أي نوع من الديمقراطية يحتاجها العالم العربي ؟

خوسيه أنطونيو غوتيريز

ترجمة: مازن کم الماز

قلت في مقالة سابقة أن الأحداث التي تهز العالم العربي اليوم تشبه تلك التي هزت العالم في عام 1989 ( 1). ليس فقط أنه يمكن إيجاد تشابه بينها في عمق و مدى الاستياء على رقعة جغرافية ضخمة , بل أيضا لأن هذه العاصفة من الغضب الشعبي تطرح تساؤلا فيما يتعلق بتركيبة ( بنية ) جغرافية محددة كان يعتقد حتى اليوم أنها صلبة كالفولاذ . في حالتنا هذه , كانت هذه الديكتاتوريات قديمة العهد قد شكلت و دعمت و تعززت وفق المصالح الجيو – إستراتيجية للولايات المتحدة ( و شريكها الأصغر , الاتحاد الأوروبي ) في منطقة ذات أهمية استثنائية فيما يتعلق بالنفط خاصة . في عام 1989 كانت النتائج السياسية للمظاهرات عميقة و طويلة الأمد – لم يعن سقوط الأنظمة “الاشتراكية الفعلية” فقط سقوط بعض الديكتاتوريات البيروقراطية الكريهة , بل و بسبب الضعف النسبي لليسار التحرري و الثوري الحقيقي , مثل سقوطا لمجموعة من القيم و الآفاق السياسية ؟؟ التي ربطت على نحو غير صحيح مع الكتلة السوفيتية , و الصعود الجامح لليبرالية الجديدة كنظام لا ريب فيه في المجال الاقتصادي , السياسي , القيمي و الإيديولوجي .كانت هذه نهاية التاريخ بحسب بعض المحامين الشرسين “للنظام العالمي الجديد” . لكن التاريخ بقي يكتب , كما جرى بشكل دراماتيكي في سياتل 1999 من قبل الحركة المناهضة للعولمة . و عندما كانت هناك حاجة للمزيد من الاحتجاجات كانت هناك موجة النضالات المباشرة بين عامي 2000 و 2005 في أمريكا الجنوبية التي تحدت أسس هذا النموذج , حيث لعبت الشعوب , الطبقات المضطهدة و المستغلة , الأدوار الرئيسية في هذا التاريخ .الأحداث في العالم العربي التي حبست أنفاسنا في الشهرين الماضيين هزت النظام العالمي الجديد في واحدة من أقوى حلقاته – تلك الديكتاتوريات التي حافظ عليها “العالم الحر” لعقود لتؤمن التدفق المتواصل للنفط و ليحتفظ بموطأ قدم عسكري في منطقة ذات أهمية اقتصادية و جيو – إستراتيجية هائلة لصالح الإمبراطورية . هذه الانتفاضات تجري في قلب الرأسمالية العالمية , حيث يبقي تدفق النفط استمرار التجارة و الصناعة الدوليتين . إنها تجري في دول جميعها من الحلفاء المقربين لواشنطن , من هنا يأتي المحتوى المعادي للإمبريالية لهذه الاحتجاجات ( حتى الديكتاتور الليبي , القذافي , كان قد أصبح شريكا مقربا للولايات المتحدة و الاتحاد الأوروبي في مرحلة “الحرب على الإرهاب” ) . و جميعها بلدان قد تآكلت بفعل تناقضات داخلية مؤثرة , حيث تواجد الجوع إلى جانب نمو الاقتصاد الكبير ( الماكرو ) و تزايد ثراء الأسر الحاكمة . لكن هناك شيئا آخر – إنها في نفس الوقت تتحدى و تهز الأسس السياسية للنظام . أولئك الذين ينادون “بالديمقراطية” قد استفزهم الجدال السياسي الشديد على المستوى الدولي عن المضمون السياسي لهذا التعبير المطاط ( الفضفاض ) كما في تعبير “الديمقراطية” . قبل كل شيء لأن “الديمقراطية” التي يتحدث عنها الليبراليون أصحاب البذلات و أربطة العنق في دهاليز السلطة ليست نفس الديمقراطية التي في أذهان الناس المتظاهرين في الشوارع .

