مجزرة الحول و القبير : انفلات جنون الديكتاتور

مازن كم الماز

الحقيقة أشعر بثقل هائل يجثم على قلبي في هذه اللحظة , إن مجزرة القبير تثبت شيئا واحدا فقط أن النظام يلجأ في محاولاته لسحق الثورة إلى أسلوب المجازر الذي قد يتصاعد مع الوقت لدرجات قد لا يتوقعها أكثر المتشائمين بالنظام , بعد مجزرة الحولة خطر لي أن أتأمل في كل ما نسميه مجازر في تاريخ شرقنا و في تاريخنا كبشر , لأحاول فهم كيف يمكن لشخص ما أن يقتل طفلا , مهما حاولت أن تتفهمن يبقى قطع رقبة طفل من الوريد إلى الوريد رغم كل شيء يبقى لغزا حقيقيا لأي إنسان يحاول أن يفهم كيف ممكن أن ننحط كبشر لهذا الحد , ليست مشكلتي هنا في بشار نفسه , واضح أن السلطة , الديكتاتورية أشبه بمرض عقلي يستحوذ على صاحب السلطة , ليس لدي شك في أن الرجل مريض بديكتاتوريته , مرض لا شفاء له منه حوله إلى وحش آدمي حقيقي و أن علاجه الوحيد هو المقصلة , مشكلتي الحقيقية هنا هي مع الشبيحة , مع وجود فقراء علويين مستعدين لتمزيق فقراء سنة , إخوة حقيقيين لهم في سبيل هذا المعتوه بدماء السوريين , كيف أمكن حدوث هذا ؟ … أول شيء يثير الدهشة هو موقف واحد من الضحية , موقف واحد متطابق بين كل القتلة يعتبر الضحية حالة لا ترقى بالمطلق لتكون “إنسانا” , اقل من إنسان , في إحدى مقاطع اليوتيوب يصف بشير الجميل و مقاتليه الجنود السوريين في لبنان آنذاك بأنهم “حوارنة” و بشكل طبيعي جدا يبادره أحد الجنود بسخرية بسؤال منطقي , كم مات من الحوارنة ؟ يجب هنا أن أؤكد , ككادح سوري أيضا هذه المرة و ليس فقط كشيوعي متطرف أناركي أو فوضوي , أن الجندي السوري , حوراني أو شامي أو حتى من بابا عمرو أو الحولة نفسها إن وجد من خدم من أهلها في لبنان في تلك الأيام , لم يكن ملاكا في لبنان , كان يد النظام الضاربة هناك و مارس هناك ما يفعله الشبيحة اليوم في قرى و أحياء حمص و حماة و ادلب , قتل الجنود السوريون و سرقوا و عاملوا اللبنانيين كالأغنام و سخروا منهم أيضا و أهانوهم كلما أمكنهم ذلك أو كلما أرادوا فعل ذلك , الغريب هو أنني في كل مرة أتحدث بهذا الموضوع مع أي سوري يستخدم آلية إنكار أو تطهر غريبة , يضع كل اللوم على الطاغية الأب و كأننا ضحية أيضا بينما كنا نمارس دور الشبيحة لصالح هذا الطاغية ضد اللبنانيين , هل يمارس الشبيحة اليوم نفس آلية الإنكار و الدفاع عن الذات و هم يقطعون رؤوس الأطفال في الحولة و القبير ؟ .. في 6 ديسمبر كانون الأول 1975 اكتشفت جثث أربعة شبان موارنة من حزب الكتائب , كان اليوم يوم سبت , انتشرت الحواجز فورا في بيروت بقيادة جوزيف سعادة , والد أحد أولئك الشباب و عضو حزب الكتائب , طلب المسلحون على تلك الحواجز هويات كل المارة , خلال ساعات كان مئات الفلسطينيين و اللبنانيين المسلمين قد قتلوا عدا عن عدد آخر اختطفوا رهائن و سيطلق سراحهم فيما بعد , بعضهم على الأقل , بعد دفع فدية , أصبح هذا يوم السبت الأسود , بعد ذلك اليوم بست اسابيع هاجم مقاتلو حزب الكتائب و بقية “التنظيمات و الميليشيات المسيحية” حي الكرنتينا الفقير الذي كان تحت سيطرة الفلسطينيين و عاش فيه لبنانيون و سوريون و فلسطينيون و اكراد , يقال أن 1000 إلى 1500 قتلوا هناك , بعد ذلك بيومين قام المقاتلون الفلسطينيون و اللبنانيون المسلمون و اليساريون بمهاجمة الدامور , المدينة الساحلية ذات الغالبية المسيحية ضعيفة الدفاعات , أعدم المنتصرون أولا 20 مقاتل من