المشكلة هي الإذعان المدني

كتب (هوارد زِينّ) Howard Zinn في .. 1970

بحلول أواخر مايو 1970 , كان الوضع العام بخصوص الحرب في فيتنام قد أصبح لا يطاق . في (بوسطن) , قرر حوالي مائة منّا المكوث في القاعدة العسكرية في بوسطن و قطع الطريق التي تستخدمها الحافلات التي تقل المجنّدين للخدمة العسكرية . لم نكن معتوهين حتى نتصور أننا بذلك نوقف تدفق الجنود إلى فيتنام . لكنه كان عملا رمزيا , بيان , عينة من حرب العصابات و قد تم اعتقالنا جميعا و اتهامنا , بلغة القانون الطريفة , بـ “التبختر و التسكّع” بطريقة تؤدي إلى عرقلة حركة المرور . و قد رفض ثمانية منّا الإقرار بالذنب , و أصرّوا على المحاكمة أمام هيئة محلفين , على أمل إقناع أعضاء هيئة المحلفين بأن عملنا كان عصيانا مدنيا مبررا . على أننا لم نتمكن من إقناعهم . و إذ أصبحنا مذنبين فقد اخترنا السجن على دفع الغرامة , لكن القاضي و قد كان محجما على ما يبدو من وضعنا في السجن , قد أعطانا 48 ساعة عسانا نغيّر رأينا و نقبل بدفع الغرامة , و كان علينا أن نتقدم بعدها إلى المحكمة إما لدفع الغرامة أو للحبس . في غضون ذلك , دعيت إلى جامعة (جزنز هوبكنز) Johns Hopkins University لمناقشة الفيلسوف (تشارلز فرانكل) Charles Frankel في مسألة العصيان المدني . و رأيت أنه سيكون نفاقا منّي , أنا المدافع عن العصيان المدني , أن اتقدم إلى المحكمة و أفوّت على نفسي فرصة التحدث إلى مئات الطلاب عن العصيان المدني . و هكذا , في اليوم الذي كان من المفترض أن أسلم نفسي فيه لمحكمة (بوسطن) , استقليت الطائرة إلى (بالتيمور) و تناقشت مساء اليوم ذاته مع (تشارلز فرانكل) . و عندما عدت إلى بوسطن , قررت إلقاء محاضرتي الصباحية , لأجد اثنين من المخبرين في انتظاري حيث ثم ضبطي و إحضاري بالقوة للمثول أمام المحكمة , ثم أمضيت يومين بعدها في الحجز .

ما يلي هو تسجيل لرأيي في المناقشة التي تمت في جامعة (جونز هوبكنز) . و قد أدرجت في كتاب نشرته مطبعة الجامعة سنة 1972 بعنوان : Violence: The Crisis of American Confidence

أبدأ من الإفتراض بأن العالم مقلوب رأسا عاى عقب . و أن كل الأمور في وضعها الخاطيء , و أن الأشخاص الخطأ موجودون في السجون , و أن الأشخاص الخطأ خارجها , و أن الأشخاص الخطأ موجودون في السلطة و أن الأشخاص الخطأ خارجها , و أن الثروة يتم توزيعها في البلاد , و أن العالم بمثل هذه الطريقة في التوزيع لا يحتاج إصلاحا صغيرا , بل يحتاج إلى إعادة توزيع جذرية للثروة . أبدأ من الإفتراض بأننا لا يجب أن نتحدث طويلا عن ذلك لأن كل ما علينا هو ان نفكّر في حالة العالم اليوم لندرك أن الأمور كلها مقلوبة رأسا على عقب . . القس الكاثوليكي الشاعر المعارض للحرب (دانييل بيريجان) Daniel Berrigan في السجن بينما (ج. إدجر هوفر) J. Edgar Hoover حر كما ترى . و (ديفيد ديلينجر) David Dellinger الذي عارض الحرب بكل طاقته مهدّد بالسجن . أما العسكر المسئولون عن مذبحة (ماي لاي) فلا يحاكمون , بل يخدمون في واشنطون في مختلف الوظائف الرئيسية و الثانوية , التي لها علاقة بإطلاق العنان للمجازر , التي تدهشهم عند حدوثها . و في جامعة (كنت) الحكومية Kent State University , يُقتل أربعة طلاب من قبل  الحرس الوطني , و يتم توجه الإتهام إلى الطلاب . و في كل مدينة في هذا البلد , عندما تُنظّم مظاهرة , يتم الإعتداء على المحتجين  بالهراوات من قبل الشرطة و من ثمَّ يتم القبض عليهم بتهمة الاعتداء على ضابط شرطة , بغض النظر عما إذا كانوا قد تظاهروا أم لا , و بغض النظر عما فعلوه حقا .

