الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 38

عن طريق الخاتمة

إن هزيمة الثورة الاسبانية حرمت الأناركية من موطئ قدمها الوحيد في العالم. خرجت من هذه التجربة مسحوقة ومشتتة وإلى حد ما، مطعونة. التاريخ أدانها بشدة، وفي اعتبارات كثيرة، بجور. لم يكن في الحقيقة أو على أي مستوى وحدها المسؤولة عن انتصار قوات فرانكو. ما بقي من تجربة الجماعيات الصناعية والزراعية، قامت في ظروف سلبية، كان بشكل عام من نصبيهم. هذه التجربة تم تقليلها، تشويهها، ومنكرة. الاشتراكية السلطوية أخيرا تخلصت من المنافسة التحررية الغير مرغوبة، ولسنوات بقيت السيد الوحيد للاشتراكية. لوقت ما بدا أن اشتراكية الدولة مبررة بالنصر العسكري للاتحاد السوفييتي على النازية في 1945 وبدون انكار، فرضت نجاحات في المجال التقني.

مع ذلك، اسرافات هذا النظام عاجلا ما بدأت في خلق انكارها. أحدثوا فكرة أن مركزية الدولة المشلولة يجب أن تنتهي، أن الوحدات الانتاجية يجب أن تكون أكثر استقلالية، أن العمال سوف يعملون أكثر وبشكل أفضل إذا كان لهم البعض المشاركة في ادارة المشاريع. أي علاج يستدعي “الأجسام المضادة” خلق في واحدة البلدان خضعت لعبودية ستالين. يوغوسلافيا التيتوية حررت نفسها من العبوجية الثقيلة جدا التي كانت تضعها كنوع من المستعمرات. إنها عمدت إلى إعادة تقييم الدوغمائية التي من الممكن الآن بوضوح أن تكون لا اقتصاديا. عادت إلى مدرسة تحت أسياد الماضي، مكتشفة وقارئة لبرودون بتعقل. لقد فازت بالاستباق. اكتشفت مساحات تحررية صغيرة في التفكير في أعمال ماركس وبرودون. بين أشياء أخرى استخرجت مفهوم ذبول الدولة، التي لم تكن كذلك، صحيح أنها تخلصت من المفردات السياسية لكنها بدون شك لم تعد أكثر من وصة شعائرية فارغة من الحقيقة إلى حد ما. بالعودة إلى الفترة القصيرة التي عرفت فيها البشفية عن نفسها أنها الديمقراطية العمالية من الأسفل، عبر السوفييتات، يوغوسلافيا اكتشفت كلمة نطقت من قادة ثورة تشرين الأول وسرعان ما نسوها: الادارة الذاتية. الانتباه كان شددا أيضا إلى مجالس المصنع البدائية التي ازدهرت في نفس الفترة، عبر عدوى ثورية، في المانيا وايطاليا، ولاحقا، في هنغاريا. كما تقرر في المناقشات الفرنسية من قبل الايطالي، روبيرتو غيدوسي، القضية ازدهرت سواء “فكرة المجالس، التي قمعت من الستالينية لأسباب واضحة”، لا يمكن “أن تؤخذ مجددا بنفس المصطلحات”.

عندما تحررت الجزائر وأصبحت مستقلة قادتها الجدد سعوا إلى مأسسة الأشغال العفوية للملكية الأوروبية المتروكة عبر الفلاحين والعمال. وضعوا الهامهم من الحدث اليوغوسلافي وأخذوا تشريعها في هذه المسألة كنموذج.

