الاناركية

مابكل البرت

إننى أنحو للاتفاق مع هؤلاء الذين يرون فى الأناركية ميلا فى تاريخ الفكر الانسانى والممارسة البشرية, ميلا لا يمكن حصره داخل نظرية عامة فى الأيديولوجية, تكافح من اجل تحديد وفضح الأبنية الاجتماعية الجبرية التسلطية متعددة المراتب الكهنوتية, وذلك عن طريق وضع علامات استفهام حول مشروعيتها: وفى حالة عدم تمكن هذه الأبنية من الرد على هذا التحدى, وعلى الأرجح هذا هو المنتظر, تصبح الأناركية حينئذ هى الجهود التى تقلص سلطانهم وتوسع من آفاق الحرية.وهى لذلك, الأناركية, ظاهرة اجتماعية يتغير محتواها بالإضافة إلى مظاهر نشاطها السياسى مع الوقت. هناك طابع وحيد ذو طبيعة خاصة يرتبط بالأناركية, وهو أنها على عكس كل الأيديولوجيات الكبرى لا يمكن أن يتأتى لها وجود ثابت ومستمر على الأرض من خلال كونها سلطة حكومية أو لكونها جزء من النظام السياسى. يأتى تاريخها وسماتها المعاصرة من عامل آخر – إنها موجات من الكفاح السياسى. ونتيجة لذلك, تمتلك الأناركية ميلا نحو “تعاقب الأجيال”, بمعنى انك تستطيع أن تحدد فى تاريخها موجات محددة المعالم جدا, طبقا لفترة الكفاح التى تشكلت فيها. ولكن من الطبيعى, كما مع كل محاولة أخرى لصياغة المفاهيم, محاولتى هنا أيضا سوف يشوبها التبسيط. على الرغم من هذا, فإننى أتعشم أن تكون محاولتى مفيدة لفهم هذه الظاهرة الاجتماعية.تاريخيا, تشكلت الموجة الأولى من خلال الصراع الطبقى فى أوروبا فى أواخر القرن التاسع عشر, وكان جناح “باكونين” فى الأممية الأولى هو ممثلها النظرى والعملى. تصاعدت بدايات المرحلة حتى عام 1848, وبلغت ذروتها مع كوميونة باريس (1871), وترنحت خلال ثمانينات القرن التاسع عشر.إنها شكل جنينى تماما للأناركية, تخلط معا ما بين الميول المناهضة للدولة, والمناهضة للرأسمالية, والإلحاد, بينما تحافظ بشكل أصيل على اعتمادها على العمالة الصناعية الماهرة فى المدن كعامل ثورى. “باكونين”, هذا الحالم المهيب, الذى كان “ديناميت وليس بشرا”, الذى هتف فى عام 1848, “يجب إنقاذ سيمفونية بيتهوفن التاسعة من نيران الثورة العالمية حتى ولو دفع الواحد حياته ثمنا لها”.باكونين ترك لنا من ضمن تراثه واحدة من أجمل وربما أدق التوصيفات لواحدة من الأفكار الرائدة داخل التقاليد الأناركية:”أنا عاشق متعصب للحرية, معتبرا إياها الشرط الفريد الذى تنمو وتتطور فى ظله الألمعية والكرامة والسعادة الإنسانية, ولا اقصد الحرية الشكلية تماما, التى تمنحها وتنظمها وتضبطها الدولة, تلك الكذبة الخالدة التى لا تمثل فى الواقع شيئا آخر أكثر من امتيازا للبعض مؤسس على عبودية الآخرين؛ الحرية التى اعنيها ليست هى الحرية الفردية, الأنانية, الرثة, الخيالية, التى تمجدها مدرسة جان جاك روسو, ومدارس البرجوازية الليبرالية الأخرى, التى تعتبر الحقوق المفترضة لكل الرجال, ممثلة فى الدولة التى تفرض لكل منا حدودا للحقوق التى نملكها – – تلك الفكرة التى تنتهى لا محالة إلى أن تجعل من هذه الحقوق صفرا. لا, إنني أعنى النوع الوحيد من الحرية, التى تستحق أن تسمى بهذا الاسم, الحرية التى تتشكل من التنمية الكاملة للقوى المادية والذهنية والأخلاقية الكامنة فى كل شخص منا؛ الحرية التى لا تكبحها أى قيود سوى تلك الكوابح التى تحتمها قوانين طبيعتنا