عامل الآخرين كما تحب أن يعاملوك

بيتر كروبوتكين

الترجمة إلى العربية بتصرف : محمد عبد القادر الفار

الأخلاق الأناركية / الفصل الرابع

إن رجال الدين اليهود والبوذيين والمسيحيين والمسلمين قد لجؤوا إلى الإلهام الإلهي للتمييز بين الخير والشر. وقد رأوا أن الإنسان، سواء كان بدائياً أو متحضراً، جاهلاً أو متعلماً، فاسداً أو طيباً ومخلصاً، يعرف دائماً ما إذا كان يفعل الخير أو الشر، وخصوصاً إذا كان يفعل الشر. ولما لم يجدوا أي تفسيرات لذلك الادعاء العام، فقد ردوه إلى الوحي الإلهي. الفلاسفة الميتافيزيقيون، من جانبهم، قد أخبرونا عن الضمير، عن ذلك ” الملزم” الخفي، و هم في النهاية لم يغيروا شيئاً سوى الكلمات.

لكن أياً من أولئك لم يستطع تقدير الحقيقة البسيطة الساطعة وهي أن الحيوانات التي تعيش في مجتمعات قادرة أيضاً على التمييز بين الخير والشر، تماماً كما يفعل الإنسان. وعلاوة على ذلك، فإن مفاهيمها عن الخير والشر لها نفس طبيعة مفاهيم الإنسان عنها.

بل إن الكائنات الأكثر تطوراً في الرتب المختلفة ، — الأسماك، الحشرات، الطيور، الثدييات،– تتطابق مع بعضها في ذلك.

لقد أظهر”فوريل”، ذلك الباحث الفذ عن النمل، عن طريق عدد ضخم من الملاحظات والحقائق أنه عندما تقابل نملة ذات حصاد مملوء بالعسل نملات أخرى فارغة البطون، فإن تلك النملات تطلب منها على الفور أن تطعمها. وفي ما بين هذه الحشرات الصغيرة، يكون واجب النملة الشبعانة أن تفرغ العسل الذي بحوزتها حتى يصل أصدقاؤها الجوعى إلى الشبع أيضاً.

اسألوا النمل إذا كان من الصواب أن ترفض النملة إعطاء الطعام لنملات أخريات من نفس كثيب النمل عندما تكون قد أمنت حصتها. سيجيبونك، بسلوك لا يخطئ أبداً، أن ذلك سيكون خطأً كبيراً. فالنملة الأنانية جداً تتم معاملتها بقسوة أكبر من القسوة على الأعداء من الأجناس الأخرى. وإذا حدث شيء كهذا أثناء معركة بينهم وبين نوع آخر من الأجناس، فإن النمل سيتوقف عن القتال لينهال على العضو الأناني. هذه الحقيقة تم إثباتها عن طريق تجارب لم تدع مجالاً للشك.

أو مرة أخرى، اسأل العصافير التي تعيش في حديقتك إذا كان من الصواب لعصفور عدم تنبيه سائر مجتمع العصافير الصغير عندما يلقى إليه بعض فتات الخبز حتى تأتي بقية العصافير لمشاركته في الوجبة. اسألهم هل كان عصفور السياج ذاك على حق عندما سرق من عش جاره تلك القشات التي جمعها جاره بنفسه، وكان هو أكسل من أن يذهب لجمعها كما فعل جاره. ستجيبك العصافير بأنه كان مخطئاً جداً، بطيرانها إلى السارق ونقره.

أو اسأل المراميط (نوع من القوراض، المترجم) إذا كان من الصواب أن يرفض أحدها أن يأذن للمراميط الأخرى من نفس الجماعة بالدخول إلى مخزنه تحت الأرض. سيجيبونك بأن ذلك خطأ فادح، بالتشاجر بكل السبل مع ذلك البخيل.

وأخيراً، اسأل الإنسان البدائي إذا كان من الصواب أن يأخذ الطعام من خيمة فرد آخر من القبيلة أثناء غيابه. سيجيبك بأنه طالما كان قادراً على الحصول على طعامه بنفسه، فذلك سيكون خطأ ً كبيراً. ومن ناحية أخرى، إذا كان متعباً أو محتاجاً، فلا بد له من أخذ الطعام حيثما يجده، ولكن في هذه الحالة فإن من الأفضل له أن يترك قبعته أو سكينه أو حتى جزءاً من خيط معقود، حتى يعلم الصياد الغائب عند عودته بأن ثمة صديقاً كان في الأرجاء، لا سارقاً. فاحتياط من هذا النوع سيوفر على صديقه القلق من وجود محتمل لبعض الغزاة بجوار خيمته.

يمكن الاستشهاد بآلاف الحقائق المشابهة، ويمكن تأليف كتب كاملة، لإظهار مدى تطابق المفاهيم عن الخير والشر بين البشر وسائر الحيوانات.

إن النملة، والعصفور، والمرموط، والبدائي لم يقرأوا لا ل”كانت” ولا لآباء الكنيسة ولا حتى لموسى. ومع هذا فإن لديهم جميعاً نفس الفكرة عن الخير والشر. ولو تأملت لبرهة في ما يقع تحت هذه الفكرة، سترى بشكل مباشر أن الفعل الذي يعتبر خيراً عند النمل، والمراميط، و الأخلاقيين المسيحيين أو الملحدين هو ذلك الفعل المفيد للحفاظ على النوع؛ وأن ذلك الفعل الذي يعتبر شريراً هو ذلك الفعل الذي يضر بالحفاظ على النوع، ليس بالنسبة للفرد، كما يقول بنتام وميل (فيلسوفان نفعيان، المترجم) بل بحسب الأعدل والأفضل للنوع كله.