مقاتلي الكتائب ثم بدأ قتل المدنيين , وصل العدد حسب بعض التقديرات من 500 إلى 600 ضحية , حسب شهادة رجل دين ماروني منصور لبكي , كان المهاجمون يصرخون الله أكبر ! و بعضهم كان يصرخ , دعونا نقيم هولوكوست لمحمد ! يقال أن المهاجمون كانوا بقيادة أبي موسى , قائد فتح الانتفاضة فيما بعد , و كان من بين الضحايا أفراد من عائلة إيلي حبيقة و خطيبته , الرجل الخطير في جهاز أمن القوات اللبنانية يومها ! بعد ذلك بشهور في أغسطس آب نفس العام حققت القوات اللبنانية “المسيحية” أكبر انتصاراتها في الحرب ضد مخيم تل الزعتر , بتغطية و مشاركة مباشرة من مدفعية و دبابات الجيش السوري , اقصد جيش حافظ الأسد الذي خدمنا فيه جميعا , حوصر المخيم أربعة أشهر , يقال أن ميشيل عون كان واضع خطة الحصار و الهجوم هذه و من قدم التوجيه المباشر اليومي للمهاجمين , قتل الآلاف و اغتصبت آلاف النسوة , بعد أن نفذت الذخيرة من مسؤول الجبهة الشعبية قتل و سحلت جثته في شوارع المخيم , قال بعض مقاتلي و مسؤولي حراس الأرز تعليقا على شراسة المجزرة , نحن لم ننس الدامور بعد .. لكن طبيعة المجازر ستتغير مع الوقت , في 1980 ستقتل قوات بشير الجميل قرابة تسعين مقاتل “مسيحي” من قوات منافسه داني شمعون لفرض قيادة بشير الواحدة في المنطقة الشرقية , في سبتمبر أيلول 1982 دخلت قوات الجبهة اللبنانية بقيادة إيلي حبيقة إلى مخيمي صبرا و شاتيلا بعد مقتل قائدها بشير الجميل , لم تخرج إلا بعد 36 ساعة , تاركة ورائها آلاف جثث الفلسطينيين غارقة بدمائها و على كثير منها آثار التعذيب الجهنمي , جان جينيه , الكاتب الفرنسي المتمرد , الذي عاش جزءا من شبابه صعلوكا لصا متسكعا أو في السجون بتهم السرقة و التسكع , الشاذ جنسيا و “أخلاقيا” , قال عن ما شاهده في صبرا و شاتيلا : إنّ قاتلين قد أنجزوا العملية ، لكن جماعات عديدة من فرق التعذيب هي ، في غالب الظنّ ، التي كانت تفتح الجماجم وتشرح الافخاذ ، وتبتر الأذرعة والأيدي والاصابع ، وهي التي كانت تجرّ، بواسطة حبال ، محتضرين معاقين ، رجالاً ونساءً كانوا ما يزالون على قيد الحياة” , كم كان استمتاع هؤلاء بحفلتهم الصاخبة على أنغام آهات و توسلات الضحايا .. في الأعوام الأولى بعد ظهور يسوع ثم موته , قام اليهود بملاحقة المسيحيين كفرقة هرطقية خارجة عن دينهم الصحيح حتى انقلبت الدولة الرومانية عليهم في وقت لاحق و قمعتهم هم أيضا , لكن الرد أو المجازر بالاتجاه الآخر , مجازر المسيحيين ضد اليهود تأخرت قليلا , بعد إعلان المسيحية دينا رسميا لروما بدأ اتجاه المجازر بالتغيير و تبادل القاتل و الضحية الأدوار , لكن المجازر الكبرى ضد اليهود على يد المسيحيين بدأت تقريبا مع الحروب الصليبية التي كان من ضحاياها أيضا المسلمين و المسيحيين الأرثوذوكس و أولئك الذين صنفتهم كنيسة روما على أنهم هراطقة و الوثنيين أيضا , و ستستمر في ممارسات محاكم التفتيش و بعدها في مجازر روتينية تقريبا تحدث بشكل دوري تعرض فيها اليهود للقتل و الطرد و التعذيب و نهب ممتلكاتهم , كانت إسبانيا الإسلامية أكثر تسامحا بكثير مع اليهود من جيرانها المسيحيين رغم أنها شهدت بعض أعمال العنف أحيانا ضدهم و للسخرية عانى المسلمون و اليهود من نفس القمع و الاضطهاد على يد حكام قشتالة الكاثوليك و من جاء بعدهم و على يد محاكم تفتيشهم بنفس الدرجة تقريبا .. اليهود أنفسهم , كثير منهم ممن قدموا للتو من معسكرات الموت النازية