الفردية, والتى بالطبع لا يمكن النظر إليها كقيود حيث أن هذه القوانين لم يفرضها علينا أى مشرع خارجى يقف على حد المساواة معنا أو فى مرتبة اعلى منا, ولكنها عوامل موروثة فينا ومستمرة معنا, تشكل الأساس المباشر لكينونتنا المادية والعقلية والأخلاقية – – فهى عوامل لا تقيدنا ولكنها شروط حقيقية ومباشرة تشكل حريتنا”. شهدت الموجة الثانية, من تسعينات القرن التاسع عشر حتى الحرب الأهلية الروسية, إزاحة واضحة لمركز الحركة من أوروبا الغربية إلى أوروبا الشرقية وأصبحت لذلك تعطى اهتماما أوضح للفلاحين. ولهذا كانت شيوعية “كروبتكين” الأناركية, بشكل نظرى, هى السمة الغالبة. بلغت المرحلة قمتها مع جيش “ماخنو” (جيش أسسه الأناركيون الروس من الفلاحين والعمال أثناء الثورة الروسية عام 1917 – المترجم) وانتقلت بعد انتصار البلشفية إلى أوروبا الوسطى داخل التيارات التى كانت تعمل تحت السطح. تركزت الموجة الثالثة, من عشرينات القرن العشرين حتى أواخر الأربعينيات, فى وسط وغرب أوروبا مرة ثانية, وحصرت توجهها مرة أخرى نحو الطبقة العاملة الصناعية. نظريا, كان ذلك ذروة النقابية الأناركية, أكثر الأعمال قام بها المنفيون الروس الذين طردتهم الثورة البلشفية من روسيا. ومن هذه اللحظة, بات التباين بين النوعين الرئيسيين فى التقاليد الأناركية واضحا للعيان: الشيوعية الأناركية, التى يمكن أن نعتبر, على سبيل المثال, أن “كروبتكين” تمثلها – وعلى الجانب الآخر, تقاليد النقابية الأناركية التى, ببساطة, ترى فى الأفكار الأناركية النمط السليم والصالح لتنظيم المجتمعات الصناعية المتقدمة, عالية التعقيد. يندمج مثل هذا التيار الأناركى, ويتشابك عن طريق علاقات بتلاوين من الجناح اليسارى فى الماركسية, وهو النوع الذى يجده المرء, قل مثلا, فى شيوعيى المجالس, الذين بزغوا من التقاليد اللكسمبرجية, والذين مثلهم لاحقا, بصيحات مثيرة جدا, منظرون ماركسيون مثل انطون بانيكوك.بعد الحرب العالمية الثانية, شهدت الأناركية هبوطا عاما كبيرا نتج بسبب إعادة بناء أوروبا وظهرت على السطح فقط وبشكل هامشى فى أشكال الكفاح المناهض للإمبريالية فى الجنوب, الذى كانت تغلب عليه, بالرغم من ذلك, نفوذ الاتجاهات الموالية للسوفييت. نضالات الستينات والسبعينات لم تشهد بروزا جديا للأناركية, التى كانت لا تزال محملة بأثقال تاريخها, ولم تستطع التكييف مع اللغة السياسية الجديدة التى لا تبنى كلامها على صراع الطبقات. ولهذا فأنت تجد نزعات أناركية فى مجموعات شديدة التنوع بدءا من الجماعات المناهضة للحرب, والحركة النسوية, والسود الخ, ولكنك لا تجد جماعة منهم فى حد ذاتها تصف نفسها ايجابيا بالأناركية. فمن الواضح أن الجماعات الأناركية فى هذا الوقت كانت لا أكثر ولا اقل من تقرير معاد للموجتين السابقتين (النقابيين الثوريون والشيوعيون), وكانت شديدة الانعزالية – فبدلا من الانخراط مع هذه الأشكال الجديدة من التعبير السياسى انغلقوا على أنفسهم, وعادة ما اقروا مواثيق غاية فى الجمود مثل الأناركيين الذين يسمون بـ “البرنامجيين” ذوى التقاليد الماخنوية. لذا, هذا هو الجيل “الشبح” الرابع.