إن فكرة الخير والشر إذاً لا علاقة لها بالدين أو الضمير الخفي. إنها حاجة طبيعية للأجناس المختلفة من الحيوانات. وعندما يحدثنا مؤسسو الأديان، والفلاسفة، والأخلاقيون عن كيانات غيبية أو إلهية، فهم يقومون فقط بإعادة تشكيل لما تمارسه كل نملة وكل عصفور في مجتمعه الصغير.

هل هذا الشيء مفيد للمجتمع؟ إذاً فهو جيد. هل هو مضر؟ هو سيء إذاً.

قد تكون هذه الفكرة محصورة وضيقة عند الحيوانات الأدنى، ويمكن أن تكون أوسع عند الحيوانات الأكثر تطوراً، لكن جوهرها يبقى نفسه دائماً.

فبالنسبة للنمل، لا يتعدى تطبيق ذلك المبدأ حدود الكثيب. فكل الأعراف الاجتماعية، وكل قواعد السلوك الجيد هي مطبقة فقط على الأفراد داخل الكثيب الواحد، وليس على أي أحد آخر. فأي كثيب معين لن يعتبر أن كثيباً آخراً ينتمي للعائلة نفسها، إلا في حالات استثنائية، كأن تصيبهما معاً محنة مشتركة. والعصافير في “حدائق لوكسمبرغ” في باريس، بالطريقة نفسها، ومع أنها ستتبادل المنافع مع بعضها البعض بطريقة ملفتة، ستتشاجر حتى الموت مع عصفور آخر من “ساحة مونغ” (ساحة في باريس، المترجم) جازف بالمجيء إلى حدائق لوكسمبرغ. وكذلك الإنسان البدائي سينظر إلى البدائي من قبيلة أخرى كشخص لا تطبق عليه معاملة أفراد قبيلته هو. بل قد يسمح لنفسه بأن يبيع له، و”أن يبيع” يعني دائماً أن يسرق المشتري بشكل ما؛ فالبائع أو المشتري، أحدهما دائماً يتعرض للاحتيال. لكن البدائي سيعتبر البيع لأفراد قبيلته جريمة، إذ أنه يعطي لهم من دون حساب.

أما الإنسان المتحضر، فعندما يدرك في النهاية العلاقات بينه وبين الإنسان البسيط، تلك الروابط القوية التي قد لا يدركها للوهلة الأولى، فإنه سيوسع عمله بمبادئه في التضامن والتماسك لتشمل كل الجنس البشري، بل حتى الحيوانات. فالفكرة تتوسع، لكن أساسها يبقى نفسه.

من ناحية أخرى فإن إدراك الخير أو الشر يختلف تبعاً لدرجة الذكاء أو المعرفة التي تم تحصيلها. وليس هناك شيء غير قابل للتغيير بالنسبة لهذا الإدراك.

ربما كان الإنسان البدائي قد فكر أنه من الصائب جداً – أي من النافع بالنسبة للنوع – أن يأكل أبويه المسنين عندما يصبحان عبئاً ثقيلاً جداً على المجتمع. وربما فكر أيضاً أنه من النافع للمجتمع أن يقتل أطفاله حديثي الولادة، وأن يبقي طفلين أو ثلاثة في كل أسرة، حتى يتسنى للأم أن ترضعهم إلى أن يصلوا سن الثلاث سنوات وتمنحهم المزيد من حنانها.

في أيامنا هذه تغيرت الأفكار، ولم تعد الوسائل اللازمة للبقاء كما كانت في العصر الحجري. فالبشر المتحضرون ليسوا في موقع العائلة البدائية التي كان عليها أن تختار بين رذيلتين : إما أكل الآباء المسنين، أو البقاء دون تغذية كافية حتى يصبحوا عاجزين عن إطعام أي من الآباء المسنين أو الأطفال الصغار. إن علينا أن ننقل أنفسنا إلى تلك العصور -التي يصعب علينا كثيراً أن نستحضرها في عقولنا- قبل أن نتمكن من تفهّم أن الإنسان نصف البدائي، في ظل الظروف التي كانت موجودة حينها، ربما فكر بمنطق كاف بالنسبة له.

إن أساليب التفكير قد تتغير. وتقدير ما هو نافع أو ضار بالنسبة للنوع يتغير، لكن الأساس يبقى ثابتاً. وإذا أردنا أن نلخص كل فلسفة المملكة الحيوانية في جملة واحدة، فعلينا أن نرى أن النمل والطيور والمراميط والبشر يتفقون جميعاً على نقطة واحدة.

إن المبدأ الأخلاقي الذي يتأتى من ملاحظة المملكة الحيوانية كلها يمكن تلخيصه بما يلي : “عامل الآخرين كما تريد منهم أن يعاملوك في الظروف نفسها”. وإضافة إلى ذلك : ” تذكر أن هذه مجرد نصيحة، لكن هذه النصيحة هي ثمرة تجربة الحيوانات الطويلة في المجتمع. وقد أصبح اعتيادياً عند ذلك العدد الضخم من الحيوانات الاجتماعية، بما فيها الإنسان، التصرف وفق هذا المبدأ. ومن المؤكد أنه من دون ذلك ما كان أي مجتمع ليحافظ على وجوده، ولم يكن أي نوع ليتمكن من التغلب على العوائق الطبيعية التي كان عليه أن يكافحها”.

.

.

الموقع الذي يحتوي النص الأصلي :

http://dwardmac.pitzer.edu/ANARCHIST_ARCHIVES/index.html

http://1ofamany.wordpress.com/

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s