كروبوتكين وأفكاره الفيدرالية

للمفكر الأناركي الإيطالي : كاميلو بيرنيري Camillo Berneri

نشرت لأول مرة سنة 1922

ترجمها للعربية (عن الترجمة الإنجليزية) :  محمد عبد القادر الفار

أحد أهم سمات أفكار كروبوتكين السياسية هي فكرة الفدرالية التي تتردد في كتاباته باستمرار وتشكل أحد العناصر الأساسية في إديولوجيته الأناركية.

مع أن فدرالية كروبوتكين ليست نظرية نظامية ولا يمكن تفريقها بوضوح عن فدرالية برودون أو باكونين، إلا أنها تقدم خصائص متنوعة تجعل دراستها أمرا مهما.

وللقيام بدراسة من هذا النوع، يلزمك استطراد مطول في السيرة الذاتية لكروبوتكين من أجل تسليط الضوء على بدايات أفكاره الفدرالية وارتباطها بالبيئة المحيطة بها حيث كونت تلك الأفكار نفسها وتطورت.

الكاتب “أدريانو تيلغر” في معرض كتابته عن كروبوتكين، أصاب عندما علق بقوله :
” من المستحيل أن تفهم الروح الحقيقية للحركة الأناركية إذا لم تفكر فيها –تاريخيا- على أنها ردة فعل ثورية وعنيفة ضد التحول العميق في إقامة الدولة في القرن التاسع عشر”.

كروبوتكين، “الأمير الأناركي”، يقدم لنا المثال الأفضل لتأكيد ذلك.

فسيرته الذاتية الواضحة والمفصلة تتيح لنا اتباع المراحل المختلفة لتطور فكره الفدرالي، خطوة بخطوة.

في عمر التاسعة عشرة، كان ضابطاً للقفقاز، وذهب إلى “ترانسبايكاليا” حيث شدت انتباهه وحماسه الإصلاحات الكبيرة التي شرعت بها الحكومة سنة 1862 وتولتها الإدارة العليا لسيبيريا. وكسكرتير لمجلس الحكومة، كان على صلة مباشرة بأفضل الموظفين المدنيين، وبدأ دراسة المشاريع المتنوعة لإدارة الحكومة المحلية. لكنه بعد فترة قصيرة جداً وجد أن الإصلاحات المقترحة من قبل مديري المقاطعات والمحمية من قبل الحكام العامين، كانت خاضعة لتعليمات وتأثير الحكومة المركزية. وكشفت له الحياة الإدارية السخافات اليومية في النظام والمنهج المتبع.

ولما رأى استحالة تحقيق أي نوع من الإصلاحات، اشترك كروبوتكين سنة 1863 في حملة استطلاعية حول نهر “أمور”.

وهناك حدثت عاصفة غرق خلالها أربعون مركباً لتحميل البضائع وتمت خسارة 2000 طن من الطحين. هذه الكارثة أتاحت له الفرصة للتعرف على النظام البيروقراطي بشكل أفضل. رفضت السلطات تصديق الحدث، بينما أظهر الموظفون المدنيون المعنيون “بالشؤون السيبيرية” في بيتروغراد جهلاً تاماً بكل ما هو أصلاً من صميم تخصصهم. وقال له أحد كبار الموظفين: “ولكن يا زميلي العزيز، كيف يمكن لأربعين مركباً أن تتدمر في نهر “نيفا” دون أن يقفز أحد لإنقاذها !”، وعندما رد كروبوتكين عليه بأن نهر الأمور أكبر بأربع مرات من نهر نفيا، سأل الموظف المندهش : “ولكن أهو حقاً بهذه الدرجة من الضخامة؟”وتجاهل الأمر منزعجاً للحديث في أمر بهذه التفاهة.

ذهب كروبوتكين إلى “منشوريا” فاقداً ثقته في الحكومة المركزية أكثر من أي وقت مضى. وربما تذكر بيروقراطيي بيتروغراد عندما رفض موظف رسمي من الإمبراطورية السامية جواز سفره على الحدود الصينية لأنه كان يتكون فقط من صحيفة متواضعة من الورق المختوم، مظهراً في نفس الوقت أكبر الاحترام لنسخة قديمة من جريدة موسكو المكتظة، والتي أبرزت له على أنها جواز سفر.