بدأوا حرب تطهير عرقي ضد الفلسطينيين , مسلمين و مسيحيين , مذابح حقيقية لا تقل بدرجة الوحشية عما تعرضوا له على يد النازيين , و واصلوا هذه الحرب حتى اليوم , اليونانيين الذين قاسوا طويلا من عسف العثمانيين استعادوا استقلالهم من خلال مجازر رهيبة بحق الأتراك و الألبان الذين كانوا يعيشون بينهم و كان قسما منهم فقط مرتبطا بشكل أو آخر بالحكم العثماني هناك , لاحظ اليهودي الأناركي الأمريكي من أصل تشيكي فريدي برلمان أن القاتل عادة ما يشعر أنه ضحية , لقد استخدم النازيون قصة المؤامرة اليهودية العالمية لكي يبرروا أنهم هم الضحية , ضحية من يقتلونهم و ليس العكس , و ليس صعبا أن تدرك أن هذا بالذات ما دفع القادمين للتو من معسكرات الموت النازية لذبح الأطفال و النساء الفلسطينيات , دائما تستخدم قصص المجازر السابقة فقط كحجة لمزيد من المجازر , الحقيقة أن كل مجزرة تستخدمها القوى السائدة كمبرر لمجازرها هي , المنطق السلطوي يؤكد نفسه باستمرار , الرد على المجزرة بالمجزرة , الشيء الأكيد هو أن هدفها ليس العدالة و لا حتى الانتقام للضحايا , يقتل الضحايا مرتين , مرة على يد قاتلهم و مرة أخرى على يد من يزعم أن يفتك بخصومه انتقاما لهم , يخطئ من يعتقد أني أريد تمييع مجزرة الحولة و القبير بإنزالها إلى مستوى حدث روتيني حدث من قبل و سيحدث في المستقبل , إننا أمام حدث استثنائي لا يعرف معناه الحقيقي إلا من عاش رعب اللحظات الأخيرة , من كتب عليه أن يكون هناك برهانا من لحم و دم على الرعب الذي يمكن للإنسان ان يخلقه بحنونه , إننا أمام حدث بالغ الأهمية و الاستثنائية لا يمكن أبدا تمريره بأي حال من الأحوال , إننا أمام حدث تاريخي أو فعل إنساني استثنائي يحاصر روحك , يقبض عليها بقسوة , إن أية محاولة للإفلات تبدو و كأنها تقودك فقط إلى جحيم آخر , هناك اليوم من يرقص طربا على جثث القتلى , و هناك اليوم شيئا اشبه بهستيريا الدم , طاغية مجنون بالسلطة و بالاستبداد قرر أن يقتل شعبه , جزءا من شعبه ليعيد الآخرين إلى بيت الطاعة , جان جينيه مرة أخرى , “لم أكن قد لاحظتُ ذلك ، فأصابع يديها كانت مروحية الشكل ، والأصابع العشر مقطوعة بمقصّ . لا شكّ أنّ جنوداً قد استمتعوا وهم يكتشفون هذا المقصّ ويستعملونه ، ضاحكين مثل أولاد وهم يغنون فرحين” , “كيف كان شكل ممارس التعذيب ؟ إنه يفقأ عيني و لن يكون له شكل سوى الشّكل الذي ترسمه وضعية أجساد الموتى، وإشاراتهم الخشنة ، وهم تحت الشمس ، تنهبهم أسراب الذباب” , من صبرا و شاتيلا إلى معسكرات الموت النازية و جحيم الحولة و القبير , إنها نفس القصة , كيف أصابت عدوى جنون الديكتاتور الفقراء العلويين , كيف أصبحوا مجانين بدم إخوتهم مثله , لا شك أن هناك سفلة , ببساطة , من يستطيع فعل أي شيء في سبيل بعض المال , هذا يكفيه , خاصة إذا كان “العمل” ممتعا , لكن لا شك أن هناك من كان يشعر أنه هو الضحية و هو يقطع أعناق أطفال الحولة , لسبب ما , بآلية كذب أو خداع ما للذات , بتماهي ما مع صورة فلاح علوي منهك الجسد على خازوق آغا إقطاعي سني أو ضابط عثماني , كان القاتل يبحث عن “انتقامه” هو أيضا , هذه المرة “دفاعا” عن آغا أو إقطاعي أو ضابط علوي , إنه في هذه المرة يلعب دور قاتل ذلك القريب المجهول الذي قضى ذات يوم , مرة أخرى النقطة الأهم في وعي الكثيرين اليوم للمجزرة هي أن تعدل و تعاد صياغتها لتمنح الضحية القوة الضرورية لتصبح جلادا ذات يوم , لتكر