العصيان المدني

المهاتما غاندي

كان العصيان المدني على لسان جميع أعضاء لجنة مؤتمر عموم الهند . . لم يكن أحد قد حاوله حقا , و إن بدا أن الجميع قد أفتتن به , عن أعتقاد خاطيء أنه العلاج الفعال لكل أمراض مجتمعنا اليوم . و شعوري هو الثقة في أن العصيان المدني بإمكانه هذا حقا إذا تمكنّا من تحقيق المناخ اللازم له . هذا المناخ الذي هو دائما ملائم بالنسبة للأفراد , إلا إذا كان من المؤكد أن يؤدي عصيانهم المدني إلى سفك الدماء . و قد اكتشفت هذا الإستثناء خلال أيام الـ (ساتياجراها) satyagraha . لكن رغم ذلك , فإن الدعوة قد تبلغ من يأبه لها فلا يغفلها , مهما كلفه الأمر . و إنني أرى بوضوح أنه سيأتي عليّ وقت لابد و أن أرفض كل قانون وضعته الدولة , حتى لو كنت على يقين أن ذلك سيؤدي إلى سفك الدماء . و ذلك عندما يكون تجاهل الدعوة إنكارا للرب , فعندها يصبح العصيان المدني واجبا قطعيا.

لكن العصيان المدني الشامل يقف على أسس مختلفة . إذ لا يمكن محاولة القيام به إلا في جو هاديء . هدوء القوة , لا هدوء الضعف , هدوء العلم , لا هدوء الجهل . إن العصيان المدني الفردي غالبا ما يكون بديلي , غير مباشر . أما العصيان المدني الشامل فغالبا ما يكون أنانيا , بمعنى ان الأفراد يتوقعون مكاسب شخصية منتظرة من عصيانهم . ففي جنوب أفريقيا , على سبيل المثال , قام (كالينباخ) Kallenbach و (بولاك) Polak بعصيان مدني بالإنابة . فلم يكن هناك شيء يربحانه من عصيانهما . أما عندما يقوم الآلاف من البشر بالعصيان فإنهم يتوقعون مكاسب شخصية , على شكل , لنقل مثلا , إعفاء من الضرائب المفروضة على الرجال الذين كانوا يعملون في السابق بالسخرة و زوجاتهم و أبنائهم . و يكفي في العصيان المدني الشامل أن يفهم الذين يقومون به كيف يعمل المبدأ.

لقد تم إعتقالي في جنوب إفريقيا في بقعة غير مأهولة فعليا من البلاد , عندما قمت بمسيرة في منطقة محظورة مع ألفين أو ثلاثة آلاف من الرجال و بعض النساء ¹ . و لقد كان في الشركة العديد من الـ (بشتون) و الآخرين من ذوي القدرات الجسدية الجيدة . و كان ما حدث من أعظم شهادات الجدارة التي منحتها حكومة جنوب إفريقيا للحركة . إذ علموا أننا حركة غير مؤذية , كما صمّمنا نحن على ذلك . لقد كان من السهل على أولئك الرجال أن يقطّعوا أولئك الذين قاموا بإعتقالي إلى أشلاء . لكن ذلك لم يكن ليصبح أكثر الأعمال جبنا فحسب , بل خرقا غادرا لتعهّدنا الخاص , و سيعني أيضا تدمير النضال من أجل الحرية و النفي القسري لكل هندي من جنوب إفريقيا . . لكن الرجال لم يكونوا رعاعا , بل كانوا جنودا منضبطين , و كان خيرا للجميع أنهم لم يكونوا مسلحين . و على الرغم من أنني قد أقتلعت من وسطهم . إلا أنهم لم يتفرّقوا و لم يعودوا أدراجهم . بل واصلوا المسيرة إلى وجهتها , حتى تم إعتقال الجميع و سجنهم . و على ما أذكر , كان ذلك مثالا للانضباط و عدم العنف ليس له في التاريخ مثيل . و بدون ضبط النفس هذا لا أرى أملا في نجاح العصيان المدني الشامل هنا.

