الدعاية الأناركية

إيريكو مالاتيستا
يجب أن نعترف أننا الأناركيين , في وضعنا الخطوط العريضة لما نود أن يكون عليه المجتمع في المستقبل , كمجتمع بدون رؤساء و دون شرطة , نجعل كل شيء – بصفة عامة – يبدو سهلا جدا .
و بينما نحن من ناحية نلوم خصومنا كونهم غير قادرين على التفكير فيما وراء الأوضاع الراهنة و فرضيتهم كون الحالة الشيوعية الأناركية غير قابلة للتحقيق , إذ يفترضون أن الإنسان سيظل كما هو اليوم , بكل حقارته و كل رذائله , و كل مخاوفه , حتى بعد أن يتم القضاء على أسبابها . و من ناحية أخرى نحن ننزلق على الصعوبات و الشكوك , على إفتراض بأن الآثار الأخلاقية الإيجابية التي ستنجم عن إلغاء الإمتيازات الإقتصادية و انتصار الحرية قد تحققت بالفعل .
لذا , عندما يقال لنا أن بعض الناس لن يريدوا العمل , نقدّم على الفور سلسلة من الأسباب الممتازة لتبيين أن العمل , الذي هو ممارسة القدرة و لذة الإنتاج , هو شيء أصيل في كل إنسان سوي , و بالتالي سيكون من السخف الإعتقاد بان الأشخاص الأصحاء سيرغبون في الإنسحاب من الحاجة للإنتاج لصالح المجتمع عندما لا يكون العمل قمعيا و استغلاليا و احتقاريا كما هو الحال اليوم .
و إذا ما طرحت فكرة الميول المعادية للمجتمع أو الطرق الإجرامية التي ينتهجها قطاع , مهما كان صغيرا , من السكان , نرد على ذلك بأنه فيما عدا حالات جد نادرة , و مشكوك فيها من الأمراض الخِلْقِيّة و التي هي مهمة أخصائيين الإغتراب في التعامل معهم و مع هذه الجرائم ذات المنشأ الإجتماعي و التي سوف تتغير مع تغيّر المؤسسات .
و لعل لهذا التفاؤل المبالغ فيه , و هذا التبسيط للمشاكل سبب للوجود عندما كانت الأناركية حلما جميلا , الحدس المتسرّع , إذ كان المطلوب هو المضي قدما إلى أعلى مثالية , و إلهام الحماس من خلال التأكيد على التناقض بين الجحيم الحالي و جنّة الغد المطلوبة .
لكن الزمن قد تغيّر حقا . فالمجتمع القائم في إطار الدولة و الراسمالية في حالة أزمة انحلال أو إعادة بناء , حسب قدرة الثوار و معرفتهم كيف يؤثرون بمفاهيمهم و قوتهم , و ربما نحن على أعتاب أولى محاولات الإدراك .
من الضروري بالتالي أن نترك الأوصاف المثالية و الرؤى المستقبلية عن الكمال البعيد جانبا قليلا , و نواجه الأمور كما هي اليوم , و كما ستكون في ما يمكن للمرء أن يفترض كونها في المستقبل المنظور . عندما كانت الأفكار الأناركية على جدّتها الصادمة المذهلة ,  كانت الدعاية الممكنة فقط في حدود المستقبل البعيد ( و حتى محاولات التمرد , و الملاحقات القضائية , قد   دعونا إليها و قبلناها عسى أن تؤدي غرضها بلفت انتباه الجماهير إلى دعايتنا) , مكتفين بأن ننتقد المجتمع الحالي و نقدّم عرضا مفصلا للمجتمع المثالي الذي نطمح إليه . و كانت أسئلة التكتيكات في الواقع مجرد أسئلة لتحديد أنسب الطرق لنشر الأفكار , و إعداد الأفراد و الجماهير لتحقيق التحول الإجتماعي المنشود .
لكن الوضع اليوم أكثر نضحا و قد تغيرت الظروف . . . و لا يجب أن نكون قادرين على إظهار كوننا أكثر منطقية من الأحزاب بسبب من نبل مثالية حيرتنا و حسب , بل و أن أفكارنا و أساليبنا هي الأكثر عملية من أجل تحقيق أكبر قدر من الحرية و الرفاهية مما هو ممكن في ظل حالة حضارتنا الراهنة . إن مهمتنا هي “دفع” الناس إلى الطلب , و إلى اغتنام كل حرية ممكنة , و لوضع أنفسهم موضع المسئولية في توفير احتياجاتهم دون انتظار أوامر من أي نوع من السلطة . مهمتنا هي إظهار عدم جدوى , بل و ضرر الحكومة , و إثارة و تشجيع الدعاية و العمل و جميع انواع المبادرات الفردية و الجماعية .
إنها في الواقع مسألة تعليم من أجل الحرية , من أجل جعل البشر الذين اعتادوا الطاعة و الاستسلام واعين لقوتهم و قدراتهم الحقيقية . لابد من تشجيع الناس على القيام بأشياء لأنفسهم , و التفكير بأنهم يفعلون ذلك بمبادراتهم الذاتية و من تلقاء أنفسهم حتى لو كانت هذه الأعمال قد تم اقتراحها من قبل آخرين . تماما كما يفعل المدرّس الجيد عندما يضع مسألة لا يمكن لتلميذه حلها على الفور , فيساعده بطريقة تجعل التلميذ يتصور أنه قد وجد الحل دون مساعدة , و بالتالي يكتسب الشجاعة و الثقة في قدراته الخاصة .
هذا ما ينبغي أن تفعل دعايتنا . و لو أن ناقدنا قد قام بالدعاية وسط اولئك الذين ندعوهم بازدراء “لا واعين” سياسيا , و حدث أن وجد نفسه يبذل جهدا ليظهر و كأنه لا يشرح أو يجبرهم على الحقيقة المقبولة عالميا , و سيكون عليه أن يحاول تحفيزهم على التفكير , و حملهم على التوصل بمنطقهم الخاص إلى الإستنتاجات التي كان من الممكن أن يقدمها لهم بصورة جاهزة , و بقدر أكثر سهولة بكثير من بذل الاهتمام , و بالطبع بقدر أقل من الإستفادة للـ “مبتدئين” في السياسة . و إذا ما وجد نفسه في موقف ما مضطرا للتصرف كقائد أو معلم , حين يكون الآخرون سلبيون , بينما يحاول هو أن يتجنب جعل الموقف واضحا من أجل تحفيزهم على التفكير و إتخاذ المبادرة و اكتساب الثقة في النفس .

