تعريف بالاشتراكية التحررية / 4

سامع سعید عبود

النظام الاشتراكى التحررى

النظام الاشتراكى التحررى الذى يكفل التحرر الحقيقى للبشر والمساواة فيما بينهم، يتأسس على الملكية الاجتماعية لكل من وسائل الإنتاج والعنف والمعرفة، باعتبارها مصادر السلطة المادية، لا ملكية الدولة العامة كما فى رأسمالية الدولة، ولا الملكية الخاصة كما فى رأسمالية الأفراد، و يقوم من ناحية أخرى على احترام حقيقة تفرد الإنسان كفرد له سماته وشخصيته الفريدة، والذى تتعدد أبعاد شخصيته، بسبب صفاته الجسدية والعقلية و مكتسباته الاجتماعية، وخبراته التاريخية، وقدراته الخاصة

أن هذا الإنسان الفريد متعدد الأبعاد والأنشطة والرغبات والاهتمامات والانتماءات، يأتى إلى العالم مكبلا بالعديد من القيود الذى لا دخل له فيها و لا اختيار، سواء الصفات الوراثية أو الأوضاع الاجتماعية، مجبرا على اكتساب مورثاته وجنسه و لغته وثقافته وعقيدته وعاداته وتقاليده ومجمل وعيه، ومن ثم فيجب لتحريره أن يكون له الحرية فى أن ينضم طوعا طالما قارب سن الشباب، إلى تعاونية معينة تقوم بنشاط محدد، ليتعاون مع أفرادها فى تلبية احتياجاتهم المشتركة عبر هذا النشاط، ومن ثم تتعدد التعاونيات التى يمكن أن ينضم لها الفرد بتعدد أنشطته واهتماماته وأبعاده ورغباته وانتماءاته، ولهذا فلابد أن يكون باب العضوية مفتوح لكل من يطلب عضوية تلك التعاونيات بغض النظر عن جنسه أو عرقه أو آراءه السياسية أو دينه أو قوميته أو وضعه الاجتماعي .

يبدأ بناء المجتمع الاشتراكى التحررى إذن بتحرر إرادة الفرد العاقل والبالغ بالطبع، فى أن يحدد ما يود ممارسته من نشاط، وما يود أن ينضم إليه من التعاونيات ، وما يدخل فيه من علاقات اجتماعية مختلفة، وبالطبع تتنوع التعاونيات من إنتاجية ومهنية واستهلاكية وسكانية وإئتمانية وتأمينية و خدمية وتعليمية وثقافية واجتماعية،كما يمكن للتعاونية الواحدة أن تجمع بين العديد من الأنشطة المتكاملة، لتشمل كل أوجه النشاط البشرى المختلفة، ومن هنا تتعدد انتماءات الفرد و أنشطته، وعلاقاته الاجتماعية المختلفة، و تتحدد جميعها وفق إرادته الحرة.

يقوم المجتمع الاشتراكى التحررى على شبكة تحتية من تلك التعاونيات الأولية المتباينة الأنشطة بتباين النشاط البشرى، والتى تنشأ لتلبى الاحتياجات البشرية المختلفة ذلك لأن البشر ليسوا مجرد حيوانات منتجة فحسب أو مجرد مقيمين بمكان ما فقط، ومن ثم لا يمكن بناء المجتمع البشرى على جانب واحد من نشاطهم، بل يجب أن يبنى مراعيا تعدد جوانب شخصيتهم و أبعادها، ومن ثم تتعدد التعاونيات بتعدد جوانب الشخصية الإنسانية واحتياجاتها.

لأنه لن يمكن للبروليتاريا عمليا كى تتحرر إلا أن تصادر ثروات مضطهديها ومستغليها من البرجوازيين، وإدارتها ذاتيا لصالح البروليتاريا وفق قواعد التعاون عبر التعاونيات ، فإن البرجوازيين الصغار سوف يستمرون فى الوجود بملكياتهم الصغيرة والقزمية بشرط منعهم من استخدام العمل المأجور، ولهم أن ينضموا للتعاونيات أو يعملوا على نحو مستقل، و فى حالة انضمامهم للتعاونيات فسوف تندمج ملكيتهم فى ملكية التعاونية، وسوف يكون مبدأ التوزيع كل حسب احتياجه مقابل أن يعمل كل عضو وفق قدراته. فى إطار تقسيم العمل المتفق عليه.