و أنا حاليا , أدرس عن كثب ما يحدث كل يوم في محاكم (بوسطن – ماساتشوستس) . قد تندهش , و ربما لا , و ربما كنت هناك , و ربما كنت قد عشت , أو فكرّت , أو اصطدمت بكيف تشق دوائر الظلم اليومية هذه طريقها عبر ذلك الشيء الرائع الذي نسميه : المحاكمة العادلة . تلك هي مقدمتي المنطقية .

إن كل ما عليك فعله هو أن تقرأ رسائل (جورج جاكسون) الذي حكم عليه بالسجن دون تحديد للمدة , لسرقة 70 دولارا من محطة بنزين , فقضى في السجن عشر سنوات , بينما يتم الاحتجاج على عضو بمجلس الشيوخ لحصوله على 185 ألف دولار أو شيء من هذا القبيل , كبدل للوقود . إحداهما سرقة و الأخرى تشريع . هذا خطأ , و ثمة خطأ أفدح عندما نقوم بشحن عشرة آلاف قنبلة ملئى بغاز الأعصاب عبر اليلاد , ثم نلقي بها في فناء شخص آخر حتى لا تسبب ازعاجا هنا . و هكذا تفقد منظورك الخاص بعد فترة . إذا لم تفكّر , و اكتفيت بمشاهدة التلفزيون و قراءة المناهج الدراسية المقررة , فستبدأ في التفكير بأن الأمور ليست على هذه الدرجة من السوء , أو أن هناك بعض أشياء قليلة فقط ليست على ما يرام . لكن عليك ان تنفصل قليلا , ثم تعود لتلقي نظرة على العالم , لتشعر بالرعب . لذلك يجب علينا أن نبدأ من الإفتراض بأن الأمور في الواقع مقلوبة رأسا على عقب .

و موضوعنا كذلك مقلوب رأسا على عقب : العصيان المدني . فبمجرد أن تقول أن الموضوع هو العصيان المدني , فأنت تقول أن مشكلتنا هي العصيان المدني . لكن العصيان المدني ليس مشكلتنا … مشكلتنا هي الإذعان المدني . مشكلتنا هي اعداد الناس التي تذعن لما يمليه قادة حكوماتها في جميع أنحاء العالم و تذهب إلى الحرب و تموت الملايين بسبب هذه الطاعة . مشكلتنا هي أن كل شيء هاديء على الجبهة الغربية , بينما تسير طوابير من تلاميذ المدارس إلى جبهة الحرب بإخلاص . مشكلتنا هي إذعان  الناس في جميع أنحاء العالم , في مواجهة الفقر و المجاعة و الغباء و الحرب و القسوة . مشكلتنا هي إذعان الناس بينما السجون مليئة بصغار اللصوص , و اللصوص الكبار يديرون البلاد . هذه هي مشكلتنا . و نحن ندرك ذلك من درس ألمانيا النازية . نعلم أن المشكلة هناك كانت الإذعان , أن الناس أذعنوا لـ (هتلر) . أطاعوه و كان هذا خطأ جسيما . كان ينبغي عليهم أن يتحدّوه , أن يقاوموه , و لو كنا هناك لأريناهم . و حتى في روسيا الستالينية , يمكننا تفهّم الوضع , الناس تذعن , كالقطيع .