و صحيفة Umanità Nova اليومية واحدة من وسائلنا للعمل . و إذا تم استيعاب كل قوتنا و خنق جميع المبادرات الأخرى , بدلا من إيقاظ قوى جديدة و تشجيع المزيد من الطموحات و النشاط المتحمس فستكون محنة لا تأكيد على الحيوية و لا شاهد على القوة أو النشاط أو الشجاعة . و علاوة على ذلك هناك أنشطة لا يمكن – بحكم تعريفها – أن تقوم بها جريدة أو أن تسلك طريق الصحافة . فالجريدة في تقديمها نفسها للجمهور تتحدث بالضرورة في وجود الأعداء , و هناك من المواقف ما لا يجب أن يكون الأعداء على علم به . لهذه المواقف يجب على الرفاق اتخاذ ترتيبات أخرى . . . و أماكن أخرى !!

بصورة عامة , سيكون الجواب أن المرء ينفذ في العلن ما يناسب أن يعرفه الجميع , و في الخفاء ما هو يتفق أنه ينبغى حجبه عن الجمهور العريض .
هل يجب أن يكون التنظيم سريا أم علنيا ؟
 و من الواضح لنا , نحن القائمين على الدعاية بهدف رفع مستوى الروح المعنوية للجماهير و دفعهم للفوز بحريتهم من خلال جهودهم الذاتية , نحن الذين ليس لدينا اية طموحات شخصية أو طائفية في الهيمنة , فإن إعطاء انشطتنا الحد الأقصى من الدعاية لتصل بذلك و تؤثر في أكبر عدد ممكن من الناس هو ميزة لا تنكر .
لكن هذا لا يعتمد فقط على رغباتنا , فمن الواضح أنه إذا , على سبيل المثال , حظرت الحكومة الخطابة أو النشر أو الإجتماع و لم يكن لدينا القوة الكافية لتحدي الحظر صراحة , فإنه ينبغي لنا أن نسعى إلى القيام بكل هذه الأشياء سرا .
على أن المرء ينبغي عليه أن يسعى دائما للعمل في وضح النهار , و يناضل من أجل الفوز بحريتنا , واضعا في اعتباره أن أفضل طريقة للحصول على الحرية هي الإستيلاء عليها , و مواجهة المخاطر الضرورية , لأن فقدان الحرية غالبا ما يكون بسبب خطأه , سواء من خلال عدم ممارستها أو استخدامه لها على استحياء , و اعطاء الإنطباع بأن لا حق للمرء في أن يفعل ما يمكنه فعله .
لذلك , و كقاعدة عامة , نحن نفضّل دائما العمل في العلن . . . و أيضا لأن الثوار اليوم لهم صفات , بعضها جيد و بعضها شيء , مما يقلل من القدرات التىمرية التي تمتّع بها الثوار و برعوا فيها قبل خمسين أو مائة عام . لكن بالتأكيد يمكن أن تكون هناك ظروف و إجراءات تتطلب السرية , و هي حالات يجب على المرء أن يتصرّف على نحوها .

و على أية حال , دعونا نكن حذرين من هذه الأمور “السرية” الني يعرفها الجميع , و أولهم رجال الشرطة .

إن الدعاية المتفرقة المعزولة التي غالبا ما تكون وسيلة لاراحة الضمائر المضطربة , أو ببساطة متنفس لشخص ما لديه هواية الجدال , بلا أدنى هدف . و في ظروف الجهل و البؤس التي تعيشها الجماهير , و مع كل القوى المضادة لنا , تذهب هذه الدعاية أدراج الرياح قبل حتى أن تنمو و تؤتي ثمارها . لأن التربة معوّقة للبذور المزروعة عشوائيا أن تنبت أو تمد الجذور .

المطلوب هو استمرارية الجهود و التنسيق و الصير و القدرة على التكيف مع البيئة المحيطة و الظروف المختلفة .

 كما يجب أن يكون كل واحد منا قادرا على الإعتماد على تعاونه مع كل شخص آخر , و أنه حيثما يزرع بذره فلن تفتقر إلى رعاية المزارع المحب , الذي يتعهدها و يحميها حتى تصبح قادرة على الاعتناء بنفسها , لتعطي بدورها بذزرا جديدة مثمرة .
 المصدر :
Advertisements

One thought on “الدعاية الأناركية

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s