وفيما يتعلق بتنظيم شئون التعاونيات فهو كالتالى :-

لما كان كل نوع من أنواع النشاط البشرى يلزمه أساس مادى لممارسة النشاط من مصادر السلطة المادية المختلفة حسب الحالة، فيكون للتعاونية حق الانتفاع بكل مصادر السلطة المادية التى تمكنها من ممارسة نشاطها، من عقارات وآلات وأموال وغير ذلك، والتى لا يجوز تجزئتها على أى نحو، أو تفتتها لملكيات خاصة للأفراد، أما أعضاءها فيملكون حق الانتفاع بها على نحو متساو، ويبقى للأعضاء دائما حق تملك مقتنيات خاصة لاستعمالهم الشخصي.

تلتزم التعاونيات بعدم استخدام أى عمل مأجور أو أى عمل جبرى فى أى نشاط من أنشطة التعاونية، و تساعد التعاونية كل من يرغب فى التعامل معها كمنتج أو كمستهلك على الانضمام إليها. على أن يكون لكل عضو فى التعاونية صوت واحد. و لكل عضو أن ينسحب من التعاونية.

التعاونية لا تهدف بنشاطها للربح، و إنما تهدف أساسا لاستيفاء الحاجات الاستعمالية لأعضاءها، بانتاجها وتوفيرها أو بتبادل فوائض السلع والخدمات التى تنتجها أو توفرها مع فوائض السلع والخدمات التى تنتجها أو توفرها التعاونيات الأخرى.

تتأسس إدارة التعاونية على الديمقراطية المباشرة والتوافقية، التى تعنى أن كل ما يتعلق بنشاط التعاونية و أفرادها فيما يتعلق منه بنشاط التعاونية ، يحق لكل أعضاء التعاونية مناقشته، و اتخاذ قرارا بشأنه على نحو ديمقراطى. وعلى التعاونية تفويض من تراهم من مختصين فى الأمور التى يحتاج تقريرها إلى مختصين، ويحق لأعضاء التعاونية مراقبة هؤلاء المفوضين ومحاسبتهم وتكلفيهم والتحقيق معهم وسحب التفويض منهم فى أى وقت إذا ما أخلوا بوظائفهم، ومن ثم تنقسم القرارات إلى قرارات سياسية و إدارية يتخذها أعضاء التعاونية ديمقراطيا وتوافقيا، وقرارات فنية وتنفيذية يتخذها المختصون الذين تفوضهم الجماعة فى حدود اختصاصهم، كما أن هؤلاء المفوضين لا يحصلون من التعاونية على أكثر مما يحصل عليه العضو العادى مقابل أداء خدماتهم

تحدد سياسة التعاونية و قراراتها الاجتماعات الدورية والاستثنائية لكافة أعضاء التعاونية،. و تفوض الاجتماعات الدورية والاستثنائية للجمعية العمومية لأعضاء التعاونية من تراه غالبيتهم الأكفأ من بين الأعضاء لأداء المهام الإدارية المختلفة، فى فترات عدم انعقاد اجتماعات الجمعية العمومية الدورية والاستثنائية. و كل أعضاء التعاونية مرشحين للتفويض وناخبين للمفوضين فى نفس الوقت، و يتم تفويض من يحوز منهم على أصوات أكبر عدد من الأعضاء. و على الجمعية العمومية خلال اجتماعاتها الدورية والاستثنائية سحب التفويض من المفوضين بالإدارة أو إعادة تفويضهم، ومحاسبتهم على ما أدوه خلال الفترة ما بين الاجتماعات.

الاشتراكية التحررية لا تعنى عدم احترام المعرفة والعلم، ومن ثم التخصص والموهبة والقدرة الفردية، ولا تعنى عدم احترام النظام و القواعد، وبناء على ذلك فلكل تعاونية أن تحدد القواعد التى تنظم أوجه نشاطها، وأن تعاقب أى عضو من أعضاءها يخرج عن هذه القواعد والنظم التى حددوها بأنفسهم، أو قبلوها مع انضمامهم للتعاونية، وأن تفصل فى كل الخلافات التى قد تحدث بين الأعضاء، وتعاقب على كل المخالفات التى قد يرتكبوها، وتحفظ أمن التعاونية وأعضاءها، وتمثل مصالحهم المشتركة لدى الغير.