بالوصول إلى الزمن الحاضر, نجد لدينا جيلين يتعايشا داخل الأناركية: أهل الستينات والسبعينات التى شكلتهم سياسيا (والتى كانت فعلا إعادة تجسيد للموجة الثانية والثالثة), والشباب الأكثر معرفة, من بين عناصر أخرى, بالسكان الأصليين, ومناصرى قضايا المرأة, ودعاة البيئة, وأصحاب التفكير النقدى للثقافات. تواجد السابقون كإتحادات فدرالية أناركية, مثل الـ IWW, والـ IWA, والـ NEFAC, وأشباههم. أما تجسيد اللاحقين فهو أكثر بروزا فى شبكات عمل الحركة الاجتماعية الجديدة. ومن منظورى الخاص, تأتى منظمة “حركة الشعوب الكوكبية” Peoples Global Action, كالكيان الرئيسى فى تيار الجيل الخامس من الأناركية. ما يثير الاضطراب أحيانا هو أن واحد من الملامح الشخصية لتيار الأناركية المعاصر يتسم بأن أفراده والجماعات المكونة له لا ينسبون أنفسهم عادة إلى الأناركية. هناك بعضهم ممن يلتزم بمبادئ الأناركية حرفيا فى كونها ضد الحلقية ومع التنظيمات المفتوحة لدرجة أنهم فى بعض الأحيان يتحرجون من تسمية أنفسهم “أناركيون” لنفس هذه الأسباب.ولكن بالتأكيد تبقى المكونات الثلاث الجوهرية التى تسرى على طول الخط فى صميم الإيديولوجية الأناركية – مناهضة الدولة, ومناهضة الرأسمالية, والسياسات المجازية (أى أنماط التنظيم التى تشبه بشكل واعى العالم الذى تريد خلقه. أو, كما صاغها مؤرخ أناركى للثورة فى أسبانيا “محاولة تخيل ليس فقط الأفكار ولكن أيضا تخيل حقائق المستقبل نفسه”.) هذا الأمر قائم فى أى شيئ من أول التعاونيين المفروضين Jamming Collectives وحتى الإعلام المستقل Indy media, كل هؤلاء نستطيع أن نقول أنهم أناركيون مع الوضع فى الاعتبار أننا نقصد أشكال جديدة. هناك درجة محدودة من الالتقاء بين الجيلين المتجاورين القائمان معا, وهى غالبا ما تأخذ شكل متابعة كل منهما لما يفعله الآخر – ولكن ليس أكثر من ذلك.الإشكالية الأساسية التى تتغلغل فى كيان الأناركية المعاصرة, بناءا على ذلك, هى تلك الإشكالية التى تقوم بين المفاهيم التقليدية والمفاهيم الحديثة للأناركية. فى كلا الحالتين نحن نشهد عيانا “هروبا من التقاليد”, ولكن كل بطريقته.أجرؤ على القول بان “الأناركيون التقليديون” لم يفهموا تماما التقاليد. فكلمة “تقاليد” نفسها لها معنيان تاريخيان: حرفيا, أحدهما أكثر شيوعا وانتشارا وهو ما يعنى “الفولكلور”, القصص, والمعتقدات, والعادات, والأعراف السلوكية”, بينما يعنى الآخر الذى هو اقل شيوعا وانتشارا, ما نصه: اعبر, فوض الأمر, تحرك باتساق مع الآخرين, تشاور, قدم التوصيات.لماذا اجذب انتباهكم لهذا الاختلاف فى تفسير معنى كلمة تقاليد؟, بل إننى حتى اشدد على أهمية التفسير؟ الإجابة هى: بسبب احتمال أن مصطلح التقاليد فى تاريخ الأفكار قد يفهم على وجهين مختلفين. الوجه الأول (وهو ربما الوجه الأكثر شيوعا) هو أن التقاليد تقبل على إنها بنيان تام لا يمكن ولا يجب تغييرها أو تعديلها, ولكن يجب الحفاظ عليها فى حالتها الثابتة ويتم تجاوزها فى المستقبل, بدون تغييرها. مثل هذا الفهم للتقاليد يرتبط بهذا الجزء من الطبيعة البشرية الذى يشار إليه كالطبيعة المحافظة, التى هى ميالة للسلوك النمطى, يشخصها “فرويد” على أنها “قهر التكرار”. المعنى الآخر للتقاليد, الذى أدافع عنه هنا, يتعلق بالطريقة الجديدة والمبدعة لإحياء الخبرة المستمدة من التقاليد. مثل هذه الطريقة الايجابية, دعنا نقولها مباشرة, للتواصل, زرعت فى الجانب الآخر من الطبيعة البشرية العامة, والتى تعتبر بصفة مؤقتة طبيعة ثورية, تتجاور على طول الخط مع الحقيقة المجبول عليها الإنسان بطريقة متناقضة ظاهريا: الرغبة فى التغيير, وفى نفس الوقت, الاحتياج الصحى لأن يبقى المرء ذاته. والشكل الآخر من أشكال “الهروب من التقاليد” هو الشكل الذى يلجأ إلى تفاسير”ما بعد- الحداثة” المتعددة للأناركية.