إذا تقص جوانحها، الادارة الذاتية بلا شك هي مؤسسة مع نزعات ديمقراطية وحتى تحررية. تبع نموذج الجماعيات الاسبانية 1936 – 1937، تهدف الادارة الذاتية لوضع الاقصاد تحت ادارة المنتجين أنفسهم. إلى هذا الحد تمثل العمال في كل مشروع في ثلاث طبقات: الجمعية العامة السيادية، مجلس العمال الهيكلية التداولية الصغيرة، وأخيرا لجنة الادارة، التي مثلت الهيلية التمثيلية. هذا التشريع وفر حماية معينة ضد تهديد البيروقراطية: الممثلين لا يمكنهم الترشح مجددا، ويجب أن ينخرطوا في عملية الانتاج الخ. في يوغوسلافيا العمال يمكنهم الأمر عبر الاستفتاء كبديل للجمعية العامة، بينما الجمعيات العامة للمشاريع الكبير تأخذ مكانها في أقسام العمل.

في كل من يوغسلافيا والجزائر على الأقل نظريا، أو كوعد للمستقبل، أوليت أهمية كبيرة للكومونة، وقيل الكثير لحقيقة أن العمال المدارين ذاتيا سوف يمثلون فيها. نظريا، مجددا، ادارة الشئون العامة نزعت لأن تكون لامركزية، وأكثر فأكثر توجهت نحو المحلية.

هذه المقاصد الجيدة كانت بعيدة عن أن تتحقق بالممارسة. في هذه البلدان الادارة الذاتية أتت في كونها اطار عمل دولة دكتاتورية، عسكرية، بوليسية الذي تشكا هيكلها عبر الحزب الواحد. في الواجهة مان هناك سلطة سلطوية وأبوية خارج نطاق السيطرة وفوق النقد. المبادئ السلطوية للادارة السياسية والمبادئ التحررية للادارة الاقتصادية كان متعارضان بشدة.

لاوة على ذلك، درجة مؤكدة من البيروقراطية اتجهت لإظهار ذاتها حتى ضمن المشاريع، بدلا من الحذر من المشرعين. أغلبية العمال لم يكونوا واعين كفاية للمشاركة الفاعلة في الادارة الذاتية. كانوا يفتقرون المعرفة التقنية والثقافية، لم يتخلصوا من العقلية القديمة لمتلقي الأجور، ومستعدين بشدة لوضع سلطاتهم بيد مندوبيهم. هذا مكن أقلية صغيرة من التحول إلى مديرين حقيقيين للمشروع، وتخويل أنفسهم كافة الامتيازات والتصرف كما يشاؤون. لقد أبدوا أيضا أنفسهم في مواقع مختلفة، تحكم بدون سيطرة من الأسفل، فاقدين الاتصال مع الواقع وفاصلين أنفسهم من عمال القاعدة، الذين غالبا ما تعاملوا مع الغرور والمهانة. كل هذا الارباكات للعمال جعلتهم ينقلبون على الادارة الذاتية. أخيرا، سيطرة الدولة غالبا مورست بحماقة وظلم شديدين حتى أن “المدراء الذاتيين” لا يديرون أبدا. الدولة عينت اداريين للادارة الذاتية بدون أي اهتمام في إذا ما وافق الأخير أو لا، بالرغم، وفقا للقانون، يجب أن يتشاوروا. هؤلاء البيروقراطيين غالبا ما تتدخلوا بافراط في الادارة، وأحيانا تصرفوا بنفس الطريقة الاستبدادية كأرباب العمل السابقين. في مشاريع يوغوسلافيا الكبيرة جدا المدراء كانوا يسمون من الدولة، هذه التعيينات كانت تحصل عبر حارسها القديم المارشال تيتو.

علاوة على ذلك، الادارة الذاتية اليوغسلافية هي تابعة للغاية للدولة ماليا. إنها تعيش على اعتمادات تقدم لها من الدولة وحرة في التصرف فقط من جزء صغير من أرباحها، البقية تدفع للمالية على شكل ضريبة. مصدر الدخل يتحدر من قسم الادارة الذاتية يستخدم من قبل الدولة فقط بتطوير الأقسام المتخلفة من الاقتصاد، ما جعلها غير عادلة، لكن أيضا الدفع لأدوات الحكومة البيروقراطية جدا، الجيش، قوات الشرطة، وبدل الهيبة، كان أمرا مبالغا فيه جدا. عندما كان أعضاء المشاريع المدارة ذاتيا يتلقون أجورا غير وافية، فلول الحماسة هذا للادارة الذاتية وهذا في تعارض مع مبادئها.