من هذه التعاونيات التى تشكل خلايا المجتمع الاشتراكى التحررى، تتشكل اتحادات ، فيما بين التعاونيات، لتلبية احتياجات ومصالح بشرية أكثر اتساعا، تهم قطاعات أوسع من البشر، وتلبى احتياجاتهم المشتركة، الأمر الذى يمكن أن يتم عبر الاتحاد بين التعاونيات، فتنشأ اتحادات تسعى لتحقيق أقصى درجة ممكنة للإكتفاء الذاتى من الاحتياجات المختلفة للأعضاء، حفاظا على حرية أعضاء التعاونيات، واستقلالية التعاونيات التى ينتقص من حريتها واستقلاليتها، مركزية المجتمع، وإدارته المركزية، فضلا عن أن ترتيبه بشكل هرمى، يجعل من سلطات قمته قيدا على حريات قواعده، ولمؤسساته العليا سلطة تقيد مؤسساته الدنيا.

تقوم الاتحادات المختلفة بإدارة المشاريع الكبيرة، و الأنشطة الضخمة، والمرافق العملاقة، وتؤدى المهام التى لا تستطيع القيام بها التعاونيات منفردة، فالاتحادات هى تعاونية أكبر حجما لا تقوم بين أفراد بل بين تعاونيات أصغر حجما، و تقوم على نفس الأسس التى تقوم عليها التعاونيات ، و التى تنضم للاتحاد، لتلبى المطالب المشتركة لتلك التعاونيات وأعضاءها، كما ينضم الأفراد للتعاونيات لتلبية مطالبهم المشتركة.

يقوم الاتحاد بحل التناقضات والمنازعات والخلافات بين التعاونيات المنضمة له لتحقيق المصالح و الاحتياجات المشتركة للتعاونيات المنضمة إليه وأعضاءها، على أساس مبدأ التعاون ، والتبادل التعاونى للسلع والخدمات. وهذا المبدأ يحل مشكلة التفاوتات التى يمكن أن تحدث بين تعاونيات غنية و تعاونيات فقيرة بحكم طبيعة نشاط كل منهما أو حجم أعمالها، ويحل المشاكل التى يمكن أن تحدث بناء على تضارب المصالح بين التعاونيات، ويمنع الإضرار بالمصالح المشتركة للتعاونيات المنضمة للاتحاد.

الاتحادات تقوم على الانضمام الطوعى للتعاونيات، عبر مفوضين منتخبين من تلك التعاونيات، و يحق لأعضاء التعاونيات المنضمة للإتحاد مراقبة هؤلاء المفوضين ومحاسبتهم وتكليفهم والتحقيق معهم وسحب التفويض منهم فى أى وقت إذا ما أخلوا بوظائفهم، ومقتضيات تفويضهم .

مثلما يحدد أعضاء التعاونيات القواعد التى تلزمهم فى ممارسة نشاطهم الجماعى، تحدد التعاونيات المنضمة للاتحادات القواعد الملزمة التى تنظم نشاطها الجماعى، وأن تعاقب الاتحادات المخالفين لتلك القواعد، و أن تفصل فى الخلافات التى قد تحدث بين التعاونيات المختلفة، وتحفظ أمن الاتحاد وأعضاءه، وتمثل مصالحهم المشتركة لدى الغير.

إذا كانت عضوية الأفراد فى التعاونيات وعضوية التعاونيات فى الاتحادات طوعية، فأن حق الانفصال مكفول للأفراد من التعاونيات ، وللتعاوتيات من الاتحادات، وبالطبع فحق الأفراد فى تكوين التعاونيات المختلفة، و التعاونيات للاتحادات حرية مكفولة للجميع.

أن حقوق سلطة التفويض هى حقوق إدارية و تنفيذية وتنظيمية، وليست سياسية، فالمفوضين ملزمين بالإرادة السياسية لمفوضيهم، كما أنه لا امتيازات لهم بسبب أداءهم لوظائفهم .

من الطبيعى أن أى سلوك أو نشاط سواء فردى أو جماعى يعرض أمن الناس وحريتهم وحقوقهم للانتهاك والخطر، لابد و أن يواجه بالردع أو العلاج اللازم عبر القواعد القانونية الملزمة، والمتفق عليها من الأفراد و التعاونيات والاتحادات.

نحن نرى على عكس ما هو شائع، أن التعاونيات والاتحادات التعاونيات يمكنها أن تمارس كل الأنشطة السيادية والإنتاجية والخدمية و الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التى تمارسها الدولة، و يمارسها الرأسماليون، على السواء، بدءا من المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وحتى المشاريع الكبيرة و العملاقة بما فيها كل المرافق و المؤسسات العامة، و هى فى هذا الشأن لا تقل كفاءة إن لم تزيد بالفعل عن المؤسسات والشركات الرأسمالية والعامة والحكومية، فالفرق بين التعاونيات وبين المنشئات الحكومية و الرأسمالية يكمن فى القواعد التنظيمية التى تدار بها تلك المؤسسات فقط، لا فى حجم الأعمال، ولا فى عدد العاملين بها، و لا فى طبيعة ما تقدمه تلك المنشئات والمؤسسات من سلع وخدمات، فكما توجد شركات ومشاريع رأسمالية أو حكومية صغيرة ومتوسطة وكبيرة، يمكن أيضا أن تتكون التعاونيات واتحادات تحل محلها جميعا.