اعتقد انه حان الوقت بالتأكيد للقيام, كما قال “ماكس ويبر”, بـ “نزع الأوهام” عن الأناركية, الاستيقاظ من حلم عدمية ما بعد- الحداثة, ومعاداة العقلانية, والبدائيون الجدد, والإرهاب الثقافى, “والصور الزائفة”. حان الوقت لاستعادة الأناركية إلى المسار العقلانى والسياسى للمشروع التنويرى الذى هو مجرد استيعاب أن “المعرفة الموضوعية هى أداة تستخدم بواسطة الأفراد حتى يتمكنوا من أخذ قراراتهم بأنفسهم بناء عليها”. العقل, كما تقول لوحات “جويا” المشهورة, لا يخلق وحوشا ممسوخة عندما يحلم, ولكنه يخلقها عندما ينام.أود القول أن الحوار بين أجيال الأناركية الحديثة على اختلافاها قد بات ضروريا. الأناركية الحديثة مصابة بتضاد لا حصر له.لن يكفى أن نستسلم لعادة الغالبية من المفكرين الأناركيين المعاصرين الذين يصرون على الانقسام. سيكون من الطيب هجر انعزالية طريقة التفكير بـ “إما كذا أو كذا”, والدخول فى مناقشات تبحث عن بناء فكرة. هل مثل هذا النموذج الذى يبنى, ممكن؟ يبدو لى انه كذلك.هناك نموذج جديد من الأناركية المعاصرة, يمكن تمييزه اليوم بين صفوف الحركة الاجتماعية الجديدة, وهو النموذج الذى يوسع من مساحة بؤرة مناهضة السلطة, بالإضافة إلى التخلى عن عقيدة اختزالية الطبقة. مثل هذا النموذج يسعى لإدراك الأبعاد الكلية للسيطرة, بمعنى, “تسليط الضوء ليس على الدولة وفقط ولكن أيضا على العلاقات بين الجنسين, وليس الاقتصاد وفقط ولكن العلاقات الثقافية والبيئية أيضا, وكذلك العلاقة الجنسية والحرية فى كل شكل من الأشكال التى يمكن أن تجدها فيها, وكل ما سبق ليس من خلال المنظور الوحيد لعلاقات السلطة, ولكنه أيضا مدعوم بمفاهيم أغنى وأكثر تنوعا. هذا النموذج لا يشجب التكنولوجيا فى ذاتها فقط, ولكنه يصبح أليفا لها ويستخدم أنماطها المتنوعة فى مكانها السليم. انه لا يشجب المؤسسات فى ذاتها, أو يشجب الأشكال السياسية فى ذاتها, ولكنه يحاول وضع تصورات لمؤسسات جديدة وأشكال سياسية جديدة للعمل والكفاح من اجل مجتمع جديد, يتضمن أساليب جديدة للتجمع, وطرق جديدة لصنع القرار, وطرق جديدة للتنسيق, وهكذا دواليك. ومؤخرا جدا, إعادة الحيوية للجماعات التى تمتلك قابلية للانسجام والترابط, والهياكل التى تشكل درجات لا غنى عنها للارتقاء إلى الأعلى. وهى لا تشجب الإصلاحات فى ذاتها وفقط, بل إنها تكافح لصياغة إصلاحات غير إصلاحية والظفر بها, تلبى احتياجات الناس المباشرة, وتحسن من ظروف معيشتهم الحالية بالإضافة إلى التحرك نحو مزيد من المكاسب, مكاسب تتسبب فى نهاية الأمر فى التغيير, مستقبلا”.لن تمتلك الأناركية تأثيرا فعالا إلا إذا تضمنت ثلاث مكونات شاملة: منظمات العمال, والحركيين, والباحثون. كيف تخلق قاعدة أساس للأناركية المعاصرة على المستوى الثقافى والنقابى والشعبى؟ توجد تداخلات عديدة تعمل من اجل أناركية أخرى, تكون قادرة على ترويج القيم التى ذكرتها أعلاه. فقبل كل شيء أنا اعتقد أن الأناركية يجب أن تعكس ما يمليه الواقع. وما اعنيه بذلك هو أن النضال الفكرى يجب أن يعيد تأكيد مكانته فى الأناركية المعاصرة. ففيما يبدو أنه واحدة من مكامن الضعف الأساسية فى الحركة الأناركية فى يومنا هذا, بالنظر إلى زمن “كروبتكين” أو “ركليوز” على سبيل المثال, أو زمن “هربرت ريد”, هى نقيصة إهمال ما هو رمزى بالضبط, وإغفال فاعلية النظرية.فبدلا من نقد الأناركيون لقصة ماركسيو ما بعد-الحداثة الخيالية والذائعة الصيت المسماة بـ “الإمبراطورية”, عليهم كتابة إمبراطورية أناركية. لوقت طويل, كثيرا ما كانت العقيدة الماركسية ترجع إلى النظرية, وبهذا الأسلوب, اتخذت لنفسها مظهرا علميا ومنحت نفسها الفرصة لتتصرف كنظرية. ما تحتاج إليه الأناركية اليوم هو أن تتغلب على تطرفها فى الناحيتين: تطرف المثقفين, وتطرف معاداة المثقفين. أنا أيضا, مثل ناعوم شومسكى, لا احمل تعاطفا ولا صبرا على مثل هذه الأفكار. أنا أؤمن انه لا يجب أن يكون هناك مجال للتناقض بين الأناركية والعلم: “فى داخل التقاليد الأناركية كان ولا يزال هناك إحساس ما يرى انه يوجد فى العلم فى حد ذاته, شيئا ما كهنوتيا وظالما”.لا توجد, فى حد علمى, حجة ما تسوغ اللاعقلانية, واعتقد أن المناهج العلمية لا ترقى لحدود أكثر من كونها أشياء معقولة, ولا أرى سببا لا يحتم على الأناركيون أن يكونوا غير معقولين. أنا مثل شومسكى, حتى إننى اقل احتمالا لاتجاه غير معتاد بدأ ينتشر, فى مظاهر متنوعة, داخل الأناركية نفسها: “إن ما يدهشنى كشئ لافت للنظر أن المثقفين اليساريين هذه الأيام يبحثون عما يحرم المضطهدين ليس فقط من بهجة الفهم والبصيرة, ولكن أيضا من أدوات انعتاقهم, حين يخبرونا أن المشروع التنويرى قد مات, وأننا يجب أن نتخلى عن أوهام العلم والعقلانية – تلك الرسالة التى سوف تسعد قلوب المستكبرين”…أكثر من ذلك, أمامنا تقع مهمة وضع رؤية للأناركى البحاثة. كيف سيكون دور الأناركى البحاثة؟ بالتأكيد لن يكون مجرد إلقاء المحاضرات, كما كان يفعل المثقفون اليساريون سابقا. يجب ألا تكون مدرسة, ولكنها تصبح الشخص الذى يتصور دورا جديدا وعلى قدر كبير من الصعوبة: يجب أن تصغي جيدا, وان تسبر الأغوار وان تكتشف. دورها هو تعرية مصالح النخبة المسيطرة, المستتر بعناية فائقة خلف الخطاب الذى يبدو موضوعيا فى الظاهر.عليها أن تقدم العون للناشطين الحركيين وان تزودهم بالحقائق. من الضرورى ابتداع أشكال جديدة من الصلات بين الناشطين الحركيين والباحثين الحركيين. من الضرورى أن نخلق آلية تعاونية تنسج العلاقات بين العلماء التحرريين, والعمال, والناشطين. من الضرورى إقامة مؤسسات, ومراكز أبحاث, وتجمعات علمية, وامميات أناركية. اعتقد أن بهذه الطريقة, سوف تفقد الروح الحلقية, والتى هى لسوء الحظ ظاهرة تسرى بشدة فى الأناركية المعاصرة, سوف تفقد قوتها نتيجة لهذه الجهود. واحدة من المحاولات المنظمة لمقاومة هذه الروح الحلقية فى الأناركية المعاصرة, هى الإطار العام الذى تتبناه الأممية الأناركية الجديدة, الذى وصلنى مؤخرا, والذى سوف اقرأه عليكم الآن.