ينبغي أن ننبذ فكرة إزعاج الحكومة بالمظاهرات الحاشدة كلما تم إعتقال شخص ما . بل على العكس , ينبغي علينا أن نعتبر الإعتقال وضعا طبيعيا في حياة غير المتعاونين . يجب علينا أن نسعى إلى الإعتقال و السجن , كالجندي الذاهب إلى المعركة سعيا إلى الموت . إننا نتوقّع أن نتحمّل ما تقابلنا به الحكومة , من خلال التقاضي و المحاكمات و ليس من خلال تجنّب الحبس , حتى لو كان ذلك من خلال إظهار استعدادنا للاعتقال و السجن بشكل جماعي . إن العصيان المدني يعني إذن رغبتنا , و بشكل قاطع , في الإستسلام و لو حتى لشرطي أعزل واحد . إن انتصارنا هو أن يساق الآلاف إلى السجن كما يساق الخراف إلى غرفة الذبح . . لو ذهبت خراف العالم طوعا إلى غرفة الذبح لحفظت أنفسها من سكين الجزار منذ فترة طويلة . إن نصرنا , مرة أخرى , هو أن نسجن بلا أي خطأ ارتكبناه على الإطلاق . و كلما عظمت براءتنا , كلما عظمت قوتنا و أسرع انتصارنا.

إن الأمر كالتالي , الحكومة جبانة , و نحن خائفون من السجن . و الحكومة مستفيدة من خوفنا من السجون . لكن إذا ما قبل رجالنا و نساءنا السجن كمكان للنقاهة , فلسوف نتوقف عن القلق على أعزائنا الذين في السجون , السجون التي يطلق عليها مواطنينا في جنوب أفريقيا اسم فنادق صاحب الجلالة . لقد مارسنا عصيان قوانين الدولة طويلا في خيالاتنا و غالبا ما تهرّبنا من الإلتزام بها على نحو سري , إلى أن تهيّأنا فجأة للعصيان المدني . و إذا كان للعصيان أن يصبح مدنيا حقا , فسيتوجب عليه أن يكون علنيا و غير عنيف.

إن العصيان المدني الكامل هو حالة من التمرد السلمي . رفض للإذعان لأي قانون من وضع الدولة . و هو أكثر خطورة من التمرد المسلح . لأنه لا يمكن إخماده إذا ما تهيّأ المتمردين السلميين لمواجهة أقسى الشدائد . لأنه يقوم على الإعتقاد المطلق في فعالية معاناة الأبرياء المطلقة . و إذ يمضي المقاوم المدني إلى السجن في هدوء , فإن يضمن جوا من السكينة . كما أنّ الخاطئين يضجرون من ارتكاب خطاياهم إذا لم يجدوا مقاومة . إذ يفقدون كل متعة عندما لا تبدي الضحية أية مقاومة . و إن فهما كاملا لشروط المقاومة المدنية لهو أمر ضروري , على الأقل على مستوى ممثلي الشعب , قبل أن نتمكن من البدء في مغامرة بهذا الحجم . إنّ أسرع العلاجات محفوفة دائما بأكبر المخاطر , و تحتاج إلى أقصى درجة ممكنة من المهارة في التعامل معها . و إن قناعتي راسخة أننا لو تمكننا من تنظيم مقاطعة ناجحة للملابس المستوردة , فسنتمكّن من خلق جو من شأنه أن يمكننا من البدء في عصيان مدني على نطاق لا يمكن لأي حكومة مقاومته . و إنني لذلك اطالب بالصبر و تركيز العزم على الـ (سواديشي = الإكتفاء الذاتي) swadeshi , كل أولئك الذين يتوقون للبدء في العصيان المدني الشامل.

—————————————————————————————-

1 – تم إعتقال (غاندي) بالقرب من (بالم – فورد) Palmford , في السادس من نوفمبر 1913 , بينما كان يقود “مسيرة عظيمة” من الرجال و النساء و الأطفال إلى الـ (ترانسفال) Transvaal .

نشر في جريدة (Young India) بتاريخ الرابع من أغسطس 1921

المصدر

Civil Disobedience P:45

http://anarchist-document.blogspot.com/2012/02/blog-post_13.html

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s