وكملحق “للحاكم العام لشؤون القفقاز”، أجرى كروبوتكين استعلاماً دقيقاً عن الظروف الاقتصادية لقفقازيي نهر “أوسوري”. وعند عوته إلى بيتروغراد، تمت تهنئته، وترقيته، وحظي بمكافآت خاصة. لكن مقترحاته لم توضع حيز التنفيذ بسبب الموظفين الرسميين الذين سرقوا المال واستمروا في تبديد جهد الفلاحين، بدلاً من تزويدهم بالمواشي، أو تفريج آثار المجاعة بالاستجابة السريعة والإسناد المناسب.

“وهكذا استمر الحال في جميع الاتجاهات، بدءاً بقصر الشتاء في سانت بطرسبرغ وانتهاء بالأوسوري وكامتشاتكا، حيث تم التأثير على الإدارة العليا لسيبيريا بالنوايا الممتازة، ويمكنني فقط أن أكرر أنها الآن–بأخذ كل شيء بالاعتبار- أفضل بمراحل، وأكثر تنوراً بمراحل، وأكثر اهتماماً بمراحل بصالح الناس ورفاهيتهم من إدارة أي مقاطعة أخرى في روسيا. لكنها إدارة واحدة، وفرع من شجرة تقع جذورها في سانت بطرسبرغ، وهذا كان كافياً لشل كل نواياها الممتازة، وكافياً لجعل تلك الجذور تتدخل في كل بدايات الحياة المحلية والتطور، وقتلها.
وكل ما كان الأهالي المحليون يشرعون بفعله لمنفعة البلدة كان يـُـنظر إليه بتشكك ويتم شله بالصعوبات الكثيرة التي تأتي، ليس -في الجزء الأكبر منها- من النوايا السيئة للإداريين، بل ببساطة من حقيقة أن أولئك الموظفين الرسميين كانوا ينتمون إلى إدارة مركزية هرمية.

الحقيقة الأساسية عن انتمائهم لحكومة تشع من عاصمة بعيدة جعلتهم ينظرون إلى كل شيء من وجهة نظر مسؤولي الحكومة، الذين يهمهم أولاً ما سيقوله رؤساؤهم في الوظيفة وكيف سيظهر هذا الشيء أو ذاك في الآلية الإدارية. أما مصالح البلدات فهي أمر ثانوي.”

وبموازاة معرفته بعدم كفاءة هياكل الإدارة المركزية، كانت ملاحظاته عن “” الاتحاد الحر لأولئك الذين تجمعهم مصالح مشتركة”” والتي قام بها خلال رحلته الطويلة في سيبيريا ومنشوريا، وتلك الملاحظات أسهمت أيضاً في تشكيل شخصيته الأناركية. حيث رأى بوضوح الدور الذي لعبته الطبقات الدنيا المغمورة في أحداث تاريخية عظيمة، وفي تطور الحضارة. وهذا الفهم، كما سنرى لاحقا، أثر في كل نقده السوسيولوجي، وكان أساسياً لمنهجه في البحث التاريخي.

وعندما ذهب كروبوتكين إلى سويسرا، تأثرت ميوله الليبرتارية والفدرالية باتصاله باتحاد “جورا” الذي أظهر ميولاً واضحة للأناركية واللاسلطوية سنة 1872. والجدير بالذكر أن تطور هذه النزعات نجم بالشكل الأكبر من المركزية القوية – أو حتى الاستبدادية- لسيطرة الأممية الأولى.

ومن الضروري إضافة أن مناضلي اتحاد جورا تشربوا أناركية باكونين الذي هو في الأساس فديرالي. وبالنسبة لكروبوتكين، وكما يقول هو عن نفسه، لم يكن أبداً على اتصال مباشر بباكونين.

