مجموعة أناركية ( لا سلطوية ) لا طليعة لينينية / 2

واين برايس

المنظمة الأناركية السياسية الثورية

يبدو أن كثير من الأناركيين يعتقدون أن يوما ما سيأتي عندما سيرى معظم الناس لا جدوى المجتمع السلطوي . أنهم جميعا , كشخص واحد , و في نفس اللحظة , سيفتحون عيونهم على اغترابهم , سينهضون , و يستعيدون مجتمعهم . تسمى هذه الرؤية أحيانا “العفوية” . لسوء الحظ لا تسير الأمور بهذه الطريقة . عموما , بعد انتظار طويل , يصبح الناس أكثر راديكالية بشكل غير متجانس . في الأوقات المحافظة , يصبح الناس ثوريين بالواحد و الاثنين . عندما تصبح الأمور أكثر راديكالية , يصبحون كذلك بالمجموعات و الزمر . ثم عندما تتحرك الأمور إلى فترة من الراديكالية , تصبح طبقات ( بأكملها ) ثورية . أخيرا في فترات الثورة تنهض شعوب بأكملها . لكن كثيرا أو أغلب الأشخاص الذين أصبحوا راديكاليين حديثا لم يفكروا بعد في أهدافهم أو استراتيجياتهم . إنهم يكونون مفعمين بالطاقة لكن مشوشين و غير واثقين حتى يقوموا بترتيب أفكارهم من خلال التجربة . من السهل في تلك الأوقات على الإصلاحيين أن يضللوهم و يقودوهم إلى الطرق القديمة , أو على المجموعات السلطوية أن تقيم حكاما جدد . لقد ظهر هذا كله من كل التاريخ الكئيب لثورات ما بعد الحرب العالمية الثانية في أوروبا و “العالم الثالث” . أكثرها قربا رأينا النتائج البائسة للثورة الإيرانية التي وضعت آيات الله في السلطة , أو حالة الأرجنتين , حيث أنتجت الثورات الجماهيرية فقط نظاما رأسماليا أكثر يسارية بدرجة محدودة جدا فقط ( لكن النضالات لم تنته بعد في الأرجنتين و بقية أمريكا اللاتينية ) .