لكن أمريكا مختلفة . هذا هو ما نشأنا عليه . و منذ كنا و لا أزال أسمع صداها في بيان السيد (فرانكل) . . ضع علامة أمام شيء , شيئان , ثلاث , أربع , خمس أشياء جميلة في أمريكا لا نريد أن نفسدها كثيرا . . لكن إذا كنا قد تعلمنا شيئا ما في السنوات العشر الأخيرة , فهو أن هذه الأشياء الجميلة في أمريكا لم تكن جميلة قط . لقد كنا توسّعيون و عدوانيون و وضعاء بالنسبة للآخرين في هذا البلد , و وزّعنا ثروة هذا البلد بطريقة ظالمة جدا . و ليس لدينا عدالة في المحاكم لا للفقراء و لا السود و لا الراديكاليين . فكيف يمكننا التباهي بأن أمريكا مكان خاص جدا ؟ و هي ليست بهذه الخصوصية . ليست كذلك حقا .

حسنا . هذا هو موضوعنا , و هذه هي مشكلتنا : الإذعان المدني . إن القانون مهم جدا . نحن نتحدث عن طاعة القانون . القانون , اختراع العصر الحديث الرائع , رمز الحضارة الغربية , الذي نتحدث عنه بفخر . و سيادة القانون , نعم , ما أروعها , وهي تتبع الحضارة الغربية في كل أنحاء المعمورة . هل تذكرون تلك الأيام السيئة القديمة  , عندما كان الإقطاع يستغل الناس ؟ لقد كان كل شيء فظيعا في العصور الوسطى , أما الآن فلدينا الحضارة الغربية , لدينا سيادة القانون . سيادة القانون التي قنّنت و ضخّمت الظلم الذي كان واقعا قبل سيادة القانون , هذا ما فعلته سيادة القانون . دعونا نعاين سيادة القانون بمنظار واقعي , لا بالتهاون الميتافيزيقي الذي عايناها به من قبل .

عندما تكون سيادة القانون محبّذة من قبل القادة و من قبل مصادر ازعاج الناس في جميع دول العالم , فعلينا أن نبدأ بإدراك ذلك . علينا أن نتجاوز الحدود القومية في تفكيرنا . فـ (نيكسون) Nixon و (بريجينيف) Brezhnev , لديهما من القواسم المشتركة أحدهما مع الآخر , أكثر مما لدينا نحن مع (نيكسون) . و (ج. إدجار هوفر) لديه من القواسم المشتركة مع رئيس الشرطة السرية السوفيتية ما هو أكثر بكثير من القواسم المشتركة التي لديه معنا . إن التفاني الدولي في القانون و النظام هو ما يربط بين قادة جميع البلدان في روابط رفاقية . لهذا السبب نندهش نحن دائما عندما يكونون معا , فيبتسمون و يتصافحون و يدخّنون السيجار , إنهم يحبون بعضهم بعضا , بغض النظر عما يقولون . هم كالحزبين الجمهوري و الديموقراطي , يزعمون أنهم سيحدثون فارقا رهيبا إذا انتصر أحدهما أو الآخر , لكنهما نفس الشيء . الأمر في الأساس : (هم) ضد (نحن) .