الأممية الأناركية هى مبادرة تعنى توفير سبيل للأناركيين فى كل أجزاء العالم, الراغبين فى التعبير عن تضامنهم مع بعضهم البعض, وتعنى تيسير الاتصالات والتنسيق, وتعنى التعلم من خبرات وتجارب احدنا الآخر, وتعنى التشجيع على وجود صوتا اقوى للأناركيين ومنظورا أوضح لهم فى السياسة الراديكالية فى كل مكان, ولكنها ترغب فى تحقيق ذلك فى شكل يرفض كل اثر للانعزالية والتحزب, والروح الزعامية, ومذهب النخبوية الثورية. نحن لا نرى فى الأناركية فلسفة ابتدعت فى أوروبا القرن التاسع عشر, ولكنها فضلا عن ذلك, هى النظرية والممارسة الأصيلة للحرية – تلك الحرية الفريدة التى لا تؤسس على حساب الآخرين – إنها المثال الذى يعاد اكتشافه إلى ما لا نهاية, نحلم به ونحارب من اجله فى كل قارة وفى كل حقبة من تاريخ البشرية. سيكون لدى الأناركية دائما ألف فصيل وفصيل, لان التعدد سيظل دائما هو جزء من جوهر الحرية, ولكن خلق شبكات من التضامن يجعل من كل منهم أكثر قوة.- تصدق عليه -إننا أناركيون لأننا نؤمن أن أفضل ضمان للحرية والسعادة البشرية يأتى عن طريق مجتمع يتأسس على مبادئ التنظيم الذاتى والجمعيات التطوعية والمعونة المتبادلة, ولأننا ننبذ كل أشكال العلاقات الاجتماعية التى تتأسس على العنف المنظم, كالدولة والرأسمالية.إلا أننا نناهض مخلصين كل روح حلقية انعزالية, ونعنى بها أمرين:إننا لا نحاول فرض أى شكل خاص من أشكال الأناركية على شكل آخر بالقوة: البرنامجيون Platformist, أو النقابيون Syndicalist, أو دعاة البدائية Primitivist, أو دعاة الانتفاضة Insurrectionist, أو أى احد آخر. ولا نرغب فى استبعاد اى احد على هذا الأساس – فنحن نثمن التنوع والتعدد كمبدأ فى حد ذاته, محدودا فقط برفضنا الجماعى لكيانات الهيمنة مثل العنصرية والتمييز الجنسى والأصولية الخ.حيث أننا لا نرى فى الأناركية مذهبا بالقدر الذى نراها فيه كعملية حركة نحو مجتمع حر وعادل ومستدام, لذلك نؤمن انه لا يجب على الأناركيين تقييد أنفسهم بالتعاون مع هؤلاء الذين يميزون أنفسهم كأناركيين, ولكن يجب عليهم البحث بنشاط عن أوجه التعاون مع كل فرد يعمل من اجل خلق عالم مبنى على تلك المبادئ التحررية العريضة, وان يتعلم منهم فعلا. فواحد من أغراض الأممية هو تيسير أمران: الأول هو أن نسهل على أنفسنا اتصال بعض من الملايين فى أنحاء العالم الذين هم, فعلا, أناركيون دون أن يعلموا, بأفكار الآخرين الذين يعملون وفق نفس التقاليد, والأمر الثانى هو إثراء التقاليد الأناركية نفسها عن طريق التواصل مع خبراتهم.إننا ننبذ كل أشكال الروح الزعامية ونؤمن أن الدور الصحيح للمثقف الأناركى (دورا يجب أن يكون متاحا لكل فرد) هو أن يساهم فى الحوار الجارى: أن يتعلم من خبرة بناء وكفاح المجتمع المحلى الشعبى وان يمنحهم عوائد تدبره لتلك الخبرات, وليس بروح الإملاء, ولكن بروح الهبة.أى شخص يقبل هذه المبادئ هو عضو فى الأممية الأناركية, وكل شخص عضو فى الأممية الأناركية له السلطة فى أن يتصرف كمتحدث إذا كانت هذه رغبتهم. لأننا نعلو بقيمة التعدد, فإننا لا نتوقع تماثل فى الآراء غير القبول بالمبادئ نفسها (وبالطبع, إقرارا بان مثل هذا التنوع قائم).