السبحة من جديد , إنه مرض حقيقي , عميق الجذور في وعينا و في رغباتنا الدفينة , إن الاقتراب من الموت يجعلنا شيئا أقرب للآلهة , شيئا يحق له أن يمارس الموت ضد الآخرين , لهذا قد يبدو طبيعيا أن يرتبط جنون العظمة بقوة بجنون الاضطهاد , في الفصام الزوري أو فصام جنون الاضطهاد يرتبط الذعر من مؤامرة ما بشعور مرضي بالعظمة , لا شك أن كل الأنبياء و مدعي الألوهية و المهدية كانوا كذلك أيضا , طغاة في عالمهم الخاص و مجانين في عظمتهم و إحساسهم بازدراء المجتمع أو اضطهادهم كأفراد ليس لهم أي وزن أو وجود فعلي ككل الفقراء , يقول الأناركي النقابي رودولف روكر في كتابه القومية و الثقافة “نفس القوميات التي لم تتوقف قبل الحرب العالمية الأولى عن الثورة على مضطهدها الأجنبي , كشفت عن نفسها اليوم بعد أن حققت الاستقلال كأسوأ مضطهد لتلك القوميات التي تحت سيطرتها و أوقعت بها نفس اشكال الاضطهاد الأخلاقي و القانوني التي تعرضت لها هي من قبل … هذا يجب أن يجعل واضحا حتى للأعمى أن الحياة بانسجام داخل إطار الدولة القومية أمر مستحيل .. هذه الشعوب التي هزت باسم تحررها نير الحكم الأجنبي البغيض لم تكسب شيئا .. في معظم الأحوال حصلت على نير جديد أكثر قمعية من السابق في كثير من الأحيان … إن تحول المجموعات البشرية إلى شعوب لدول قومية لم يفتح عهدا جديدا … إنه اليوم واحدا من أخطر العوائق أمام التحرر الاجتماعي … فإن تعبير “الوطني” يعني رغبة السيطرة لأقليات محدودة و المصالح الخاصة لطبقة أو فئة في هذه الدولة” … لا شك أنه هناك اليوم في سوريا حرب أهلية حقيقية بين نظام خرج جنونه عن السيطرة و بين شعب مسحوق يتلمس طريقه الصعب أو المستحيل نحو الخروج من سجن مظلم , لا شك أن الفقراء يقتلون بعضهم , لا شك أن الموت العبثي يصبح لكثير من السوريين اليوم نهاية لحياة عنوانها القهر و الاضطهاد , لا نعرف عن وجود الفقراء إلا عندما يقتلون , عندما يتألمون من الوحدة و الجوع و الحاجة يصم العالم آذانه عن أنينهم , فقط عندما يحتاج إلى إعادة كتابة فصول جديدة من جنونه بدمائهم يبحث عن موتاهم و ينبش قبورهم و يتذكر اسماءهم , اسماء بلا أجساد , صور بلا وجوه , لا لكي يمنحهم عدالة فقدوها و هم أحياء بل ليكرس انعدام العدالة على هذه الأرض , مالكو النفط في طهران و الرياض و موسكو و الدوحة يحسبون خسائرهم و أرباحهم المحتملة من المشاركة في حفل الشواء الحالي , لا يدخل الفقراء أبدا في حساباتهم هذه , إن دماء الفقراء أرخص بكثير من ذلك , إنه هولوكوستنا , فلنرقص طربا على أنغام القذائف و لنعد قبورا جديدة لموتى جدد , إنه هولوكوستنا , فلنقدم للسادة و لرجال الدين و للسياسيين مادة حمراء صافية ليتنافسوا عليها , باختصار شديد : يقتلنا دينكم و تقتلنا حضارتكم , في النهاية تكتشف أن هناك ارتباط عضوي جدا و متين جدا بين دم الفقراء و حريتهم , لن تتوقف طقوس التضحية ببعضهم بين الحين و الآخر إلا إذا اصبحوا أحرارا , سادة أنفسهم , عدا ذلك سيبقون يتبادلون دور الضحية و الجلاد لصالح سادة قد يتغيرون قد تتغير أديانهم و أعراقهم و طوائفهم لكن لن تتغير أبدا ملامح وجوههم السمينة الكريهة خاصة و هم يرثون ضحايا من الفقراء بقتل ضحايا جدد.

http://www.facebook.com/pages/%D9%85%D8%A7%D8%B2%D9%86-%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B2/159164214145031

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s