كان (يوساريان) محقا في رواية Catch-22 . و كان قد وجه إليه الإتهام بتقديم العون و المساعدة للأعداء , التهمة التي لا يجب أن يتهم بها أحد حقا . يقول (يوساريان) لصديقه (كليفينجر) : ” إن العدو هو من يسعى لقتلك , أيا كان , و في أي جانب كان .” و الظاهر أن ذلك لم يكن واضحا بما فيه الكفاية , فقال لـ (كلفنجر) :” تذكّر هذا الكلام الآن , و إلا ستجد نفسك ميتا يوما ما “. حسنا .. لقد وجد (كليفنجر) نفسه بعد قليل ميتا . . تذكروا أنتم أيضا , ان أعداءنا لا يمكن تميزهم كونهم تفصلنا عنهم خطوط حدود , أو يتحدثون لغة مختلفة أو يقيمون في أرض أخرى , إن الأعداء هم من يسعون لقتلنا .

يسألوننا : ” ماذا لو أن كل إنسان قد عصى القانون ؟ ” . لكن من الأفضل السؤال : ” ماذا لو أطاع كل إنسان القانون؟ ” لأن الإجابة على هذا السؤال أسهل بكثير , لأن لدينا الكثير من الأدلة التجربية عما يحدث لو أطاع كل إنسان القانون , أو حتى لو أطاعه معظم الناس . ما سيحدث هو ما قد حدث بالفعل و ما زال يحدث . لماذا يقدس الناس القانون ؟ و جميعنا يفعل . . حتى لو كنت أحاربه , لأن هذا الأمر مزروع فيّ حتى النخاع منذ طفولتي المبكرة عندما كنت شبلا في الكشافة . و أحد أسباب تقديسنا للقانون هو إزدواجية معناه بالنسبة لنا . ففي عالمنا الحديث نتعامل مع كلمات و عبارات لها أكثر من معنى و دلالة .. مثل الأمن القومي , نعم , يجب أن نفعل ذلك من أجل الأمن القومي !! حسنا , و ما الذي يعنيه هذا ؟ أمن من القومي ؟ أين ؟ متى ؟ و لماذا ؟ لا أحد يكلّف نفسه عناء الإجابة عن هذه الأسئلة , أو حتى إلقاءها .

إن القانون يخفي الكثير من الأمور . إن القانون هو وثيقة إعلان الحقوق . حقيقة أن هذا ما نظنه عندما ينشأ تقديسنا للقانون . القانون هو الشيء الذي يحمينا , و القانون هو حقنا , و القانون هو الدستور . يوم إعلان وثيقة الحقوق , و مسابقات كتابة المقالات عن وثيقة حقوقنا , و التي ترعاها رابطة قدامى المحاربين الأمريكيين , هذا هو القانون . و هذا كله أمر جيد .

لكن هناك جانب آخر من القانون لا يحصل على ذات القدر من الشهرة . كالتشريعات التي تمرر شهرا بعد شهر , و عاما بعد عام , منذ بداية الجمهورية , التي تسبب توزيع موارد البلاد بطرقة تجعل بعض الناس أغنياء جدا و تجعل آخرين فقراء جدا , و تجعل الباقين يتصارعون كالمجانين على الفتات الباقي . هذا هو القانون . إذا التحقت بكلية الحقوق سترى هذا . و يمكنك أن ترى وجهة نظري في أعداد الكتب الثقيلة الضخمة التي يحملونها هناك . كم كتاب يحمل عنوان “الحقوق الدستورية” و كم كتاب يحمل عناوين “الملكية” , “العقود” , “الجنح” , “قانون المؤسسات” . هذا هو مجال القانون الذي يدور معظمه فيه . القانون هو “بدل الوقود” رغم أنه ليس لدينا “يوم لبدل الوقود” , و لا مقالات تدبج عن “بدل الوقود” . هناك أجزاء إذن من القانون تنشر من أجل الاحتيال علينا . عفوا . فالقانون هو وثيقة إعلان الحقوق . و هناك اجزاء أخرى من القانون تعمل عملها الهاديء دون أن يهمس أحد بشيء عنها .