مفهومان متناقضان عن الديمقراطية

إن صورة اضطلاع العامة ( الجمهور ) بدور قيادي في السياسة هي أسوأ كابوس للطبقة الحاكمة التي تعني “الديمقراطية” بالنسبة لها الحفاظ على البنية القانونية و الاقتصادية التي تدعم امتيازاتها الحصرية . لذلك ليس من قبيل المصادفة أن الإعلام الرأسمالي كان يبث الدعوات إلى “الاستقرار” و “النظام” , إلى جانب الدعم الرسمي للحاجة إلى الديمقراطية في البلدان العربية ( “متناسيا” دعمه التقليدي للأتوقراطيات ( أو الأنظمة الاستبدادية ) المحلية ) . مثلا في El Mercurio ( 11 فبراير شباط ) كتب ديفيد غالاكر ملاحظة نمطية : “لا يمكنك أن تحكم أي بلد من الشارع , على الرغم من كل الأوهام التي تقول عكس ذلك و التي يحملها بعض مثقفي الديمقراطية المباشرة المتطرفة التشاركية” . آراء كهذه جرى التعبير عنها بالجملة في الإعلام الرسمي .
من المثير للاهتمام هنا ذكر ممارسة الحكم من الشارع , حيث أنها تظهر الحدود الضيقة للديمقراطية البرجوازية الشكلية . دعونا نوضح بعض المفاهيم ( الأفكار ) التي استخدمها غالاكر : عندما تحدث عن الشارع , فإن ما فعله هو مساواته بالشعب . عندما قال أن الديمقراطية لا يمكن أن تكون شكلا تشاركيا “متطرفا” , فإنه قصد أن الطبقة العاملة ( “المتطرفة” في معارضة الطبقة التي يمثلها ) يجب أن تستبعد من اللعبة الديمقراطية . لنفس هذا السبب علينا أن نستبعد الفقراء و العمال وفقا لفكرته عن الديمقراطية من أي مشاركة مباشرة في إدارة شؤونهم , إنهم يحاولون لذلك أن يتخذوا مظهر “الجدية” و “الاحترام” لكي يخفوا المصالح الطبقية لهذه الرؤية .
في مقال له عن الانتفاضات العربية , يضع الكاتب الأوروغواياني راؤول زيبيتش اليد على الجرح :
“يظهر النظام بشكل جيد أنه يمكنه أن يعيش فقط من خلال سلطة دولة ما , حتى أكثرها “راديكالية” أو “عداءا للمؤسسة أو للنظام” , لكنه لا يتحمل وجود الناس في الشوارع . يمكننا أن نقول أن الناس في الشوارع هم المفتاح في أعمال تراكم رأس المال , لذلك كانت من بين أولى “الإجراءات” التي اتخذها الجيش ( المصري ) بعد أن انسحب مبارك إلى سكنه التقاعدي هو مطالبة الناس بترك الشوارع و العودة إلى العمل” . ( 2 )
الشارع هو المكان الأفضل حيث يجري التعبير عن السلطة من الأسفل . إنه مكان رمزي حيث يخوض فيه الناس معركتهم حتى الموت مع من هم في الأعلى . هناك حيث يختبرون الأساليب البديلة لمعالجة “الشؤون العامة” . في كل مرة اندفع فيها الناس إلى منصة التاريخ من خلال احتجاجاتهم فإنهم دائما – من خلال ممارسة الديمقراطية المباشرة – أوجدوا مؤسساتهم الخاصة بهم خارج المؤسسات الرسمية , الدولة , و في معارضتها . هذه هي الحال منذ الثورة الفرنسية , عندما شكلت البروليتاريا في عام 1792 أول كومونة لها في باريس و أقام الشعب ( أو الناس People ) أجهزة للديمقراطية المباشرة الوليدة , فقط ليشاهدوا كيف جرى الاستيلاء عليها فيما بعد , و سحب الاعتراف منها و أخيرا سحقها على أيدي البرجوازية اليعقوبية في نضالها ضد النظام القديم .