التنظيم ليس قيمة فى حد ذاته ولا شرا فى حد ذاته, فلا يمكن إملاء مستوى البنيان التنظيمى, المناسب لمشروع معين أو مهمة معينة, مقدما ولكن يمكن تحديده فقط من قبل هؤلاء المنخرطون فعلا فى هذا المشروع أو المهمة. وهكذا بالنسبة لأى مشروع تتم المبادرة به داخل الأممية: يجب أن يرجع للقائمين عليه عملية تحديد الشكل والمستوى التنظيمى المناسبين لهذا المشروع. فى هذه الحالة, لا توجد حاجة لهيكل يتخذ القرار داخل الأممية نفسها ولكن إذا شعر الأعضاء مستقبلا الضرورة لذلك, سيكون ذلك راجعا للمجموعة نفسها ان تقرر كيف ستعمل مثل هذه الآلية, بشرط واحد وهو أن تكون فى إطار الروح العامة اللامركزية وروح الديموقراطية المباشرة.أكثر من ذلك: يجب أن تلتفت الأناركية لخبرات الحركات الاجتماعية الأخرى. إنها يجب أن تتضمن فى مجرى العلوم الاجتماعية التقدمية. يجب أن تحيط بالأفكار التى تأتى من بعض الدوائر القريبة من الأناركية. ولنأخذ على سبيل المثال فكرة اقتصاديات التشارك, التى تمثل رؤية اقتصادية أناركية متميزة, تضيف إلى التقاليد الاقتصادية الأناركية وتصححها. سيكون من الحكمة أيضا أن نصغى لتلك الأصوات التى تحذر من وجود ثلاث طبقات رئيسية فى الرأسمالية المتقدمة, وليس اثنين فقط. هناك طبقة أخرى من الناس, موسومين بطبقة المنسقين coordinator class من قبل هؤلاء المنظرين. دور هؤلاء هو السيطرة على والتحكم فى عمل الطبقة العاملة. إنها الطبقة التى تتضمن مراتب الإدارة العليا والخبراء والمستشارين المتخصصين كمحور لنظام سيطرة الطبقة – كالمحامين والمهندسين والمحاسبين الرئيسيين, وهكذا. إنهم يحتلون مكانتهم الطبقية بسبب احتكارهم للمعرفة والمهارات والعلاقات. هذا ما يمكنهم من الظفر بالوسائل التى تمكنهم من شغل المواقع التى يحتلونها فى اعلى مراتب الكهنوت الإدارى للشركات الضخمة أو عند الحكومة.على أن هناك شيئ آخر يجب أن نلاحظه متعلق بطبقة المنسقين هذه, وهو أنها قادرة على أن تصبح طبقة حاكمة. وهو فى الحقيقة المعنى التاريخى الحقيقى للاتحاد السوفييتى وما يسمى بالبلاد الشيوعية الأخرى. إنهم فى الحقيقة الأنظمة التى مكنت لطبقة المنسقين. أخيرا, اعتقد أن الأناركية المعاصرة يجب أن تتوجه لوضع تصور عن رؤية سياسية.وهذا لا يعنى القول بأن المدارس المتنوعة داخل الأناركية لا تتبنى أشكال محددة جدا من التنظيم الاجتماعى, ولو أنها غالبا ما تتفاوت بشكل ملحوظ بين إحداها والأخرى. إلا أن الأناركية ككل قد طرحت جوهريا ما بات الليبراليون يسمونه “الحرية السلبية”, أى بشكل آخر, “الحرية من” فى صورتها الشكلية, و بالأحرى “الحرية إلى” فى شكلها الواقعى. وبالفعل, تفتخر الأناركية فى كثير من الأحيان بالتزامها الكامل بالحرية السلبية كدليل على تعدديتها الخاصة, وعدم تعصبها الايديولوجى, وروحها الخلاقة.فشل الأناركية فى وضع تصور للظروف التاريخية التى تجعل من الممكن قيام المجتمع الأناركى بدون دولة تسببت فى مشاكل عدة تتحدى الفكر الأناركى تظل بدون حل حتى اليوم. ولقد صارحنى احد الأصدقاء, من زمن ليس بالبعيد, “إنكم أيها الأناركيون دائما ما تبذلون أقصى الجهد حتى تظل أياديكم نظيفة, حتى إنكم فعليا تتخلفون عن الركب بلا ايدى على الإطلاق”. انا اعتقد ان هذه الملحوظة ذات صلة وثيقة لافتقادنا للتفكير بشكل أكثر جدية فى رؤية سياسية.