ها قد بدأنا طريق العودة . متى صدرت وثيقة الحقوق لأول مرة ؟ حاول أن تتذكر .. في فترة رئاسة (جورج واشنطن) Washington الأولى . . شيء عظيم . لقد أقرت وثيقة الحقوق . مع الكثير من الدعاية الصاخبة المثيرة . و في نفس الوقت تم تمرير برنامج (هاملتون) Hamilton الإقتصادي . بلطف و هدوء , أعطى الأغنياء المال . إنني أبسّط الأمور قليلا , لكن ليس بدرجة مخلّة . لقد بدأ الأمر ببرنامج (هاملتون) , و يمكننا أن نرسم خطا مستقيما يجمع برنامج (هاملتون) الإقتصادي , و بدل الوقود و الإعفاء الضريبي للشركات . على طول هذا الخط المستقيم امتد التاريخ . حيث تنشر وثيقة إعلان الحقوق , بنما تبقى التشريعات الإقتصادية غير معلنة .

تعرف أن إنفاذ أجزاء القانون المختلفة لا تقل أهمية عن نشرها . هل وثيقة الحقوق نافذة ؟ حسنا , ليس تماما . ستجد مثلا ان حرية التعبير في القانون الدستوري مفهوم صعب و غامض و مضطرب إلى أقصى حد . لا أحد يعلم حقا متى عليه الكلام و متى لا يحق له . تحقق من ذلك في جميع قرارات المحكمة العليا . و إنني أتحدث عن التنبؤ في النظام . لا أحد يمكنه التنبؤ حقا بما سوف يحدث إذا ما وقف في زاوية شارع ليتحدث . حاول أن تخبرني الفرق الجوهري بين قضية (تيرمينيللو) Terminiello case و قضية (فاينر) Feiner case , أو أن تخبرني بما سيحدث حقا إذا ما وقفت لألقي خطابا . و بالمناسبة هناك فصل في القانون ليس غامضا للغاية , و يختص بحق توزيع المنشورات في الشوارع . و قد كانت المحكمة العليا واضحة جدا بهذا الشأن . ففي أحكامها الواحد تلو الآخر و هي تؤكد على الحق المطلق في توزيع المنشورات في الشوارع  . حسنا حاول إذن . أخرج إلى الشارع و ابدأ في توزيع المنشورات . و ستجد شرطيا يأتي إليك قائلا : “أخرج من هنا” فترد أنت :”ألم تسمع عن قضية (مارش) ضد (ألاباما) Marsh v. Alabama 1946 ؟” . . هذه هو واقع وثيقة الحقوق . و هذا هو واقع الدستور , ذلك الجزء من القانون الذي يصوّر لنا كل شيء جميلا رائعا . و بعد سبع سنين من صدور وثيقة الحقوق التي تنص على أن :” لا يصدر الكونجرس يحد من حرية التعبير.” , مرّر الكونجرس قانونا حدّ من حرية التعبير . تذكّر قانون التحريض Sedition Act في 1798 .

و هكذا لم يتم إنفاذ وثيقة الحقوق . بينما تم فرض برنامج هاملتون , لأنه عندما تمرد الفلاحين في بنسلفانيا 1794 (تمرد الويسكي) , امتطى (هاملتون) Hamilton جواده , و ذهب بنفسه لقمع التمرد و التأكد بنفسه من تطبيق الضريبة على الدخل . و يمكنك تتبع القصة وصولا إلى يومنا هذا . ما هي القوانين التي تطبّق , و ما هي القوانين التي لا يتم تطبيقها . لذا ينبغي على المرء أن يكون حذرا عندما يعلن : ” أنا مع القانون , و أنا أقدّس القانون ” . عن أي جزء من القانون تتحدث ؟ . أنا لست ضد القانون بالكامل . لكن أعتقد أنه يجب علينا أن نبدأ في التمييز في أي القوانين تفعل ماذا في البشر .