للديمقراطية حدود دائما و البرجوازية تعرف هذا – المشكلة في من سيضع هذه الحدود . في اليونان الكلاسيكية , حيث ولد المفهوم ( مفهوم الديمقراطية ) كانت الحقوق الديمقراطية امتيازا فقط “للمواطنين” , أقلية من السكان الذين عاشوا من عمل الأكثرية المستعبدة . في الديمقراطيات الغربية , و لفترة طويلة , حرمت المستعمرات ( المستوطنات ) التي أطعمت المدن من الديمقراطية أو حرم منها العمال المحليون الذين كانوا دون ملكية أو تعليم . في إسرائيل “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” كما تقول الفكرة السائدة يستبعد الفلسطينيون تماما من نعم الديمقراطية . في الولايات المتحدة نفسها , الدولة الأكثر “ديمقراطية” في العالم ( كما تقول ) و على الرغم من انتخاب رئيس أسود البشرة مؤخرا , فإن واحدا من كل أربعة رجال أمريكيين من أصل أفريقي يقاسي في السجون الأمريكية المنتشرة , و الكثير منهم ينتظر الإعدام . الآخرون يعيشون في معظم الحالات في غيتوهات , بينما يعمل نظام الحزبين كالسحر لصالح النخبة العسكرية الصناعية . دعونا نأخذ أي ديمقراطية غربية على سبيل المثال , ما تسمى بالديمقراطيات “التمثيلية” , قم باستطلاع بسيط عن الطبقة الاجتماعية و جنس غالبية البرلمانيين , النتيجة ستكون ساحقة , أنهم ذكور من الطبقة الرأسمالية . يشكل الرأسماليون أقلية صغيرة جدا من المجتمع , لكن معظم البرلمانيين منهم . ستلاحظ أيضا أن المجموعات الأثنية أو القومية المضطهدة غير ممثلة أيضا . تجري حماية الماكينة الانتخابية و المؤسساتية بألف خدعة لمنع تمثيل حقيقي للشعب ( أو الناس People ) .
على العكس من ذلك فإن مفهوم الديمقراطية التشاركية أو المباشرة هو القطب المناقض لمفهوم الديمقراطية التمثيلية كما تدافع عنها الطبقة الرأسمالية و متملقيها . يجري تحديد حدودها من قبل الجماهير ( الناس , الشعب People ) الثائرة ( و المنظمة ) , التي تكتسب خلال الصراع وعيا جديدا بقدراتها و بوجودها . الديمقراطية المباشرة في الثورة الفرنسية بين عامي 1792 و 1793 فرضت حدودا على المضاربين , و قوت لبعض الوقت الصراع ضدهم . كل الخبرات السابقة لسلطة الشعب و للديمقراطية المباشرة التي حدثت على مدار التاريخ استبعدت فكرة الاستغلال الاقتصادي . المشاركة المباشرة لكل عضو في المجتمع , الممارسة الجماعية للسلطة , أغرقت الأقلية الرأسمالية في بحر مصالح الناس ( الشعب ) التي جرى التعبير عنها بكل حرية و بشكل مباشر . ليس من قبيل المصادفة لذلك أن تتجاهل الديمقراطية المباشرة التمييز بين السياسي و الاقتصادي ( هذا هو أسوأ رعب للرأسماليين ) و تتجه نحو جمعنة الملكية . الشارع هو مكان رمزي هام . لكنه غير كافي بحد ذاته . تدريجيا ينتهي الناس دوما بإدراك أن “الديمقراطية” , ديمقراطيتهم المباشرة التي ظهرت في إطار النضال , تشتمل أيضا على جمعنة الأعمال , المناجم , الأرض , المعامل و المكاتب .
عندما يتولى الناس مسؤولية شؤونهم , فإننا نرى بوضوح أنه لا يمكن أن توجد مساواة سياسية دون مساواة اقتصادية .