وعند عودته إلى روسيا، أصبح على صلة مباشرة بمجموعات مفكري الجناح الأيسر، وأدرك من جديد عدم جدوى محاولات أولئك الذين حاولوا تجديد البلدات عن طريق” الزيمستفو” (وهو شكل للحكم المحلي سمح به القيصر ألكسندر الثاني، المترجم) . فمحاولات من هذا النوع صار يشتبه بكونها انفصالية أو محاولات لتشكيل دولة داخل الدولة وجرى اضطهادها لدرجة أن أي محاولة لتحسين الإدارة الريفية في ما يتعلق بالخدمات الصحية أو المدارس كانت تمنى بفشل كبير ويحل من ورائها خراب يلحق مجموعات كاملة من الأعضاء المنتخبين للزيمستفو.

وبالرغم من الإحباطات التي شهدها من خلال خبرته الإدارية، بدأ كروبوتكين العمل مرة أخرى قبل مغادرته لروسيا. فعندما ورث أملاك أبيه في “تامبوف”، ذهب ليعيش هناك ووهب كل طاقته للزيمستفو المحلي. لكنه أجبر مرة أخرى على إدراك حقيقة استحالة إقامة المدارس أوالجمعيات التعاونية أو المصانع النموذجية، بدون خلق ضحايا جدد للحكومة المركزية.

 ***

من النصوص التي نشرها كروبوتكين ما بين عامي 1879 و1882 ضمن مقالاته “الثورة” (Révolté) في جنيف، يتضح لنا أن كل ما زوده به النظام الإداري للغرب هو مواد إضافية لانتقاداته ضد الدولة، بل وعمل على ترسيخ أفكاره الفدرالية والليبرتارية أكثر فأكثر. فأينما كانت المركزية حاضرة، وجد لها كروبوتكين بيروقراطية نافذة.

“” إنها تخلق جيشاً من الموظفين الرسميين، جالسين كما تجلس العناكب في شباكها، فهم لم يروا العالم أبداً إلا من خلال ألواح زجاج نوافذهم القذرة، ولم يعرفوه إلا من ملفاتهم وصيغهم السخيفة – فرقة سوداء، ليس لها دين غير المال، ولا أي فكر غير التمسك بأي حزب، أسوداً كان أو أرجوانياً أَو أبيض، طالما ظل يضمن لهم أكبر راتب ممكن بأقل قدر من العمل “” P. Kropotkin, Paroles d un revolté

المركزية – التي تؤدي إلى بيروقراطية مفرطة – بدت لكروبوتكين كأحد سمات النظام التمثيلي. رأى في النظام البرلماني نجاحاً لانعدام الأهلية والكفاءة، ووصف بسخرية بديعة الأنشطة الإدارية والتمثيلية لعضو البرلمان الذي لا يـُستدعى ليتعامل أو يتصرف بشأن أمور هو كفؤ لها، بل يـُطلب منه أن يصوت على سلسلة مقترحات ذات تنوع لا محدود، نابعة من تلك الماكينات الضخمة التي تشكل الدولة المركزية.”” سيكون عليه أن يصوت على الضرائب المدفوعة على الكلاب، وعلى إصلاح التعليم الجامعي، دون أن يكون قد خطا خطوة واحدة داخل جامعة من قبل أو تعرف في حياته على كلب ريفي. سيكون عليه إبداء رأيه حول إيجابيات بندقية غراس (Gras Rifle) وحول اختيار موقع اصطبلات الدولة. سيكون عليه أن يصوت حول الفيلوكسيرا التي تصيب الحبوب (آفة زراعية، المترجم)، وحول التبغ، وحول التعليم الابتدائي، وتحسين الأوضاع الصحية في المدن؛ حول كوتشين، والصين، وغيانا، وحول المداخن، وحول مرصد باريس. هذا العضو البرلماني لم ير جنوداً في حياته إلا في المناورات، لكنه سيرتب فيالق الجيش، لم يقابل عربياً في حياته، لكنه سيقوم بإعادة صياغة الشريعة الإسلامية في الجزائر. سيصوت على قبعة الشاكو أو الكيبي (أنواع قبعات عسكرية، المترجم) وفق ذوق زوجته. سيحمي جهاز حفر الأرض ويضحي بالحبوب. سيدمر كروم العنب ظاناً أنه يحميها. سيصوت للتشجير في مقابل التعشيب، وفي نفس الوقت يحمي المراعي في مقابل الغابات. سيكون عليه أن يظهر مقدرته في أعمال البنوك، سيقوم بالتضحية بقناة أو بسكة حديدية دون أن يعرف حتى في أي جزء من فرنسا تقع هذه أو تلك. سيضيف نصوصاً جديدة للقانون دون أن يكون قد تشاور بشأنها مع أحد. هو بروتيوس حقيقي (بروتيوس هو إله إغريقي واستخدمه هنا كناية عن شخص متعدد المواهب، المترجم)، خبير في كل شيء، وسلطته واسعة، اليوم جندي وغداً رجل خنازير، ثم خبير بنوك، ثم أكاديمي، ثم مكنس للشارع، ثم طبيب، ثم عالم فضاء، ثم مصنـّع أدوية، ثم دباغ، أو مقاول، على حسب تعليمات ذلك اليوم في البرلمان. هو لا يعرف أبداً لحظة تردد. وبحكم اعتياده على مقدرته كمحام، أو صحفي، أو خطيب عام، هو يتحدث في أمور لا يعرف عنها شيئاً، يصوت على كل تلك الأمور وغيرها بفرق واحد فقط : ففي حالة الصحف هو بالكاد يسلي نفسه بشائعاته، وفي قاعة المحكمة يوقظ صوته القضاة الغافين فقط، بينما في البرلمان فهو سوف يسن القوانين لثلاثين أو أربعين مليون نسمة. “” P Kropotkin, Paroles d un revolté.

