تعريف بالاشتراكية التحررية / 6

سامع سعید عبود

جذور تاريخية للتيار الاشتراكى التحررى

اللاحكمي هى الترجمة العربية الأدق للتعبير عن تيار سياسى واجتماعى و فلسفى، تعددت أسماءه و رموزه الفكرية، و تجسيداته سواء فى حركات ثورية أو فى ثورات حدثت عبر التاريخ، وتتنوع بداخله المدارس برغم ما يجمعه من إطار عام، عرف فى اللغة العربية بالفوضوي التى هى ترجمة غير دقيقة لكلمة ((Anarchy)) والتى تعنى فى الإنجليزية (لا حكم ) ، وأصلها فى اللغة اليونانية، فى حين أن الفوضوي اشتقاق نسب عربى من فوضى، وترجمتها فى الإنجليزية ((chaos))، ومن ثم فهى ترجمة فضلا عن عدم دقتها فهى خبيثة حيث تهدف لتنفير من يسمعها، وقد عرف هذا التيار فى العربية أيضا أيضا باللاسلطوى، و التحررى، وأحيانا كما تنطق بالإنجليزية دون تعريب الأناركى

يرجع هذا التيار لجذور فكرية قديمة إلى ما قبل العصور الحديثة، تعلى من قيمة الحرية الإنسانية، وترفض السلطة القمعية وتنقدها، وتعتبر الدولة كمؤسسة فى حد ذاتها مصدر كل شر، ومصدر القهر الواقع على الإنسان، وسبب استغلاله وإفساده وتشويهه، وتبشر بعالم يخلو من هذا القهر، وذاك الاستغلال، وبإمكانية أن يحيا البشر أحرارا دون هذه المؤسسة القمعية المتعالية عليهم، و المتسلطة عليهم، أيا ما كان نظامها، ويرى البعض الآخر أن هذا التيار هو الامتداد الأكثر جذرية لفكر عصر التنوير الذى سبق الثورة الفرنسية، بشعـاراتها الثـلاث ( الحرية، و الإخاء، والمساواة )، كما يرى البعض أن هناك جذورا أناركية فى كل الثقافات عبر التاريخ فى الصين واليونان والعالم الإسلامى.

تنقسم جذور هذا التيار فى العصر الحديث لعدة منابع بدأت فى القرنين الثامن و التاسع عشر، الاناركية الفردية ويمثلها المفكر الإنجليزى جودوين والمفكر الألمانى شترينر، وهى تقوم على الحرية المطلقة للفرد إزاء أى سلطة أو جماعة، ومن هذا المنبع تتواجد تيارات الاناركية الرأسمالية و الاناركية الفردية وهى تيارات هامشية لا تمثل التيار الرئيسى فى الاناركية.. و الاناركية التعاونية أو التبادلية ويمثلها المفكر الفرنسى برودون، و الاناركية الجماعية ويمثلها المفكر الثوري الروسي باكونين، و الاناركية الشيوعية ويمثلها المفكر الثوري الروسي كروبوتكين، و كل من الأناركيات التعاونية والجماعية والشيوعية تنشد مجتمع تتعاظم فيه الحرية الفردية، و تنتفى فيه السلطة القمعية، فى إطار جماعى منظم تعاونيا، باعتبار الإنسان فى النهاية حيوان اجتماعى؛ وتختلف فى تفاصيل حول الملكية الخاصة بنفيها أو تحديدها، وأسلوب تحقيق الاحتياجات البشرية إذا ما كانت حسب الحاجة أم الجهد المبذول فى العمل.. و الاناركية المسيحية ويمثلها الروائى الروسى الشهير تولوستوى الذى استلهم من المسيحية رؤى أناركية. كما ظهر مؤخرا من تأثر بأفكار هذا التيار من المفكريين الإسلاميين والبوذيين على قلتهم النادرة، فظهرت الاناركية الإسلامية و الاناركية البوذية، ويوجد تيار الاناركية البدائية وهو تيار هامشى مثله مثل تيارات هامشية أخرى تقترب من البوهيمية والعدمية والفردية المتطرفة. بدءا من منتصف القرن التاسع عشر، ظهرت الاناركيات التعاونية والجماعية و الشيوعية و الاشتراكية كتيار قوى فى العديد من البلدان الأوربية و الأمريكية، شاركت فى الأممية الأول(جمعية العمال الدولية)، وتصارعت فكريا وتنظيميا مع الماركسية متهمة اشتراكيتها بالسلطوية، وخرج ممثلوا هذا التيار الاناركى ليشكلوا أممية أخرى، وشارك الأناركيون الجماعيون والاشتراكيون و الشيوعيون فى العديد من الحركات الثورية فى روسيا و أسبانيا وفرنسا وإيطاليا، و حتى منتصف الثلاثينات من القرن العشرين، وخلال ذلك ظهرت فى داخل هذا التيار الاناركية النقابية فى فرنسا، والتى بلغت أوجها فى أوائل القرن العشرين، وظهر اتجاه ماركسي لا سلطوي فى مواجهة التفسير اللينينى السلطوى للماركسية، ويمثله كل من روزا لوكسمبورج و بانيكوك، والمعروف الآن بشيوعية المجالس، وهم الأقرب للماركسية الأصيلة، والأقرب للأناركية الشيوعية، من كل التيارات الماركسية الأخرى، و يشكلان معا تيار الاشتراكية التحررية.