الديمقراطية المباشرة في اللجان الشعبية

في مصر , كما في كل مكان من العالم العربي , ظهرت اللجان الشعبية التي أظهرت القدرة السياسية للطبقات العاملة . إن غالاكر مخطئ عندما يقول أنه لا يمكن حكم بلد ما من الشارع . في الواقع كان “الشارع” في مصر و تونس و لعدة أسابيع المكان الوحيد للحكم .
هناك الكثير من شهود العيان على كيف مورست الديمقراطية المباشرة من خلال اللجان الشعبية في مصر و تونس و ليبيا , نعرف عنها بفضل المراسلات الجيدة لبعض المراسلين العالميين . دعوني أقتبس إحداها من “كومونة ميدان التحرير في القاهرة” التي أعتبر أنها نموذجا جيدا عن شهادات العيان هذه :
“انطلق المصريون من كل الفئات الاجتماعية بشكل طوعي لتنظيف الشوارع , و توجيه المرور في وقت الظهيرة , منسقين تنظيم الدوريات في الأحياء مع وقوع الحوادث الأولى للنهب و منظمين حتى لجان الدفاع الذاتي في أثناء مواجهات الثاني من فبراير شباط مع البلطجية , منظمين نقاط للتفتيش و مواقع للمراقبة , و مستشفيات مؤقتة لمعالجة الجرحى ( .. ) لم يتردد الناس في أن يتشاركوا أو يعطوا القليل الذي يملكونه من طعام أو شراب .
متغلبين على إرث طويل من العداء و الشك المتبادل على أساس الفوارق الطائفية , كانت هناك مصر واحدة لكل شخص في ميدان التحرير : للرجال و النساء , الصغار و الكبار , المسلمين و المسيحيين . حوار حي و مفعم بالقوة – حر و زاخر بالمعاني , ملأ فجأة كل الزوايا الأربعة لميدان التحرير , ناقلا عن طريق مكبرات الصوت كل طيف الآراء و الأفكار السياسية الحاضرة . أي تبني عام لأية مقترحات جرى بشكل ديمقراطي من خلال تصويت الأغلبية المباشر ( .. )
في لحظة ما صوت سكان ميدان التحرير فيما إذا كان يجب أن ينتخبوا ممثلين عنهم ليتخذوا القرارات المصيرية نيابة عن حركة الاحتجاجات , لقد صوتوا بشكل ساحق و حازم بلا على هذا الاقتراح” ( 3 ) .

هذه الشهادة تتطابق مع غيرها من الشهادات التي نشرت عن هذه اللجان , التي تذكر بانتشار المؤسسات الديمقراطية المباشرة في الأرجنتين بعد أزمة ديسمبر كانون الأول 2001 و الانتفاضة الشعبية التي صاحبتها . حتى صحيفة “الإيكونوميست” المحافظة قالت ( 5 – 11 مارس آذار 2011 ) دون أن تذكر صراحة اللجان الشعبية في ليبيا , بل مشيرة فقط إلى حالة التنظيم في “المناطق المحررة” أن :
“في المناطق التي تحت أيدي الثوار , لم يكن الخوف من الانزلاق إلى الفوضى حقيقيا . فرغم نقص أفراد الشرطة , لم تزداد الجرائم . لم تبلغ الطالبات اللواتي حضرن الاحتفالات عن وقوع أي تحرش . لأسبوعين تقريبا , كان أصحاب المطاعم يقدمون الشاي و السندويشات مجانا . ليظهروا إحساسهم الجديد بالتآخي عرض أصحاب الأعمال أن يقوموا بكنس الشوارع” ( 4 ) .
من المؤكد أن الديمقراطية المباشرة التي انتصرت في الشارع ليست علاجا شافيا لكل الأمراض , لوحدها , أو لحل جميع المشاكل التي تواجه الشعوب العربية بطريقة سحرية . لا البطالة و لا انعدام المساواة المتزايدة , و لا أسعار الطعام المرتفعة أصلا و التي ارتفعت أكثر . تظهر المواجهات بين المسيحيين و المسلمين في مصر هذا الأسبوع أن التفرقة الطائفية لم يتم التغلب عليها نهائيا . لكن الديمقراطية المباشرة تخلق فضاءات ( مجالات ) عامة يمكن أن تصبح فيها المطالب الشعبية إعصارا مدمرا , و قيادة جماعية تسعى إلى دفع المساواة و الجمعنة .