لكن الدول الغربية، ومعها الإدارات السخيفة للأنظمة البرلمانية المركزية، كشفت له عن القوة الهائلة، التي يمكن ملاحظتها بشكل أكبر وأكثر تعقيداً في “المير” الروسي (المشاعيات الفلاحية)، أو الاتحادات الحرة التي “” تمتد لتغطي كل فرع من فروع الأنشطة الإنسانية “”، والتي جعلته يعلن أن “” المستقبل هو في أيدي الاتحادات الحرة وليس في أيدي الحكومات المركزية””. والسنوات التي قضاها كروبوتكين في إنجلترا بشكل خاص – حيث استقلال الشعب والتطور الضخم للمبادرة الفردية لم يكن من الممكن ألا يدهش الأجنبي القادم من الدول السلافية أو اللاتينية – جعلته يعلق أهمية عظيمة – وأحياناً زائدة – على الاتحادات.

ومن معرفته المباشرة بالعالم الغربي، أضاف كروبوتكين نزعة جديدة لدراساته. فكروبوتكين الذي كان جغرافياً في روسيا، أصبح مؤرخاً متحمساً في بريطانيا. كان يتمنى أن يفهم الدولة وكان يعرف أنه في سبيل ذلك “” يوجد طريق واحد فقط، وهو دراستها في سياق تطورها التاريخي””. واكتشف بحماس أن النزعة العامة للعلم هي
“” تلك النزعة لدراسة الطبيعة ليس من نتائجها الضخمة واستنتاجاتها الكبيرة، بل عوضاً عن ذلك من خلال دراسة ظاهرة منفردة، ومن خلال عناصر منفصلة””. فالتاريخ أيضاً يكف عن كونه تاريخ السلالات الحاكمة، ليصبح تاريخ الشعوب. وإذا كان ذلك الأسلوب أفضل بكثير كمنهج تاريخي فهو كذلك أيضاً كمنهج فكر فدرالي، لأنه يصبح واضحاً أن التغيرات التنموية العظيمة لم تجر أحداثها في البلاطات والبرلمانات، بل في داخل المدن والأرياف.

