حان الوقت لكي نقول ما نرى

مازن كم الماز

أعتقد أنه قد فات الوقت على محاولات رش السكر على الطعم المر للواقع , على تغطية الجرح بينما يكاد صراخ ألمه يمزق آذاننا بالفعل , أعتقد أنه قد حان وقت أن نعترف بعمق الجرح الذي خلفه الاستبداد , المحلي و الإقليمي و الدولي , الحاضر الأسدي و السابق منذ ما قبل أيام الحجاج و يزيد , داخل مجتمعنا , داخلنا , و داخل الناس الفقراء , بحيث أنه يدمر ليس فقط حاضرنا , بل و إلى حد كبير , مستقبل أطفالنا أيضا , هذه صيغة اعترافي الشخصي , أو “…” أميات هذا الزمان , كما عبر عنها نجيب سرور , عن مأزق أو أزمة الثورة السورية , عن أزمة أكبر إنجاز بدا قريبا ذات لحظة : أعني حرية الفقراء السوريين

– إن العرعور هو المكافئ السني لبشار الأسد العلوي , إن العرعور سني فقط بنفس درجة علوية بشار الأسد

– لقد نجحت عملية تأسيد – عرعرة مجتمعنا إلى حد كبير , يجب أن نعترف أننا نحن , الحالمون بالحرية و معنا كل الفقراء , أصبحنا اليوم محاصرين , عالقين بين هذين العدوين المتشابهين لدرجة التطابق , بين جنونهما و استهتارهما بنا و كرههم العميق لنا كبشر و كفقراء و لحريتنا.

– كما أن هوس بشار الأسد بالسلطة الذي يأخذ الشكل الطائفي أنتج شبيحة علويين فإن عرعرة الثورة السورية و تطييفها و عسكرتها الناجحة نسبيا قد أنتجت أيضا بالضرورة شبيحتها السنة , و إن كان يصعب مساواة كل الجيش الحر بهذا النمط من القتلة قساة القلوب , لكن كما قال أمل دنقل , إن جنس العسكر جنس مشوه حتى النخاع , مهووس بالسلطة و بالقتل حتى النخاع , جنس يجب العمل على إلغائه من الوجود بمحاولة إعادته إلى حياة طبيعية إنسانية , بتحريره من سلاحه لا إعادة إنتاجه مرة أخرى

– لقد صدمنا الفقراء السوريين فعلا , مرة عندما ثاروا و مرة عندما أضاعوا ثورتهم ( أو على وشك إضاعتها لنترك مجالا لشيء من التفاؤل ) , صدمنا الفقراء العلويين و هم ينفذون أوامر الديكتاتور بالقتل الجماعي , بالاغتصاب و الذبح الهستيري على الهوية الطائفية دفاعا عن نظام استبدادي استغلالي كنظام الأسد و عندما خروا يسجدون لديكتاتور تافه كبشار الأسد , و صدمنا الفقراء السنة بأن قبلوا أن يسجدوا لإله العرعور الذي يتفرج على مذبحتهم منذ 14 شهرا , ثم أن يقتلوا باسم إله العرعور بنفس طريقة شبيحة النظام , صدمنا الفقراء و هم يذبحون بعضهم بعضا لصالح قوى تستهتر بهم , تريدهم إما موتى أو عبيدا , و هم يذبحون بهذا أيضا حلمنا , و الذي يفترض أن يكون أيضا حلمهم , فرصتهم النادرة جدا , بالحرية لهم و لأطفالهم , حلمنا بالعدالة و المساواة , بعالم و سوريا جديدة

– لا أعتقد أنه يمكن اليوم تجميل الواقع فقط بنسبة كل الشرور للنظام , صحيح أن النظام يستحق نصيب “الأسد” من هذه الشرور و الأهوال , لكن القسم الذي يرتكب باسم طائفية معادية للنظام من الشرور يكفي لرفض محاولة تزويق هذه الشرور بهذه الطريقة , إن تزويق القتل , الذبح , بما في ذلك ذبح الأطفال , ليس فقط خيانة , إنها مشاركة أيضا في المذبحة , في القتل , في قتل الفقراء لبعضهم البعض , صحيح أننا أمام ضحية لكننا أمام ضحية على وشك أن تتحول أو تمسخ هي ذاتها إلى قاتل , إلى شبيح , لا تنسوا أن الشبيح هو أيضا ضحية لظروفه , لفقره , لغبائه , و لضعفه أيضا , هناك فرق هائل بين العدالة و الانتقام , ليس فقط على المستوى القيمي , بل أيضا على مستوى النتيجة , العدالة تنتج مجتمعا من دون قتل أو اضطهاد , من دون جلادين و شبيحة , الانتقام ينتج في أفضل الأحوال نسخة , جديدة , مختلفة طائفيا فقط من الجلادين و الشبيحة , و من سادتهم بالضرورة , عندما استخدم القذافي أهل تاغوراء ذوي البشرة السمراء ضد جارتها مصراتة و دفع لهم ليقتلوا و يغتصبوا و يسرقوا أهلها , انتهت اللعبة بأن قام أبطال مصراتة بتدمير تاغوراء و تهجير كل سكانها و ملاحقتهم في كل شبر من ليبيا , تعذيبهم و قتلهم و اغتصاب نسائهم , إننا أمام حلقة مفرغة من الانتقام و الانتقام القادم , عندما تصبح الضحية جلادا فتنتج ضحية جديدة تتحول إلى جلاد …….