الثورة في العالم العربي – ليس فقط وضع نهاية للديكتاتوريات

بينما تستحضر الولايات المتحدة و دماها في المنطقة شبح القاعدة لكي تخلق عدم الثقة بين الناس في الغرب تجاه إخوتهم و أخواتهم العرب , فإن الانتفاضة في البلدان العربية استطاعت أن تبلغ مستويات غير متوقعة من القدرة على البقاء , ذاهبة أبعد بكثير من المطالب المحدودة لتغيير حكومة ما . كتب الصحفي مايكل جانسن في “Irish Times” ( 4 مارس آذار 2011 ) مقدما نظرة سريعة على التغييرات الهائلة داخل المجتمع المصري التي جرت في ظل الحكومة الانتقالية و كيف أن رياح التغيير لم تترك أي شخص في حالة المتفرج

“شكل طلاب المدارس الثانوية حركة تدعو لإعادة النظر في النظام التعليمي المصري . تطالب المنظمات النسوية بحقوق متساوية و تمثيل كامل في الحكومة و المجتمع المدني . يطالب الصحفيون بإنهاء التقييدات على الإعلام و إبعاد المحررين و أعضاء المجالس الذين دعموا الخط الحكومي في ظل نظام مبارك” .
“دعا الشيوخ , المبشرون , و طلاب أقدم مؤسسة مصرية أي جامعة الأزهر إلى تحريرها من ألف عام من سيطرة الحكومة . أصحاب العمائم الثوريون يصرون على أن يجري انتخاب شيخ الأزهر , الذي هو مدير جامعتها و أكبر رجل دين سني في العالم , و بقية المراكز المهمة و لفترات محددة عوضا عن أن يعينوا مدى الحياة …
الأساتذة , العاملون في الخدمة المدنية , أساتذة الجامعات , المحامون , القضاة و العمال في المصانع العامة و تلك التي تمت خصخصتها يعبرون عن غضبهم نحو المسؤولين , و المدراء غير الأكفاء و ضد الفساد المنتشر . عشرات الآلاف من العمال في صناعة النسيج , شركات الاتصالات , معامل الحديد و الفولاذ , و المشافي , و الجامعات و الصناعات العسكرية , و قناة السويس , شرعوا بالإضراب , في البداية دعما للحركة الديمقراطية و بعد ذلك للمطالبة بأجور أعلى و ظروف عمل أفضل . و يدعو العمال إلى حل اتحاد النقابات المصري الحكومي . و في يوم الأربعاء أسست عدة نقابات اتحادا ( نقابيا ) مستقلا” ( 5 ) .
مثل صندوق بندورا فتحت الثورة العربية الباب أمام كل تلك المطالب و الشكاوى التي قمعت لعقود , إن لم يكن لقرون . لقد خلقت الجماهير حركة تاريخية فريدة , رافعة تاريخية لتشكيل المستقبل . و قد أثبت الشعب أنه لاعب قوي , رغم شبابه و انعدام خبرته النسبي . أولئك الذين يصوغون الديمقراطية العربية المباشرة اليوم يحضرون لتحقيق قفزة نوعية في ثورتهم , لكي يحولوها إلى ثورة اجتماعية رائعة على المدى المتوسط .
لهذا فإن كلا من الطبقات الحاكمة المحلية و عملاء النظام السابق , إلى جانب أسيادهم الإمبرياليين يضعون احتواء الديمقراطية المباشرة كأول مهمة أمامهم من خلال عملية “الانتقال” أو “المأسسة” و “الإصلاحات الديمقراطية” التي ستغير المضمون التشاركي لهذه الانتفاضات , دافعة إياها نحو “ديمقراطية تمثيلية” آمنة و عديمة الخطر . هذا هو سبب وجود كل تلك الحكومات الانتقالية المدني منها أو العسكري – أن تكون وجها مقبولا للثورة المضادة .