رأى كروبوتكين –الذي نذر نفسه للدراسات التاريخية – في المركزية المفرطة للإمبراطوية الرومانية سبب انهيارها. وفي عصر الكوميونات نهضة العالم الغربي.
“”إنه في منح الكوميونات أعضاءها حق الاقتراع، وفي تمرد الشعوب والكوميونات ضد الدولة، حيث نجد أكثر صفحات التاريخ جمالاً. عندما ننظر إلى الماضي، فإننا لا نلتفت إلى لويس الحادي عشر أو لويس الرابع عشر أو كاثرين الثانية، بل إلى كوميونات جمهوريات أمالفي، وفلورسنا، وتولوز، ولاون، ولياج أو كورتراي، و أوغسبرغ ونورمبرغ، بسكوف و نوفغورود.

في محاولة منه لأخذ أمثلة من مجتمع العصور الوسطى، وقع كروبوتكين في عدة أخطاء في التفسير، عائدة –بشكل رئيسي – إلى حقيقة أن النصوص التي أخذ بها (مثل كتابات سيسموندي) لم تكن متطورة بنفس درجة الدراسات التاريخية المعاصرة. ولا حاجة بنا للتفكير -بالرغم من ذلك- كالأشخاص السطحيين الذي فكروا أن كروبوتكين تصور عهد الكوميونات كنوع من العصر الذهبي. “” سوف يقال، بلا شك، أنني نسيت الصراعات والنزاعات الداخلية التي يمتلئ بها تاريخ الكوميونات، والمعارك المريرة ضد النبلاء، وتمرد “الفنون الناشئة ضد “الفنون القديمة”، وإراقة الدماء والانتقامات التي كانت تحدث دائماً خلال تلك المعارك. لا، لم أنس شيئاً. ولكن، مثل ليو و بوتا Leo and Botta مؤرخي جنوبي إيطاليا، ومثل سيسموندي، فراري، جينو كابوني وآخرين كثر، أستشهد بأن هذه المعارك كانت في حد ذاتها البرهان على حرية الحياة في المدن الحرة”” (انظر إلى كتابه “الاستيلاء على الخبز” ). كانت “صراعات المصارين أو الأمعاء” تلك، حسب كروبوتكين، التي أتاحت تدخل الملوك وميل تلك الكوميونات للانغلاق على نفسها في داخل جدرانها. (“Paroles d un Revolte”)

حقل تاريخي آخر تحرى عنه كروبوتكين كان الثورة الفرنسية، كان معارضاً لبرجوازيي 1789 الذين “” كانت غايتهم المثلى هي محو كل القوى المحلية التي شكلت في ذلك الوقت وحدات تلقائية كثيرة داخل الدولة. أرادوا تركيز كل القوى الحكومية في أيدي سلطة مركزية تنفيذية، محكومة بصرامة من قبل البرلمان، ولكن أيضاً مطاعة بصرامة داخل الدولة، وتشمل كل دائرة — الضرائب، المحاكم القانونية، الشرطة، الجيش، المدارس، الإشراف المدني، الاتجاه العام للتجارة والصناعة—كل شيء””
(“The Great French Revolution”).
لام كروبوتكين الجيرونديين على محاولاتهم لحل الكوميونات، وأشار إلى أن فدراليتهم كانت فقط شعارا مرفوعاً كمعارضة، وأن أفعالهم أظهرت أنهم على نفس الدرجة من تفضيل المركزية مع المونتغراديين. (الجرونديون والمونتغراديون أسماء لكتل سياسية مهمة في عصر الثورة الفرنسية، المترجم(

ووفقاً لكروبوتكين، فإن الكوميونات كانت روح الثورة الفرنسية، وأعطى لذلك تصورات شاملة للحركة الكوميونالية، راغباً في إظهار أن أحد الأسباب الأولية لتدهور المدن كان إلغاء الاتحادات كاملة الصلاحيات للمواطنين، والتي أشرفت على العدالة والإدارة.

كان عصر الكوميونات وعصر الثورة الفرنسية بالنسبة لكروبوتكين، كما كانا لسالفيميني Salvemini، الحقلين التاريخيين اللذين وجد فيهما تأكيداً على أفكاره الفدرالية، وعنصرين فاعلين في تطور مفهومه التحرري للحياة والسياسة. ولكن ظل حياً فيه دائماً سجل ملاحظاته على “المير” الروسي والاتحادات الحرة بين الشعوب البدائية، وهذه الذكريات رسخت فيه فدراليته، التي تجعله أحياناً يبدوعامياً بسيطاً كما في كتابه “الاستيلاء على الخبز”.