حرية العمل لكل مشروع هي مقيدة جدا إلى حد ما، بما أنها تخضع للخطط الاقتصادية للسلطة المركزية، التي توضع تعسفيا دون الأخذ برأي القاعدة. في الجزائر المشاريع المدارة ذاتيا كان أيضا تخضع لتسليم الدولة المعالجة الاعلانية لجانب كبير من منتجاتها. إضافة إلى هذا، وضعوا تحت مراقبة “هيكليات لدعم اللامبالاة التقنية للوصاية”، التي اقترحت وقدمت المساعدة، لمن، في الممارسة، نزعت نحو استبدال هيكليات الادارة الذاتية والاستيلاء على دورها.

بشكل عام، بيروقراطية الدولة الشمولية تزعم الادارة الذاتية المستقلة. كما رأي برودون، إنه من الصعب احتمال أي سلطة خارجية عن الذات. إنها كره الجمعنة والتعكش للتأميم، أي أن يقال، أن الادارة المباشرة من إداريي الدولة. هدفها أن تنتهك الادارة الذاتية، تخفيض سلطاتها، وفي الحقيقة تنهيها.

الحزب الواحد ليس إلا مشتبه بالادارة الذاتية، وأيضا يجد من الصعب احتمال المنافسة. إذا اعتنق الادارة الذاتية، إنه يفعل هذا لخنقها بشكل أقوى. الحزب يملك خلايا في أغلب المشاريع ويسعى بشدة لأخذ دور في الادارة، وزيادة الهيئات المنتخبة من العمال أو تخفيضها لدور الأداة الخاضعة، عبر انتخابات محرفة ووضع لوائح المرشحين مسبقا. الحزب يحاول حث مجالس العمال على تأييد قرارات اتخذت مسبقا، والتلاعب وصياغة المؤتمرات الوطنية للعمال.

بعض المشاريع تحت الادارة الذاتية تفاعلت مع النزعات السلطوية والمركزية فأصبحت انعزالية، تتصرف كأنها جمعية من الملاك الصغار، وتحاول العمل لمنفعة العمال المنخرطين. إنهم ينزعون لتخفيض قواهم العاملة حتى يوزعوا الكعكة على قطع أكبر. إنهم يهدفون كذلك للانتاج قليلا من كل شيء بدلا من التخصص. إنهم يخصصون الوقت والطاقة لتجنب المخططات أو التعديلات المصممة لخدمة مصالح المجتمع ككل. في يوغوسلافيا المنافسة الحرة بين المشاريع كمانت مسموحة، طالما متنبهان وحاميان للمستهلك، لكن في الممارسة النوعات للاستقلالية قادت إلى تباين فظيع ولامنطقية اقتصادية.

الادارة الذاتية نفسها دمجت حركة كرقاص الساعة التي تجعلها تتأرجح دائما بين حدين: استقلالية باهظة أو مركزية متطرفة؛ السلطة أو الأناركية، السيطرة من الأسفل أو السيطرة من الأعلى. عبر السنين، يوغوسلافيا، تحديدا، أصلحت المركزية عبر الاستقلالية، ثم الاستقلالية عبر المركزية، تعيد صياغة مؤسساتها بثبات بدون أن تحرز “سعادة متوسطة”.