يمكن للتعاونيات واتحاداتها أن تقوم بإنتاج كل السلع، وتقديم كافة الخدمات، وأداء كافة المهام السيادية للدولة، و ذلك بالتكامل والتعاون والاتحاد فيما بينها فى اتحادات محلية أو وطنية، أو إقليمية أو دولية، من أسفل إلى أعلى، على نفس الأسس والقواعد التى تحكم التعاون التحررى فيما بين أعضاء التعاونيات ، بعيدا عن مؤسسات الدولة و منشئات رأسالمال.

عندما نشأت الرأسمالية من قلب الإقطاع وسادت العالم بعد ذلك، لم تكن نتيجة فكرة فى عقل المفكرين، ولم تنشأ لأن حزبا ما ناضل من أجل تحقيقها،أو أن ثورة ما قامت لتطبيقها، فقد نشأت الرأسمالية عندما تطورت الورش الحرفية إلى مصانع، بسبب التطور التكنولوجى، و استئجار أصحاب الورش العمال على نطاق واسع مما قلب العالم الإقطاعى رأسا على عقب، والاشتراكية التحررية لا تقدم نموذج هندسى سابق التخطيط، وإنما تستند رؤيتها للتغيير الاجتماعى على التعاونيات باعتبارها نموذج قائم فعليا فى الواقع كنظام هامشى، يمكن له النمو ليصبح النظام السائد بعد زوال الرأسمالية والدولة الحديثة المرتبطة بها، وتدخلنا النضالى من أجل تحقيق هذا التطور التقدمى فى تاريخ البشرية، هو إزالة التشوهات الرأسمالية والبيروقراطية منها، والنضال من أجل أن تكون التعاونيات التحررية النظام السائد، ومن ثم لا يمكن وصف رؤيتنا بالخيالية كما يزعم خصومنا، فنحن لسنا هواة هندسة اجتماعية لتناقض الهندسة الاجتماعية أساسا مع احترامنا للحرية الفردية والكرامة الإنسانية.

الاشتراكية التحررية مشروع أممى، ومعادي لكل الحركات والمشاريع السياسية القائمة على أساس قومى أو دينى أو عنصرى، فالاشتراكية التحررية مشروع يهدف لتحرير كل البشر على ظهر الأرض، و لا يعترف بشرعية أى حدود جغرافية أو انفصالية بين البشر بسبب اختلاف قومياتهم أو أديانهم أو ثقافاتهم أو أجناسهم أو أعراقهم أو لغاتهم، ويعتبر أن هذا التحرر غير ممكن إلا على مستوى الكوكب بأسره، و يرى أن الحل لمعظم مشكلات البشرية الآن، ولكى تتخلص من حماقتها وشرورها، هو بناء مجتمع اشتراكى تحررى يضم كل البشر وبصفتهم بشر فحسب على تلك الأرض وطنهم الوحيد، وملكيتهم الجماعية المشتركة، وقاربهم الذى يسبحون به فى الكون اللانهائى، بعيدا عن كل ما يفرقهم على أساس تمييزى بغيض .

من هنا فأننا نناضل بكافة السبل من أجل تحول القطاعين العام و الحكومى المملوكين للدولة والقطاع الخاص الرأسمالى إلى بديل التعاونيات واتحاداتها، بطريقتين هما المبادرة الجماهيرية لتأسيس التعاونيات و النضال الجماهيرى الضاغط على الدولة والرأسماليين لتحويل كافة المؤسسات الإنتاجية والخدمية والتأمينية والإئتمانية، سواء الحكومية أو العامة أو الرأسمالية إلى تعاونيات.

تشجيع ومساعدة ودعم العمال المستقلين والمهمشين والمتعطلين عن العمل و الحرفيين والمهنيين والمزارعين المستقلين على تكوين التعاونيات التى تشبع احتياجاتهم المختلفة، باعتبارها وسيلة لتحررهم الذاتى من سيطرة واستغلال كل من الرأسماليين و بيروقراطية الدولة، و إزالة المعوقات التى تحول دون ذلك.

http://fasail.bogspot.com

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  گۆڕین )

w

Connecting to %s