التحدي القادم , نشر و تجذير الثورة

تعرف الولايات المتحدة أن ما يدور الصراع عليه اليوم هو حديقتها الخلفية . رئيس هيئة الأركان المشتركة مايك موان , اعترف أنه قد جرت تغييرات سريعة في المنطقة و أنهم لا يحاولون فقط ملاحقة الأحداث بل و أن يؤثروا في مجرى الأمور ليدفعوها في الاتجاه الذي يريدونه وفقا لمصالحهم الخاصة ( 6 ) . و هم سيتلقون المساعدة في هذا الخصوص من الحكومات “الانتقالية” و الديكتاتوريات التي ما زالت ممسكة بزمام السلطة , عارضين إصلاحات شكلية فقط . لكن ما تزال أمامهم مهمة عسيرة و شاقة , لأن الجماهير العربية لا تبدي أدنى إعجاب أو حماسة “لطريقة الحياة الأمريكية” . أكثر من ذلك فإن الاستياء من الأمريكان , كداعمين أساسيين لأنظمة الاستبداد المحلية , ضروري لفهم الاحتجاجات العربية . إن عقودا من المشاركة مع إسرائيل و من التعاون مع السياسات الطائشة للإمبريالية الأمريكية في المنطقة ساعدت بلا شك في تآكل شرعية هذه الأنظمة ( 7 ) . هذا ما عنيناه بالمحتوى المعادي للإمبريالية الذي لا يمكن إنكاره لكل هذه الاحتجاجات , و هو شيء لاحظه حتى الديكتاتور اليمني علي عبد الله صالح نفسه مؤخرا في بادرة من الديماغوجية و النفاق المريع , في مؤتمر في العاصمة صنعاء عندما قال أن كل هذه الأحداث هي من عمل تل أبيب لخلق عدم الاستقرار في العالم العربي , و أن كل شيء “يجري التحكم به من قبل البيت الأبيض” ( 8 ) . لقد قال هذا لأنه يعلم الاستياء العميق في المنطقة من حليفه الأمريكي و كان يحاول أن يستغله بشكل سخيف – بينما يضع في نفس الوقت 300 مليون دولار في جيبه يستلمها من البيت الأبيض نظير مشاركته في “الحرب على الإرهاب” . لم يتأثر أي إنسان في العالم العربي بهذه الديماغوجية الخرقاء , حتى لو بدت الأمور خارج العالم العربي مختلفة بعض الشيء , و كان لها بعض الأثر على بعض أقسام اليسار , خاصة إذا أخذنا بالاعتبار الأحداث في ليبيا ( 9 ) .
لم تنته الثورات بعد في البلدان العربية , و لا حتى في تونس أو مصر . حتى ربما أنها هي أقل في هذين البلدين . الثورة , هذا الاستيقاظ العظيم للشعوب العربية , قد بدأت للتو , كما يظهر في الاحتجاجات التي أجبرت في الأسابيع الأخيرة فقط اثنين من رؤوساء الحكومات المعينين حديثا – التونسي محمد الغنوشي ( مع 5 من أعضاء حكومته ) , و أحمد شفيق في مصر , على الاستقالة . تستمر الاحتجاجات الشعبية لتسعى إلى استبعاد كل عناصر النظام القديم و إلى تفكيك جهازه الأمني و تطبيق قائمة طويلة جدا من المطالب الشعبية .
كما تذكرنا تجربة الأرجنتين , فإن مراحل الأزمة المفتوحة هذه مائعة نسبيا , و التغييرات السياسية شائعة في هذه الأوقات , و إذا لم يتمكن بديل الشعب من الانتصار فإن بديل الطرف الأقوى سرعان ما ينتصر و يستعيد الأرض التي فقدها . ما لا يمكن استمراره هو أزمة سياسية طويلة الأمد . و هنا يجب أن نذكر كلمات رفيقنا السوري مازن كم الماز الذي قال أن “اللجان الشعبية يجب أن تصبح أساسا لحياة جديدة , و ليس فقط إجراءا مؤقتا” ( 10 ) .
هذه اللجان هي الأساس لديمقراطية جديدة للشعب , ديمقراطية مباشرة و تشاركية , تقوم على التجمعات ( الاتحادات الشعبية ) التي تبنيها النساء و الرجال يوما بعد يوم في خضم الثورات العربية .
لكن التحديات ليست سهلة بأي حال من الأحوال . كيف يمكن أن نحول هذه الخبرات أو التجارب مع الوقت بحيث تصبح شيئا أكثر من مرحلة عابرة في النضال , نواة لمجتمع جديد ؟ كيف يمكننا أن نضمن أن هذه الاقتراحات غير المنسقة و المحلية ( الفئوية ) يمكن أن تنضج في مشروع اجتماعي بديل ؟ لدى الشعوب العربية القدرة على أن تعمق و تجذر الحركة ( تجعلها أكثر جذرية أو راديكالية ) , إضافة إلى أن تتقدم وراء الأزمة الحالية . إنهم واعون لأن الإصلاحات الشكلية لهذه “الحكومات الانتقالية” التي يعرفونها , هي في النهاية مجرد طريقة لاحتواء الجماهير . فقط الوقت سيظهر كيف يمكن حل الأزمات , لكن ما هو واضح أنه كيفما سار الوضع , فلن تكون الأمور هي نفسها بالنسبة للشعوب العربية أو لبقية العالم .