عندما تصبح مجموعات و فئات من الشغيلة راديكالية , تتوفر لهم الفرصة لينظموا أنفسهم لينشروا أفكارهم بشكل فعال بين بقية السكان ( الذين لم يصبحوا راديكاليين بعد ) . هذا لا يتناقض مع التنظيم الذاتي لكل المضطهدين . إنه جزء عضوي من هذا التنظيم الذاتي .
ستتنظم الكثير من المجموعات حسب القواعد السلطوية ( إما الإصلاحية أو في سبيل قيادة ثورية جديدة ) . هذا سيحدث حتما بما أن السلطوية هي كل ما نعرفه . لكن هناك فرصة بأن يقوم البعض بتنظيم أنفسهم في اتجاهات تحررية مساواتية تعاونية – أي أنهم سيصبحون أناركيين أو لا سلطويين . هذا مهم جدا إذا كان علينا ألا نكرر التاريخ الكارثي لهزيمة الثورات العمالية .
ستساعد المنظمة السياسية اللاسلطويين في أن يتحدثوا مع بعضهم البعض , أن يعلموا بعضهم البعض , يطوروا نظريتهم , و تكتيكاتهم و استراتيجيتهم , تحليلهم لما يجري و ما يمكن فعله , و رؤيتهم لما يمكن لمجتمع اشتراكي أن يبدو عليه . يمكنهم مناقشة ما تعلموه من الآخرين و ما يمكن أن يقدموه لتعليم الآخرين . كونهم جزء من منظمة يمكن أن يساعدهم بمقاومة التأثير المحافظ و المحبط لبقية المجتمع عليهم . شيء يشبه ما قصده الأناركي بول غولدمان عندما قال “يكفي إيجاد و تشكيل فرقة , مائتين , من المتشابهين في أفكارهم , لنعرف أننا عقلاء رغم أن غالبية المدينة من المجانين” .
المسألة هنا هي العلاقة بين الأقلية التي توصلت إلى استنتاجات ثورية و الغالبية غير الثورية في معظم الأوقات – ما عدا في الأوقات الثورية . ( حقيقة أن الغالبية قد أصبحت ثورية هي بالتعريف ما يجعل فترة ما ثورية ! ) . الأناركيون العفويون و المعادون للتنظيم لا يروا أن هذه مسألة تستحق , إنهم ينكرون أنها موجودة . بالنسبة إليهم حتى الحديث عن أقلية ثورية يعني أنك سلطوي . إنهم يعيشون في حالة إنكار . من الممكن مواجهة أخطار السلطوية فقط إذا اعترفنا أنها يمكن أن تنشأ من الانقسام بين أقلية ثورية و بين الأغلبية . الأناركية التي تؤيد فكرة التنظيم هي طريقة للتعامل مع هذا الانقسام , للتغلب عليه من خلال سياسات عملية , إنها طريقة متمايزة ( مختلفة ) عن اللينينية .
سيكون للفيدرالية الأناركية الثورية مهمتين مرتبطتين ببعضهما , داخل المنظمات الشعبية الأكبر . الأولى هي النضال ضد كل المنظمات السلطوية التي ستظهر حتما : الستالينية , الاشتراكية الديمقراطية , الليبرالية , الفاشية , الخ . كل هؤلاء سيحاولون إضعاف ثقة العمال بأنفسهم , و إضعاف المبادرة الشعبية . سنناضل ضد هذه المجموعات , سنحاربها و سنشجع العمال , النساء , الأقليات العرقية و القومية , الخ , على أن يثقوا بأنفسهم , و أن يستولوا على السلطة لأنفسهم , و أن يعتمدوا على أنفسهم و ليس على أي مخلص من أعلى .
المهمة الأخرى المرتبطة مع الأولى هي إقامة تحالفات مع أي أفراد أو مجموعات يمكننا التحالف معهم – مع أي شخص يسير في اتجاهنا . لا أحد يملك كل الأجوبة . مثلا في مجتمع هائل كأمريكا الشمالية , من المستبعد أن نجد منظمة واحدة ( “طليعة” ) تجمع أفضل المناضلين و أفضل الأفكار . يجب على الأناركيين الثوريين أن يكونوا مستعدين ليشكلوا جبهات متحدة مع أية مجموعة تتطور في الاتجاه اللاسلطوي .
كثير من هذه القضايا طرحت في المؤتمر الأناركي العالمي ( الأممي ) عام 1907 في أمستردام . الذي حضره قرابة 80 أناركي من كل أوروبا , من شمال و جنوب أمريكا , و أمكنة أخرى , بما في ذلك معظم الشخصيات المعروفة في ذلك الوقت , مثل إيما غولدمان . من بين المواضيع التي نوقشت فيه , حث بيير موناتي , و هو أناركي نقابي فرنسي , الأناركيين على التوجه إلى النقابات للمساعدة في تنظيمها و بنائها . قال أنه هذه هي الطريقة لكي يكسر الأناركيون عزلتهم في دائرة ضيقة , و مشاركتهم في تمردات عديمة الجدوى ( و بالنسبة لقلة منهم ) في الإرهاب . أعلن أنها الطريق بالنسبة للأناركيين ليقيموا الصلات مع العمال و ليشاركوا في حياتهم و في نضالاتهم .
ممن تحدث ضده كان الأناركي الشيوعي الإيطالي إيريكو مالاتيستا . ( هذه الأوصاف خادعة بما أن الأناركيين النقابيين يوافقون على أن هدفهم هو الأناركية الشيوعية , بينما يوافق الأناركيون الشيوعيون على أن النقابات مفيدة ) . وافق ملاتيستا على أنه من المهم بالنسبة للأناركيين أن يشاركوا في النقابات . لكنه اعترض على الفكرة الضمنية بأنه على الأناركيين أن يحلوا أنفسهم في النقابات . حذر أن هذا خطير لأنه على النقابات بسبب طبيعتها الخاصة أن تجتذب العمال الذين لديهم اختلاف كبير في مستوى وعيهم , محافظين و اشتراكيين دولتيين إضافة إلى الأناركيين . في نفس الوقت فإن مهمة النقابات هي التفاوض على ظروف عمل أفضل و على أجور أفضل تحت الرأسمالية طالما لا يوجد هناك وضع ثوري . أي أنه على النقابات أن تتكيف مع كل من الوعي الأكثر محافظة لغالبية أعضائها و مع الضرورات العملية للسوق الرأسمالية . لذلك استنتج مالاتيستا و آخرون أن العمال الأناركيين يحتاجون أيضا أن ينظموا أنفسهم في منظمات أناركية خاصة , ليناضلوا في سبيل الأفكار الأناركية . أن عليهم أن يعملوا داخل و خارج النقابات , و أن يتعاملوا ليس فقط مع مسائل النقابة بل مع كل نضال ضد الاضطهاد في أية طبقة .
( بشكل دقيق يعرف كثير من اليساريين اليوم بالتفصيل نقاش لينين مع “الاقتصاديين” – و هم ماركسيون أرادوا التركيز فقط على تنظيم النقابات – كما لخص في كتاب لينين ما العمل ؟ لكنهم لا يعرفون أي شيء عن النقاش بين مالاتيستا و مونتاي الذي تناول نفس القضية . لذلك يلاحظ تروتسكيو التيار البلشفي الأممي و المفاجأة واضحة عليهم , ” … لدي البلاتفورميين سجل من المشاركة في النضالات لتوسيع و تطوير الحقوق الديمقراطية .. هذا يظهر تفهما متطور نسبيا لآلية عمل الدولة الرأسمالية , و هو متطابق مع فهم لينين ( في ما العمل ) …” ) .
كان مونتاي محقا في أهمية انضمام الأناركيين إلى النقابات . بهذه المقاربة سيكسر الأناركيون عزلتهم و يكسبوا نفوذا كبيرا بين العمال و غيرهم . لكن مالاتيستا كان أيضا على صواب . النقابة الفرنسية التي كانت ذات يوم على قدر عالي من الكفاحية CGT أصبحت أكثر فأكثر محافظة . كل ما احتفظ به قادة النقابة من أناركيتهم الأصلية هي الرغبة بالإبقاء على النقابة مستقلة عن الأحزاب السياسية . عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى قدمت هذه النقابات الفرنسية دعمها للحرب و للحكومة . انتقل مونتاي عندها إلى معارضة بيروقراطية النقابات و موقفها الداعم للإمبريالية .
كان الأناركيون النقابيون الإسبان مدركين لما حدث في فرنسا و رأوا في النقابات الإسبانية CNT اتجاهات مشابهة . لكن على عكس النقابيين الأناركيين الفرنسيين , نظم الأناركيون الإسبان أنفسهم في فيدرالية أناركية خاصة , FAI , داخل ال CNT . لذلك كانوا قادرين على مواجهة الميل البيروقراطي النقابي ( و فيما بعد الشيوعيين ) . أيا تكن أخطائها النهائية فإن الفيدرالية الأناركية الإيبيرية FAI تبقى مثالا مهما بالنسبة للأناركيين المؤيدين لفكرة التنظيم .

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s