الكامل للثروة الطبيعية للأرض الاسبانية.

بعد الثورة الأرض كانت قد جمعت في وحدات منطقية، زرعت على مقياس واسع ووفقا لخطة عامة وتوجيهات المهندسين الزراعيين. دراسة التقنيين الزراعيين جلبت انتاج بين 30 و50 بالمئة زيادة عن ما سبق. المساحات المزروعة ازدادت، الطاقة الجيوانية، البشرية، والميكانيكية استخدمت بطريقة عقلانية، وطرق العمل أصبحت مثالية. المحاصيل تنوعت، توسع الري، وبدأ إعادة التشجير، وبدأ غرس الأشجار. زرائب الخنازير قد بنيت، بنيت المدارس التقنية الريفية، وركبت المزارع، استيلاد الماشية الانتقائي تطور، والصناعات الزراعية الاضافية وضعت قيد التطبيق. الزراعة المجمعنة أظهرت ذاتها متفوقة من جهة على الملكية الغائبة الواسعة، التي تركت جزءا من الأرض مغروسا؛ ومن ناحية أخرى على المزارع الصغيرة المزروعة بطرق بدائية مع بذور سيئة وبدون أسمدة.

المحاولة الأولى في التخطيط الزراعي التي حصلت، ارتكزت على الاحصاءات الانتاجية والاستهلاكية المنتجة من الجماعيات، والمجمعة عبر لجان المقاطعة المختصة وثم عبر لجان اقليمية تتحكم بكمية ونوعية الانتاج في مناطقها. التجارة خارج الاقليم كان تحصل عبر لجنة اقليمية تجمع البضائع حتى تبيعها وتستبدلها بالبضائع التي يحتاجها الاقليم ككل. الأناركية النقابية الريفية أظهرت قدرتها التنظيمية وقدرتها على التنسق لأقصى حدود في ليفانتي. تصدير الحمضيات تطلب تقنيات اعلانية

ذات منهجية حديثة؛ كانوا بارعين في تشغيلها رغم أنف بعض الجدالات المنتجين الأغنياء.

التطور الثقافي كان يتم شيئا فشيئا مع الازدهار الاقتصادي؛ بدأت حملة للقضاء على الأمية بين الراشدين؛ الاتحادات المقاطعية وضعت برنامجا للمحاضرات، الأفلام، والاجراءات المسرحية في كل القرى. هذه النجاحات لم تكن فقط بسبب قوة المنظمات النقابية، بل بدرجة كبيرة، أيضا لذكاء ومبادرة الناس. رغم أن معظمهم كان أميا، الفلاحين أظهروا وعيا اشتراكيا، حسا عمليا جيدا، وروح التضامن والتضحية التي نالت اعجاب المراقبين الخارجين. فينير بروكواي، من حزب العمال البريطاني المستقل، الآن لورد بروكواي، زار جماعية سيغوربي وكتب: “روح الفلاحين، حمساتهم، وطريقة مساهمتهم في المجهود المشترك، والفخر الذي يعملون به، كله مثير للاعجاب”.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  گۆڕین )

Connecting to %s