حاول “بيير جوزيف برودون” صياغة صورة ملموسة للمجتمع التحررى. وظهر أن محاولته هذه فشل محقق, ومن وجهة نظرى الخاص, هى غير مرضية على الإطلاق. وفى جميع الأحوال, لا ينبغى لهذا الفشل أن يدعونا إلى الإحباط, ولكن ينبغى أن يشير علينا بالطريق الذى نسلكه – مدرسة الإيكولوجيا الاجتماعية فى أمريكا الشمالية على سبيل المثال – طريقا يقودنا إلى صياغة رؤية سياسية أناركية جدية. النموذج الأناركى ينبغى أن يحيط أيضا بمحاولة الإجابة على سؤال: “ما هى منظومة البدائل الايجابية المؤسسية التى يتبناها الأناركيون للتشريعات المعاصرة والمحاكم والبوليس والإدارات التنفيذية المتنوعة”. ينبغى ان “نمنح رؤية سياسية تتضمن التشريعات, وأشكال تطبيقها, وإصدار الأحكام القضائية, وسلطة تنفيذها التى توضح كيفية إنجاز كل من العناصر السابقة بشكل فعال بشكل لا سلطوى, فالرقى بمخرجات ايجابية لا يمد نضالنا المعاصر وفقط بالأمل الذى طال انتظاره, ولكنه سيوفر لحركتنا الحالية معرفة وفهم فى مواجهة أنظمة الانتخاب والتشريع وتنفيذ القانون والمحاكم القائمة, وأيضا الفهم والدراية بالعديد من اختياراتنا الاستراتيجية”.أخيرا, ما هى التبعات الاستراتيجية لترقية مثل هذا النموذج؟لقد سمعت العديد من المرات, فى لقاءاتى بالمناضلين الحركيين من الأناركيين, افتراضا استراتيجيا, لا احمل نحوه أى تعاطف ولا افهم له تفسير. يحدثونك إننا يجب أن نبذل الجهد وان تتدهور معيشتنا حتى تتطور الأمور إلى الأحسن. وكمعارض لهذا المنطق الغريب, الذى ينص على “كلما كنت أسوأ كلما كان ذلك أحسن”, اعتقد انه سيكون أكثر حكمة وأكثر معقولية كثيرا جدا, أن نصغي لنصيحة الأناركيين الأرجنتينيين التى تتبنى استراتيجية “توسيع مساحة القفص”. تعى مثل هذه الاستراتيجية, بدلا من ذلك, انه من الممكن أن تحارب من اجل وان تظفر بإصلاحات اقل مما تحلم به الثورة بالشكل الذى يحسن من أحوال الناس ويحسن من الاختيارات المطروحة أمامهم حاليا, وفى نفس الوقت تخلق هذه الإصلاحات الفرص لمزيد من الانتصارات فى المستقبل. تعى هذه الاستراتيجية فهما بقول كونك نصيرا للمجتمع الجديد لا يسوغ لك تجاهل معاناة والآلام الناس الحالية, ولكنه يخول لك انك عندما تخاطب المتاعب المعاشة وعندما تعمل لجعل الأمور المباشرة أفضل, علينا أن نقوم بذلك بالطريقة التى ترفع من وعينا, وتمكننا من بناء كياننا, وتطور من منظماتنا وبالتالي تقود مسيرتنا فى منحنى صاعد من التغييرات المستمرة التى تثمر عن الوصول إلى تحديد هياكلنا الاقتصادية والاجتماعية. توسيع ارض القفص لا ينبذ كفاحات الشعب القصيرة الأمد من اجل رفع الأجور على سبيل المثال, أو نضالهم لإيقاف حرب أو أعمالا ايجابية مثل تحسين شروط العمل, أو المشاركة فى وضع ميزانية البلد, أو فرض ضرائب تقدمية أو راديكالية, أو ساعات عمل اقل مع اجر كامل, أو إلغاء صندوق النقد الدولى, أو أى نضالات أخرى بأى صورة, وذلك بسبب أنها تحترم حقيقة أن وعى الشعوب ودرجة تنظيمها يتطور من خلال الكفاح, كما أنها بشكل عنيف تحاذر من هذا النوع من الاحتقار المنتشر بين المناضلين الحركيين للجهود الشعبية الشجاعة لتحسين ظروف حياتهم.اعتقد, لننجز, أن مثل هذا النموذج من الأناركية المعاصرة له دور هام وهو أن تبنى, فى ظل الأهوال المرعبة للرأسمالية, حركة فى مرحلة ما بعد الماركسية تطالب بقيم التنوير وان تجعل إدراك طاقاتهم أمرا حقيقيا.

http://www.anarchism-jordan.blogspot.co.uk/

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s