و هناك مشاكل أخرى متعلقة بالقانون . فمن الغريب حقا أننا نعتقد أن القانون يجلب النظام , بينما القانون لا يفعل ذلك حقا . كيف لنا أن نعرف أن القانون لا يحقق النظام ؟ فلننظر حولنا . إننا نعيش وفق قواعد القانون , لاحظ كم لدينا من النظام ؟ . . يقول الناس : ” لدينا ما يدعو للقلق من العصيان المدني , لأن ذلك سيؤدي إلى الفوضى .” فلنلق نظرة على عالمنا الحاضر الذي يسود فيه القانون . هو عالم أقرب إلى ما يسميه العقل الشعبي بالفوضى . ارتباك و فوضى و لصوصية دولية . إن النظام الوحيد الذي يستحق حقا لا يأتي من خلال فرض قوة …. القانون , بل يأتي من خلال إنشاء مجتمع عادل تتأسس فيه علاقات متناغمة , و يحتاج حدا أدنى من التنظيم لإنشاء تريبات مقبولة بين الناس . لكن النظام المبني على القانون و على قوة القانون هو نظام الدولة الشمولية , و يؤدي حتما إما إلى ظلم شامل أو إلى التمرد في نهاية المطاف , و بعبارة أخرى , إلى فوضى هائلة .

إننا نتربى على الفكرة القائلة بقدسية القانون . سئلت والدة (دانييل بيريجان) عن رأيها في خرق ابنها للقانون , و قد أحرق مسودات سجلات واحدة من أكثر الأعمال عنفا في هذا القرن , احتجاجا على الحرب , ثم حكم عليه بالتالي بالسجن , المكان الذي ينبغي أن يكون فيه المجرمون . سألوا والدته و هي في الثمانينات من عمرها عن رأيها في خرق ابنها للقانون , فنظرت مباشرة في وجه الشخص الذي يجري المقابلة و قالت : ” إنها ليست شريعة الرب ” . و هذا ما نسيناه الآن . لا شيء مقدس في القانون . فكّر في الرجال الذين صنعوا القانون , و ستجد أن القانون لم يخلقه الرب , بل خلقه (ستورم ثورموند) Strom Thurmond . و إذا كنتم تحملون أدني فكرة عن حرمة القانون و قدسيته , فقط ألقوا نظرة على المشرعين الذين يضعون القوانين في طول البلاد و عرضها . ألقوا نظرة على دورات المجالس التشرعية في الولايات , و ألقوا نظرة على الكونجرس , على هؤلاء الذين يصنعون القوانين , التي يفترض فينا أن نبجّلها .

و يتم كل هذا بما يتناسب مع استغفالنا . و هذه هي المشكلة . في الأيام الخوالي كانت الأمور مشوشة , كنت لا تعرف . أما الآن فأنت تعرف . كل شيء مكتوب في الكتب . و الآن نمضي عبر إجراءات المحاكمات . الآن تحدث الأشياء التي حدثت من قبل , عدا أننا نمضي عبر إجراءات صحيحة . في (بوسطن) اجتاز شرطي ممرات المستشفى و أطلق النار خمس مرات على رجل أسود , كان قد أهانه مسبقا , فقتله . و عقدت جلسة استماع . و قد قرر القاضي أن هناك ما يبرر ما فعله الشرطي , لأنه لو لم يفعل ذلك , لفقد احترام زملاءه . حسنا هذا ما يعرف بالمحاكمة العادلة , و هي شيء لم يفلت منه الشرطي . إننا نمر عبر الإجراءات المناسبة حيث كل شيء معدّ . و لياقة القانون تستغفلنا .