الهوامش

1 – http://www.anarkismo.net/article/18678
2 – //alainet.org/active/44376
3 – http://www.socialistproject.ca/bullet/467.php#continue
4 – http://www.economist.com/node/18290470?story_id=18290470
5 – http://www.irishtimes.com/newspaper/world/2011/0303/1224291282961.html
6 – //engilsh.peopledaily.com.cn/90001/90780/91343/7308634.html
7 – تهريج ( أو السلوك المتهور ) الديكتاتور الليبي الذي كان حتى وقت قريب أفضل أصدقاء الغرب و نموذجا يحتذى عن العلاقات به بحسب وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة غونداليزا رايس قد حوله إلى أشبه بمهرج موالي للأمريكان بعيون شعبه . أكثر من ذلك ففي البلاد التي كانت الولايات المتحدة مهتمة بنقل الاحتجاجات إليها مثل سوريا و ليبيا و إيران , كانت الاحتجاجات ضعيفة جدا أو غير موجودة . هذا يثبت أننا نتحدث عن ديناميات مختلفة ( اتضح أن هذا الحكم كان متسرعا , كما أثبتت التطورات اللاحقة التي أدت إلى اندلاع الثورة السورية في يوم نشر المقال نفسه رغم أنه لا يغير من حقيقة أن الغرب عموما و الولايات المتحدة خصوصا عملت في سوريا كما في كل مكان آخر على منع تحقيق انتصار كامل حقيقي للجماهير الثائرة , تاركة إياها بالفعل تحت رحمة القمع الوحشي لنظام الأسد و باحثة عن نخبة حاكمة جديدة موثوقة يمكن نقل السلطة إليها عندما تقترب بشائر انتصار الثورة – المترجم ) .
Note by the translator : the later events in Syria showed that the writer s view isn t correct . US and other imperialist powers supported verbally the Syrian revolution , but in fact , they left the Syrian masses vulnerable to the brutal oprression of the regime . And as everywhere , they called in Syria also for calm and disciplinary transition , trying to create a new trustworthy ruling elite that can replace Al Asaad regime , rather than a real and full victory of the revolting masses .
8 – The economist , 5 – 11 مارس آذار 2011 , الصفحة 45
9 – أشير إلى مقالة ممتازة لرولاند أستاريتا , الذي يلخص بعض النقاشات في اليسار الأمريكي اللاتيني ( الجنوبي ) بهذا الصدد . حتى لو لم تتفق مع كل ما ورد فيه , فإنه مقال حاد و عميق , و إني أعتقد أنه , على الأقل في روحه , صحيح على الأغلب . //rolandastarita.wordpress.com/2011/03/07/la-inquierda-y-libia و الردود على منتقديه //rolandastarita.wordpress.com/2011/03/10/criticos-nacionales-y-libia
10 – http://www.anarkismo.net/article/18923

نقلا عن http://www.anarkismo.net/article/19017

كلمة المترجم – نشرت هذه المقالة في موقع anarkismo.net الأناركي الأممي في 15 مارس آذار من العام الماضي لكن التحليل الأساسي فيه ما زال يحتفظ بقيمته و أهميته , إضافة إلى أن خبرة العام التالي لكتابته يمكن أن تشرح الكثير من المواقف و التنبؤات التي احتوى عليها , الملاحظة الأهم تتعلق بالموقف من الثورة السورية و الذي كان نتيجة لتأثير اليسار الستاليني و التقليدي على الرفاق في الحركة الأناركية العالمية و الذي سرعان ما تغير بعد اتصالات جرت بينهم و بين أناركيين عرب و سوريين . الاستنتاج الأهم للمقال سيحتفظ بحيويته طالما لم تحسم الثورات العربية شكل الحكم التالي , خاصة شكل الديمقراطية التي يجري البحث و النضال لتشكيلها , فإن البديل الذي يدعو إليه التحرريون العرب واضح : ديمقراطية شعبية مباشرة و تشاركية , مازن كم الماز

https://www.facebook.com/pages/%D9%85%D8%A7%D8%B2%D9%86-%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B2/159164214145031?sk=wall


Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s