– الجميع يبدو أنه يستثمر و يحاول الربح من تطييف الصراع بين الديكتاتورية و الجماهير المفقرة و المهمشة , ليس فقط النظام الذي يجد في استخدام الفقراء العلويين كقتلة ملجأه الأخير , المعارضة أيضا , بشقيها الإسلامي و الليبرالي , تريد أيضا أن تلعب نفس لعبة النظام , إنها تريد أن تظهر , خاصة أمام الغرب الذي يبدو لها أقرب الطرق إلى السلطة في سوريا الغد , على أنها “صمام أمان” لحشد منفلت طائفيا تعمل هي على تأجيج غرائزه الطائفية , و أنها قادرة أيضا , كما اعتاد النظام على القول , على السيطرة على القوى الأكثر تطرفا , و في نفس الوقت أن تبدو و كأنها تلعب دورا مناسبا , كيلا نستخدم كلمة جارحة , للمصالح السعودية ( و ربما التركية و حتى الغربية ) في سوريا , تتبادل السعودية و إيران المواقع في سوريا و البحرين , يستخدمان التطييف تارة ضد النظام القائم و تارة دفاعا عن النظام القائم , لكن بكل تأكيد ليس بغرض تحرير الشعبين السوري أو البحريني , بل بقصد التلاعب بدماء أبنائهما و مصيرهما لتحقيق نقاط هامة في صراعهما ضد بعضهما البعض

– الطائفية الشرقية هي المكافئ الشرقي للعنصرية الغربية , الشكل اللاعقلاني لتبرير الأزمات التي يعيشها الفقراء , و لتقسيمهم و لإبقائهم عبيدا لمن يستغلهم و حتى لاستخدامهم كقتلة مأجورين لمن يستغلهم ضد فقراء مثلهم “مختلفين” عنهم

– في سوريا اليوم ما هو أقل من حرب طائفية لكن فقط لأن حلب و دمشق لم تنضما بعد للمجزرة ,

– كنت أعتقد في بداية الثورة أن ضعف و انتهازية اليسار السوري قد لعبت دورا حاسما في كل الظواهر السلبية في الثورة السورية , لكني أعتقد اليوم أن اليسار لا يمكن أن يلعب دورا حقيقيا في فعل عفوي كالثورة , صنع العمال و الجنود و الفلاحون الروس ثورتهم ثم قفز عليها البلاشفة فقط ليمسخوها ديكتاتورية شمولية ستالينية , و كانت مبادرتهم بتنظيم أنفسهم سابقة على أي تنظير يساري و جرت بشكل عفوي كامل أحيانا على الضد من نصائح القوى اليسارية , و كنت أعتقد أن هذه الظواهر السلبية هي نتيجة مباشرة لطبيعة و بنية و سياسات النظام , لكني أعتقد أن الأحداث قد أثبتت لنا إلى حد كبير أن سلبيات الثورة السورية ليست فقط تعبيرا عن طبيعة النظام الهمجي و الدموي بل هي إلى حد كبير تعبير عن السلبيات الكامنة سواء في المعارضة أو حتى في المجتمع خاصة في الطبقات الأكثر إفقارا و تهميشا , إن التطور الشخصي لشخص مهمش لم يكن طائفيا أو مهووسا بتكفير الآخر قبل الثورة كالساروت هو نموذج هذه الثورة الفعلي , إنه نموذج لصعودها و بداية انحطاطها

– هناك اليوم أيضا يسار عرعوي – أسدي طائفي , يشارك في حالة التجييش الطائفي و الترويج لمسخ الثورة إلى صراع طائفي لكن بنجاح أقل من النسخة العرعورية – الأسدية الأصل , ربما لأنه يفتقد لفضائية مثل الدنيا أو وصال , ربما لأن السنة منهم مثلا يفتقدون لحية العرعور أو شاربه المحلوق على الطريقة السلفية أو غترته السعودية , أو لأن العلويين منهم لا يمارسون السجود للاسد أو ذبح الفقراء السنة , يسار أصبح ملالي حزب الله أو موظفو آل سعود أو صحفيوهم هم من ينظر لهم ما تعنيه السياسة , الوطنية أو الثورة اليوم , يجب ان أعترف أني اجد صعوبة الآن في المفاضلة أيهما أكثر سوءا : هذا النوع من اليسار أم اليسار الانتهازي الواقف إلى جانب الديكتاتور , أتحرج عن ذكر الاسماء التي أقصدها , من المناضلين الكبار , فقط كيلا أفاقم خيبة الأمل لا حبا في هؤلاء المناضلين

– الحرية , تبقى هذه اللعينة أجمل الجميلات , تبقى حلما جميلا يريد الكل تقريبا أن يغتاله أو أن يحوله كابوسا , إذا كانت الحرية كابوس الديكتاتور بالفعل , فإنها بالنسبة لأفضل شخوص “المعارضة” لا تعني إلا كرسي السلطة , قد يبدو في نهاية المطاف صحيح تماما ما قاله الثوار الفرنسيون و فعلوه قبل أكثر من مائتي سنة عندما رفعوا و مارسوا شعار : سنشنق آخر ملك بأمعاء آخر كاهن , نحن سنواصل الدفاع عن حلمنا حتى النهاية , و عن ما نفترض أنه حلم الفقراء و كل المضطهدين على هذه الأرض و في وطننا , لكن قد يكون على جيل قادم من الفقراء و المضطهدين أن يفعلها مرة أخرى , في تلك المرة سيكون عليه ألا يقتل بعضه بعضا , ألا يذبح أطفال جاره الفقير من الطائفة الأخرى أو يغتصب ابنته , بل أن يفعل مثل ثوار باريس , أي أن يشنق آخر أسد بأمعاء آخر عرعور.

https://www.facebook.com/pages/%D9%85%D8%A7%D8%B2%D9%86-%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B2/159164214145031

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s