لقد تأسست الأمة في ظل عدم احترام للقانون , ثم جاء الدستور و مفهوم الإستقرار الذي يحبه كلا من (ماديسون) Madison و (هاميلتون) . لكننا وجدنا فيما بعد أن الإطار القانوني لم يكن كافيا في أوقات معينة حاسمة في تاريخنا , فكان علينا لإنهاء الرق أن نتخطى الإطار القانوني , و كان علينا أن نتخطاه في زمن الثورة الأمريكية أو الحرب الأهلية , و كان على الإتحاد الخروج على الإطار القانوني في ثلاثينيات القرن العشرين من أجل التأسيس لبعض الحقوق .و المشاكل في وقتنا الحالي , الذي قد يكون أكثر حرجا من زمن الثورة أو الحرب الأهلية , أكثر هولا بحيث تتطلب منا الخروج على الأطر القانونية من أجل الإدلاء ببيان أو المقاومة أو إنشاء نوع من المؤسسات أو التأسيس لعلاقات يجب أن تكون في المجتمع المحترم . لا أتحدث عن عملية التدمير فقط , بل عن البناء و التأسيس كذلك . لكن حتى لو بنيت شيئا لا يفترض فيك أن تبنيه , و لنقل حديقة عامة مثلا , و ليس في هذا هدم للنظام , أنت تبني شيء ما و حسب , لكنك تفعل ذلك بطريقة غر مشروعة , و ستجد القوات النظامية تطردك خارجا . هذا هو الشكل الذي يتخذه العصيان المدني شيئا فشيئا , أن يحاول الناس بناء مجتمع جديد في  غمرة المجتمع القديم .

و لكن ماذا عن التصويت و الإنتخابات ؟ كعصيان مدني , لا نحتاج إلى الإنتخابات في كثير أو قليل , كما قيل لنا , لأن بإمكاننا تخطي النظام الإنتخابي . و الآن يجب أن نكون قد تعلّمنا , أو ربما لم نتعلّم . لأننا نشأنا على فكرة أن لجان الإقتراع مكان مقدس , تماما كغرفة الإعتراف في الكنيسة . تذهب إلى صندوق الإقتراع ثم تخرج . . يلتقطون صورتك و ابتسامتك المبتهجة على وجهك , لتضعها فما بعد بين أوراقك . لقد قمت بالتصويت للتو . لكن لو كنت قرأت حقا ما يقوله علماء السياسة عن عملية التصويت , لوجدت أن عملية التصويت خدعة ليس إلا . و الدول الشمولية تحب التصويت . إذ تجعل الناس ذهبون إلى صناديق الإقتراع و يسجلون موافقتهم . و أنا أعرف أن هناك فرق , إن لديهم حزبا واحدا أما نحن فلدينا حزبان . نحن أكثر منهم بحزب واحد كما ترى .

إن ما نحاول القيام به , كما أفترض , هو العودة إلى مباديء و أهداف و روح وثيقة إعلان الإستقلال . هذه الروح التي هي تحدي لكل سلطة غير منطقية و كل قوة تحرم الناس من حياتهم و حريتهم و حقهم في تحقيق سعادتهم , و بالتالي , و في ظل هذه الظروف , فإنها تلح على الحق في تعديل أو إلغاء الحكومة في شكلها الحالي , و نؤكّد على الإلغاء . لكن لتأسيس المباديء الواردة في إعلان الإستقلال , نحن بحاجة للخروج على القانون , أن نتوقف عن الإذعان للقانون الذي يطالب بقتل أو يوزّع الثروة بالطريقة التي تتم الآن , أو التي تضع الناس في السجن بسبب أخطاء فنية صغيرة , بينما تبقي آخرين ذوي جرائم جسيمه خارجه . إن أملي أن هذه الروح ستسري , لا في هذا البلد حسب , بل في بلدان أخرى لأن البشر جميعا في حاجة إليها . لأن البشر جميعا في حاجة إلى روح عصيان الدولة , التي هي في الأصل ليست شيئا ميتافيزيقيا , بل مسألة سلطة و ثروة . إننا في حاجة إلى نوع من الإعلان عن الإعتماد المتبادل بين الناس في جميع بلدان العالم و الذين يعملون بجهد من أجل الفكرة نفسها .

المصدر

The Problem is Civil Obedience

http://anarchist-document.blogspot.com/2012/02/blog-post_10.html

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s