تعريف بالاشتراكية التحررية / 11

سامح سعید عبود

ممارستنا النضالية

هناك مفهومان للثورة فى إطار هدف القضاء النهائى على القهر و الاستغلال، الثورة السياسية والتى تعنى استيلاء البروليتاريا على السلطة السياسية، بواسطة حزب يدعى تمثيلها، لتمارس قهرها المؤقت على البورجوازية من أجل القضاء على الاستغلال، فينتهى القهر بالتبعية بانتهاء مبرراته، والثورة الاجتماعية، والتى تعنى القضاء على أدوات القهر السياسية و الاجتماعية الممثلة فى الدولة فينتهى الاستغلال بالتبعية حيث تفقد البورجوازية من يحميها فى مواجهة البروليتاريا.

الاستيلاء على السلطة السياسية من قبل البروليتاريا المنظمة من خلال حزب سياسى، يتجاهل إمكانية أن يتحول هذا الحزب لمحتكر للسلطة دون الغالبية مما يؤول لاستمرار القهر و الاستغلال باسم البروليتاريا ، و هو ما حدث فعليا مع تحقق هذا النموذج عمليا فى روسيا 1917.

الثانى يتحدث عن إمكانية زوال الدولة و سقوطها من خلال الثورة العفوية للبروليتاريا، دون أن يوضح لنا ما الذى سيمنع من إعادة خلق الدولة مجددا على نحو أكثر تسلطا، و ذلك بواسطة الجماهير نفسها التى ثارت لتوها علي الدولة حتى حطمتها، وذلك كملاذ لها من حالة الفوضى وغياب الأمن والنظام الذى سيخلقها غيابها المفاجى قبل أن ينتظم المجتمع من جديد على الأسس التحررية كما حدث فعلا فى أسبانيا 1936.

النموذج السلطوى الأول يراهن على الثقة فى الحزب السياسى كمؤسسة و كأفراد، باعتباره ممثلا للبروليتاريا و وكيلا عنها، و وصيا عليها، ومعبرا عنها، و مجسدا لمصالحها، و بحكم إدعائه غير المبرر، و لا المبرهن عليه، سوى أن أعضائه يتبنون و يناضلون فحسب من أجل تحقق هذه الفكرة، فهم يدعون أنهم القطاع الأكثر تقدما فى البروليتاريا بحكم هذه العضوية، ومن ثم فإن لهم الحق المطلق فى التعبير والوكالة والتمثيل والوصاية والسلطة، وهذا افتراض زائف و ساذج لا يدرك مدى تعقد الظواهر الإنسانية والاجتماعية، و تشابك دوافعها و تقلباتها .

النموذج اللاسلطوى الثانى يراهن على لحظة نادرة تاريخيا، وهى لحظة الاحتجاج العفوى و التلقائى للجماهير المقهورة و المحرومة ضد السلطة، مضيقا أكثر من فرص نجاح مراهنته، و ذلك بتوقعه أن تستطيع البروليتاريا فى أحد هذه اللحظات النادرة أصلا أن تحطم تماما كل أدوات القهر لتبدأ فى بناء مجتمعها اللاسلطوى من أسفل لأعلى، وهذا فرض خيالى تماما.

أما ما نطرحه نحن فهو أن هناك دائما إمكانية للتحرر الذاتى لقطاعات يمكن أن تزداد تدريجيا من البروليتاريا من داخل أحشاء و من هامش النظام الرأسمالى القائم، عبر كل من النضال الجماهيرى ضد النظام القائم، من ناحية، وبإقامة نماذج لمجتمع المستقبل من هامش وداخل المجتمع الحالى من ناحية أخرى، مستندين فى ذلك إلى أنه فى كل المجتمعات الرأسمالية، و بدرجات ومستويات متفاوتة بالطبع، و وفق الظروف السائدة فى كل مجتمع، و بمعزل عن كل من الدولة و رأسالمال، و بعيدا عن المخططات الخيالية و النظرية، نلاحظ ممارسة البشر فعلا العديد من أنشطتهم وفق القواعد الاشتراكية التحررية دون حتى معرفتهم بأنها اشتراكية تحررية، و ذلك من خلال العديد من المنظمات الاجتماعية أبرزها التعاونيات، وشتى الأشكال من النشاط الإنسانى الجماعى المنظم بشكل مستقل عن كل من الدولة و رأسالمال، التى تقوم بين أفراد متساويين ومتعاونين على نحو طوعى بهدف التكافل والتعاون والتضامن فيما بينهم، و قد يكون لبعضها الطابع غير المعلن و الرسمى و المقنن كالتعاونيات، و قد يكون بعضها غير رسمى، و لا مقنن كما فى الكثير من الممارسات اليومية التى يشارك فيها الناس دون أن يدركوا أنها ممارسات اشتراكية تحررية تلبى الكثير من احتياجاتهم، إلا أن هذه الممارسات محكومة فى النهاية بالإطار السلطوى للمجتمع، ومن ثم تعوزها العديد من التطورات و التغيرات، لتتحول فى النهاية لتيار اجتماعى قوى، قادر فى النهاية أن يكنس كل من الدولة و رأسالمال من عن كاهله، وهذا هو ما يسعى إليه الاشتراكيون التحرريون، من خلال وسيلتين:

أولهما نشر الأفكار الاشتراكية التحررية، والكشف عن كيف تستغنى البروليتاريا عن كل من الدولة و رأسالمال، و كيف تتخلص من تأثيرات الساسة السلطويين، لتتأهل عمليا لهذا الاستغناء، لكى تكون قادرة على أن تدير أنشطتها المختلفة وفق القواعد الاشتراكية التحررية .

وثانيهما النضال من أجل تطوير مثل هذه الأنشطة والمنظمات التعاونية والتكافلية، وهى عملية تستدعى استقلال هذه الأنشطة والمنظمات و الممارسات فعليا عن كل من الدولة و رأسالمال و الساسة السلطويين، و من أجل أن تتوسع هذه الأنشطة لتشمل كل ما هو ممكن من الأنشطة البشرية، و فق شروط و ظروف كل مجتمع على حدة .

و ثالثهما من أجل تحقيق كل أهدافنا سواء المرحلية أو النهائية، فإننا نمارس النضال الجماهيرى مع الجماهير وليس بمعزل عنها و لا نيابة عنها، وذلك بالمشاركة الفعالة سواء بالتحريض أو الدعاية أو التنظيم فى كافة أشكال النضال الجماهيري من أجل تحقيق أى مطالب اقتصادية أو سياسية أو ثقافية تخص تلك الجماهير من المناضلين بشرط أن تتفق هذه المطالب وأهدافنا ومبادئنا، بدءا من أبسط أشكال هذا النضال كعرائض الاحتجاج البسيطة مرورا ب كافة أشكال الاعتصام والتظاهر والإضراب، ،والاستيلاء على المنشئات و إدارتها ذاتيا، وصولا إلى الإضراب العام، والعصيان المدنى العام، و الانتفاضة الثورية، حسبما تسمح به نوعية المطالب، و حسبما تسمح به الظروف الواقعية المحيطة بالنضال الجماهيرى.

ونحن نرى أنه طالما اقتصرت العملية الديمقراطية على مجرد صناديق الانتخاب، فإن المشاركة فيها أو مقاطعتها لابد وأن تحسب وفق ما قد تحققه من فوائد لقضية تحرر البروليتاريا، وحسب ما تجنبه من خسائر من مقاطعتها، لقضايا النضال الجماهيرى، مع استمرار النضال الجماهيرى إلى أن تتحول ديمقراطية التمثيل النيابى إلى ديمقراطية مشاركة حقيقية،ولأننا نعلم فى النهاية حدود الممارسة البرلمانية، فنحن نفضل أن يكون تغيير القوانين والتشريعات واللوائح، والتأثير فى القرارات الحكومية والإدارية عبر المشاركة الفعالة فى أعمال النضال الجماهيرى المختلفة، لفرض تحقيق برنامجنا الإصلاحى المرحلى لا عبر ديمقراطية البرلمان، و نسعى فى ضوء ذلك لفرض تحقيق برنامجنا الثورى النهائى عبر الانتفاضة الثورية والعصيان المدنى العام، وكافة أشكال الضغط الجماهيرى على السلطة بما فيها إزالتها، ومن أجل ذلك نشارك فى أنشطة المنظمات النقابية، واللجان الشعبية، والجمعيات التعاونية، والروابط الأهلية، من أجل تغيير القوانين والتشريعات واللوائح والقرارات.. وممارسة الرقابة الشعبية على السلطات العامة، والضغط عليها عبر أعمال النضال الجماهيرى المختلفة، وفضحها عبر الإعلام المستقل، و كشف حقيقتها عبر الأعمال الثقافية والفنية وغيرها… وذلك لأننا مقتنعون أن الاستغلال والقهر مثلما يتم بالعنف المسلح، فإنه يتم أيضا عبر الهيمنة الفكرية للبرجوازية التى تسيطر على وسائل الإعلام والثقافة والتعليم، مما يجعلها أكثر قدرة على حكم عبيدها الذين يكونون بتلك الوسائل أكثر امتثالا لوضع الخضوع.

الفسائل

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  گۆڕین )

Connecting to %s