معظم ضعف الادارة الذاتية يمكن أن يتم تجاوزه أو تصحيحه إذا كان هنام حركة نقابية أصلية، مستقلة عن السلطة والحزب الواحد، منبثقة عن العمال أنفسهم وفي نفس الوقت منظمة اياهم، مشجعة بالخاصية الروحية للنقابية الأناركية. في يوغوسلافيا وفي الجزائر النقابية كانت إما تابعة أو زائدة، أو خاعة للدولة، والحزب الواحد. لذا إنه لا يمكن أن تلبي مهمة المصالح بين المركزية والاسىقلالة التي يجب أن تتولاها، ويمكن أن تنتج هيكليات أفضل بكثير من تلم السياسية الاستبدادية. في الحقيقة، النقابية الصادرة بشكل أصلي عن العمال، الذين يرون فيها رؤيتهم، سوف تكون الهيكلية الأكثر فعالية في تناغم القوى المتباعدة عن المركز والمتقاربة منه، من أجل “خلق توازن” كما قال برودون بين متناقضات الادارة الذاتية.

لذا الصورة لا يجب أن نراها سوداء بالكامل. الادارة الذاتية طبعا لديها خصوم أقوياء وعنيدين، الذين لن يستسلموا من جعلها تفشل. لكنها في الواقع تظهر نفسها بشكل متغير في بلدان حيث تستمر التجارب. لقد فتحت نظرات جديدة للعمال وأعادت لهم بعض البهجة في أعمالهم. لقد فتحت عقولهم إلى بداية الاشتراكية الحقيقية، التي تنطوي على التقدم الخفي للأجور، عدم اغتراب المنتج الذي سوف يصبح كائنا حرا مقررا لمصيره. الادارة الذاتية بهذه الطريقة زادت الانتاجية ووثقت نتائج ايجابية كثيرة، حتى خلال محاكمات وأخطاء المرحلة الأولية.

بعيدا عن هذا أو بالأحرى بعيدا جدا، دوائر صغيرة من الأناركيين تابعوا تطور الادارة الذاتية الجزائرية واليوغوسلافية مع خليط من التعاطف والجحود. لقد شعروا أنها أتت ببعض الشظايا من أهدافهم نحو الواقع، لكن التحربة لم تتطور نحو الخطوط المثالية المأمولة من الشيوعية التحررية. على العكس لقد جربت في هيكل سلطوي كريه للأناركية. لا يوجد شك أن هذا الهيكل جعل الادارة الذاتية هشة: هناك خطر دائم أنها سوف تفترس بسرطان السلطوية. ومع ذلك، نظرة قريبة وغير متحاملة على الادارة الذاتية تبدو أنها سوف تزهر اشارات مشجعة.

في يوغوسلافيا الادارة الذاتية هي عامل فضل دمقرطة النظام. لقد خلقت أسس أكثر صحة لتطويع دوائر الطبقة العاملة. الحزب بدأ في العمل كملهم ليس كموجه، كوادره أصبحوا ناطقين أفضل باسم الجماهير، إكثر احساسا بمشاكلهم وطموحاتهم. كما علق آلبرت ميستر، عالم اجتماع سويسري شاب وضع نفسه في مهعمة دراسة هذه الظاهرة عن قرب، الادارة الذاتية تحتوي “فيروس ديمقراطي” الذي يجتاح على مدى طويل الحزب الواحد نفسه. وهو يقدرها ك”أساس”. إنها تلحم طبقات الحزب الدنيا مع الجماهير العاملة. هذا التطور هو واضح جدا أنه جلب منظرين يوغوسلاف لاستخدام لغة لا تعيبها التحررية. مثلا، أحدهم هو ستاين كافيسيك، يقول: “في المستقبل القوى المناضلة للاشتراكية في يوغوسلافيا لا يمكن أن تكون حزبا سياسيا ودولة يعملون من الأعلى للأسفل، بل الشعب، المواطنين، مع حقوق دستورية سوف تمكنهم من العمل من القاعدة للأعلى”. يتابع بإقدام أن الادارى الذاتية تفقد على نحو متزايد “الانضباط القاسي والخضوع التي هي خصائص كل الأحزاب السياسية”.