ما أن انتصفت ثلاثينات القرن العشرين حتى انتهت كل هذه التيارات لفترة كمون طويلة، حتى اعتقد البعض أنها انتهت تماما، وأصبحت مجرد جزء من التاريخ، ومجرد تراث من الأفكار .

مع منتصف الخمسينات من القرن العشرين بدأ جهد نظرى لإحياء الأناركية الشيوعية، حيث ظهرت كتابات جديدة لمفكرين جدد تعتمد على نقد الكتابات والممارسات السابقة، وتحاول استشفاف رؤى جديدة تلتزم بالإطار العام الأناركى والتحررى، وفى منتصف الستينات، ومع ظهور اليسار الجديد، خرج هذا التيار من كمونه، واخذ ينتشر مجددا فى العديد من بلدان غرب أوروبا وأمريكا الشمالية، ومع سقوط الدول التى تدعى بالاشتراكية فى أواخر الثمانينات، و سقوط اللينينية أحزابا وأفكارا مثلما سقطت الاشتراكيات الديمقراطية والإصلاحية والقومية، و زاد التشكك فى أهمية دور الدولة،وتأكد خطورة تضخم جهازها البيروقراطى، واستمرار نقد كل من النظرية والممارسة السلطويتين، ونقد الأيديولوجيات التسلطية و الإصلاحية والقومية، أخذ هذا التيار يكسب مواقع متزايدة فى أوروبا واستراليا والأمريكيتين وشرق آسيا، وبعض بلدان الشرق الأوسط وجنوب أفريقيا، وفى السنوات الأخيرة شارك أعضاء هذا الاتجاه فى الكثير من الأحداث، و بفضل ثورة الاتصالات الأخيرة أخذ ينتظم عالميا، ويزداد تأثيره وضوحا، وعرف مفكرين جدد أشهرهم عالم اللغويات الشهير ناعوم شومسكى، و سام دوجلوف ودانيال جرين وأنطونيو نيجرى وغيرهم …ويدخل تحت هذا التيار مدارس عديدة تتفق فى الإطار العام، وتختلف فيما بينها فى التفاصيل العملية،لا النظرية، فهناك شيوعية المجالس، و الاستقلالية، والمواقفية، و الاناركية النقابية، والبرنامجية، و التسيير الذاتى، و التعاونية.الخ، وكل هؤلاء يشكلون الجناح اليسارى فى الاناركية ، وهم التيار الرئيسى فيها، مع وجود من يمكن اعتبارهم الجناح اليمينى المتمثل فى الاناركية الرأسمالية و الاناركية الفردية. فالاناركية ليست مذهبا جامدا، ولا تعرف النصوص المقدسة، ورموزها من المفكرين مجرد مجتهدين لا أنبياء، ولا قداسة لهم، ولا لنصوصهم ، ومن ثم يقبل هذا التيار النقد والتطوير داخل إطار مبادئه العامة.

http://fasail.blogspot.com

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  گۆڕین )

w

Connecting to %s