التوجه ليس واضحا في الجزائر، لتجربة هي من أمثر الجذور حداثة وما زالت في خطرلا أن تتحول إلى مسألة. المفتاح قد يوجد في الحقيقة في نهاية 1964، حسين زهواني، عضو المكتب السياسي لجبهة التحرير الوطني، عموما ادان نزعة وضع “هيئات توجيه” فوق أعضاء مجموعات الادارة الذاتية وتبني لبتوجه السلطوي نحوها. تابع: “عندما يحصل هذا، لن توجد الاشتراكية بعدها. سوف يبقى فقط تغيير في شكل استغلال العمال”. هذا المسؤول استنتج عبر التساؤل أن المنتجين “يجب يكون أسيادا حقيقيين لمنتجاتهم” وليس “متلاعبين للنهايات الخارجة عن الاشتراكية”. يجب أن نعترف أن حسين أزيل من منصبه عبر الانقلاب العسكري وتصدر روح المعارضة الاشتراكية السرية. كان لفترة من الزمن تحت الاقامة الجبرية في منطقة حارة من الصحارى.

باختصار، الادارة الذاتية تواجه كل أنواع المصاعب والتناقضات، وحتى الان، تظهر في الممارسة أنها تملك أهلية لتمكين الجماهير من العبور عبر التلمذة على ممارسة الديمقراطية المباشرة من الأسفل للأعلى؛ أهلية تطوير، تشجيع، وتحفيز مبادراتهم الحرة؛ تصبغهم بحس من المسؤولية بدلا من تخليد عادات قديمة من الاستسلام، الخضوع، وعقدة النقص تترك لهم عبر الاضطهاد التاريخي، كما في حالة شيوعية الدولة. هذه التلمذة أحيانا تكون مرهقة، والتقدمات تكون بطيئة، تشحن المجتمع بارهاقات اضافية وربما من الممكن أن تنتهي ببعض الثمن من “الفوضى”. العديد من المراقبين يرون أن هذه المصاعب، التأخيرات، الحمل الثقيل، والأوجاع المتزايدة هي أقل ضررا من النظام الخاطئ، اللمعان المزيف، والفعالية الكاذبة لشيوعية الدولة التي تحول الإنسان إلى لا شيء، قاتلة مبادرة الناس، مشلة لبرودون، وعلى الرغم التطورات المادي التي تحرزها بأقصى ثمن، تشوه الفكرة الأصيلة للاشتراكية.

الاتحاد السوفييتي نفسه عاد تقييم قواعده للادارى الاقتصادية وسوف يستمر بهذا إلا إذا الغيت النزعة الحالية للتحرير بالعودة للسلطوية. قبل أن يموت، في 15 تشرين الأول 1964، خروشتيف بدا أنه قد استوعب، ولكن بتردد وتأخر، الحاجة للامركزية الصناعية. في كانون الأول 1964 برافادا نشر مقالا طويلا بعنوان “دولة كل الناس” حيث ابتغى تعريف التغييرات الهيكلية التي تميز نوع الدولة “التي يجب أن تكون كل الناس” بدلا من “دكتاتورية البروليتاريا”؛ اسميا، التقدم نحو الديمقراطية، مشاركة الجماهير في توجيه المجتمع عبر الادارة الذاتية، وتقوية السوفييتات، النقابات، الخ.

الصحيفة اليومية الفرنسية “لا موند” في 16 شباط 1965، نشرت مقالا لميشال تاتو، بعنوان “المشكلة الكبرى: تحرير الاقتصاد”، كاشفا أكثر الشرور أهمية “التأثير على الآلة البيروقراطية السوفييتية ككل خصوصا الاقتصاد”. المستوى التقني المرتفع الذي وصل له هذا الاقتصاد جعل دور البيروقراطية على الادارة مرفوض أكثر. كما هي الأشياء في الحاضر، مديري المشاريع لا يمكنهم اتخاذ القرارات في أي موضوع دون الرجوع على الأقل لمنصب معين، أو في أغلب الأحيان إلى نصف دزينة. “لا أحد يجادل في التقدم الاقتصادي، العلمي والتقني الملحوظ الذي حصل في ثلاثين عاما من التخطيط الستاليني. النتيجة تحديدا هي أن هذا الاقتصاد هو في مرتبة الاقتصاد المتطور، وأن الهيكليات القديمة التي مكنته من الوصول لهذه المرتبة هي الآن قلقة كليا وبشكل متزايد، على نحو غير لائق”. “أكثر من هذا سوف يكون هناك حاجة إلى أكثر من اصلاحات تفصيلية؛ تغيير مذهل في الفكر والقاعدة، نوع من ستالينية جديدة سوف يكون مطلوب منها أن تأتي بنهاية الكسل الضخم الذي تغلغل الجهاز على كل مستوى”.  كما أوضح ارنست ماندال في مقالته في الصحيفة الفرنسية “لا تومب موديرن”، اللامركزية لا يمكن أن تتوقف باعطاء الاستقلالية لمديري المشاريع، إنها يجب أن تقود إلى ادارة ذاتية عمالية حقيقية.

سابقا، جورج غورفيتش، عالم اجتماعي يساري، وصل إلى نفس الخلاصة. اعتبر أن النزعات للامركزية والادارة الذاتية العمالية بدأت فقط الآن في الاتحاد السوفييتي، وأن نجاحهم سوف يظهر “أن برودون كان محقا جدا أكثر مما يمكن للواحد من أن يعتقد”.

في كوبا الاشتراكي الدولتي تشي غيفارا كان يجب عليه الاستقالة من وزارة الصناعة، حيث فشل في ادارتها بسبب المركزية الشديدة. في كوبا الاشتراكية والتطور، رينيه دومونت، الاختصاصي الفرنسي في اقتصاد كاسترو، استنكر “مركزيتها الشديدة” وبيروقراطيتها. لقد أبرز على وجه الخصوص الأخطاء “السلطوية” للادارات التنفيذية التي حاولت ادارة المصانع بذاتها وانتهت في المقابل بنتائج نقيضة: “بالمحاولة لتحقيق تنظيم اقتصادي مركزي شديد الذي ينتهي بالممارسة … بترك أي شيء يحصل، لأن لا أحد يمكنه أن يحمل السيطرة على ما هو أساسي”. يقوم بنفس النقد لاحتكار الدولة التوزيع: الشلل الذي تنتجه يمكن تجاوزه “إذا كل وحدة انتاجية قامت بدورها في دعم ذاتها مباشرة”. “بدأت كوبا كل شيء مجددا الدورة العديمة الفائدة من من الأخطاء الاقتصادية للبلدان الاشتراكية”، الزميل البولندي في موقع جيدا جدا مع معرفته المعهودة لرينيه دومونت. يستخلص الكاتب عبر التبرؤ من النظام الكوبي التحول إلى الوحدات الانتاجية المستقلة، وفي الزراعة، لاتحاد من التعاونيات الانتاجية للمزارع الصغيرة. هو ليس خائفا من إعطاء اسم العلاج، الادارة الذاتية، التي يمكنها بمثالية أن تصلح المخطط. للأسف، صوت رينيه دومونت لم يسمع بعد في هافانا.

الفكر التحرري خرج من الظلال أخيرا التي وضعه فيها من يحط من قدره. في جزء كبير من العالم إنسان اليوم كان من تجربة الخنزير الغيني لشيوعية الدولة، وبدأ اليوم فقط في الخروج، الترنح، من التجربة.  فجأة إنه يعود، مع فضول نشط ومع فائدة، للمسودات التحضيرية لمجتمع الادارة الذاتية الجديد التي وضعته طلائع الأناركية في القرن الماضي. إنه لا يأخذها كلها طبعا ولكن يتعلم منها الدروس، والالهام في محاولة لاكمال المهمة المقدمة في النصف الثاني من القرن: كسر القيود، السياسية والاقتصادية، لما كان يسمى ببساطة الستالينية، وبدون اعلان المبادئ الأساسية للاشتراكية: على العكس، اكتشاف أو إعادة اكتشاف أشكال جديدة للاشتراكية الأصلية الصحيحة، لنقل، الاشتراكية المرتبطة بالحرية.

برودون في منتصف ثورة 1848، فكر بحكمة أنه سوف يطلب الكثير من الحرفيين إذا طلب منهم التوجه مباشرة نحو الأناركية. بتعثر برنامج الحد الأقصى، خطط لبرنامج الحد الأدنى التحرري: التخفيض التقدمي لسلطة الدولة، التطور المتوازي لسلطة الشعب من الأسفل، عبر ما أسماه النوادي، والذي كان إنسان القرن العشرين ليسميه مجالس. إنه يبدو تقريبا مقصدا واعيا للعديد من الاشتراكيين المعاصرين أن يصوا لمثل هذا البرنامج.

كذلك امكانية الاحياء مفتوحة للأناركيى، إنها لن تنجح في رد الاعتبار الكامل لذاتها إلا إذا استطاعت المواجهة، النظرية والعملية، للتأويلات الخاطئة التي تخضع لها منذ وقت طويل. كما رأينا، في 1924 جوكام مورين كان غير صابر للقضاء عليها في اسبانيا، ورأى أنها لن تستطيع أن تبرز نفسها إلا في بعض “البلدان المتخلفة” حيث الجماهير سوف “تتشبث” بها لأنها لا تملك أي “ثقافة اشتراكية”، ولأنها “تركت لغرائزها الطبيعية”. استنتج: “أي أناركي ينجح في إثبات نفسه، في العلم، والرؤية الواضحة، سوف يتوقف عن كونه أناركي”.

المؤرخ الفرنسي للأناركية، جين مايترون، ببسطة يخلط “الأناركية” وخلل التنظيم. منذ بضعو سنوات تخيل أن الأناركية ماتت في القرن التاسع عشر، في فترتنا هي واحدة من “الخطط، التنظيم، والانضباط”. مؤخرا الكاتب البريطاني جورج وودكوك رأى ملاءمة في اتهام الأناركيين في كونهم مثاليين يسبحون بعكس التيار السائد في التاريخ، متغذين من فكرة شاعرية عن المستقبل بينما يتعلقون بأكثر الخواص جاذبية للماضي الميت. اختصاصي انكليزي في الموضع، جايمس جول، أكد أن الأناركيين هم مهجورين، بسبب أفكارهم المتعارضة مع التطور الكبير للصناعة، للانتاج والاستهلاك الكمي، والاعتماد على رؤية رومانسية انتكاسية لمجتمع مثالي من العمال والفلاحين، وعلى الرفض الكلي لحقائق القرن العشرين والتنظيم الاقتصادي.

في الصفحات السابقة حوالت أن أظهر أنها هذه ليس الصورة الحقيقية للأناركية. أفضل أعمال باكونين تشرح طبيعة الأناركية البناءة، القائمة على التنظيم، والانضباط لذاتي، على التكامل، والمركزية اللاقسرية والاتحادية. إنها تقوم على الصناعة الواسغة المقياس، تقنيات حديثة، البروليتاريا الحديثة، والأممية على مستوى عالمي. في خضم هذا إنها لوقتنا، وتنتمي للقرن العشرين. إنها شيوعية الدولة، وليست الأناركية، التي هي بعيدة عن حاجات العالم المعاصر.

في 1924 جوكين مورين اعترف مكرها أنه عبر التاريخ الأناركي “عوارض الانحطاط تبعها نهضة فجائية”. المستقبل سوف يظهر أنه فقط في هذا الاقرار المكره عليه كان الماركسي الاسباني متنبئا جيدا.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s