***

عندما قام كروبوتكين بدراسة النظريات الاشتراكية المتنوعة، تبنى موقفاً سلبياً من أتباع “سان سيمون” ومن يسمون “باليوتوبيين”، وبالتحديد “كابييه”، لأنهم أسسوا أنظمتهم على تراتبية إدراية، لكنه في المقابل أظهر حماسة كبيرة لنظريات “تشارلز فوريير” الكوميونالية المشاعية. (انظر فيModern Science and  Anarchism)

وكان كروبوتكين معارضاً لقيام الدولة بالتأميم، لأن ذلك – ورغم أنه بلا شك تعديل للنظام الرأسمالي- فإنه “لا يلغي نظام الأجور”، لأن “الدولة، أو الحكومة التمثيلية، وطنية كانت أو شيوعية، تضع نفسها في موقع الحاكم” حتى يتسنى لممثليها وبيروقراطييها أن يمتصوا فائض القيمة في الإنتاج ويجعلوا ذلك ضرورة. ( انظر،“Conquest of Bread” and “Modern Science and Anarchism”).

الملاحظة التالية له أيضاً صادقة في ما يخص الدولة الاشتراكية : “ما مقدار العمل الذي ننتجه للدولة؟ لم يسبق لأي اقتصادي أن حاول حساب أيام العمل التي يعطيها العامل في الحقل أو المصنع لذلك المعبود الوثني (الدولة). وعبثا يظل بحث المرء في كتب الاقتصاد السياسي للوصول إلى تقدير تقريبي لما يعطيه الإنسان -الذي هو منتج كل الثروات- من عمله للدولة.

“” إن تقديراً بسيطاً مبنياً على ميزانية الدولة، لشعب ما، للأقاليم والكوميونات (التي تساهم في زيادة نفقات الدولة) لن تكون له أهمية، لأن ما ينبغي حسابه ليس ما يذهب إلى صندوق الخزينة كل سنة، بل ما يمثله كل “شلنغ” يدفع إلى الخزينة كقيمة حقيقية بالنسبة لدافع الضرائب. كل ما يمكننا أن نقوله هو أن مقدار العمل الذي يعطيه المنتج للدولة كل سنة ضخم بالتأكيد. لا بد أنه يصل -وبالنسبة لطبقات معينة يتجاوز- الثلاثة أيام عمل في الأسبوع التي كان العبد يعطيها لمولاه “””(“Modern Science and Anarchism”) .  حتى الدولة الاشتراكية ستحاول أن تزيد قيمة هذه الأتاوات لأن “كل فريق سياسي في السلطة مجبر على إيجاد وظائف جديد لمناصريه”، وهي لن تكتفي بإثقال كاهل الحياة الاقتصادية للبلاد بالمصاريف الإدارية، بل ستنصب أوليغاركية (حكم قلة) للقلة التي لا تتحلى بالكفاءة . “” وما نحتاجه في المقابل هو تلك الروح الجماعية للطبقات العاملة التي تشتغل بشؤون الكونكريت (الباطون)””.

و “الروح الجماعية” هو اصطلاح عام أصبح في كتابه “الاستيلاء على الخبز” يشير إلى “الشعب”، و”الكوميون”، و”المجتمع” .. إلخ الذي يدير القضاء، وينظم كل شيء، ويحل أكثر المشاكل تعقيداً. فهذه “الروح الجماعية” هي نوع من الألوهية وصفه “فرانشسكو سافيريو ميرلينو” Saverio Merlino (أناركي إيطالي، المترجم) بسخرية  كورس  في تراجيديا يونانية (في التراجيديا اليونانية، كان الكورس يتكون من شخصيات مجهولة ومسنة تمثل القدر، تعلق على ما يخوضه بطل التراجيديا ويعانيه بسخرية وتهكم، توضيح من المترجم).

وحتى أعمق المنظرين الأناركيين بعيدون جداً عن عبادة تلك الألوهية. لكن إذا كانت فدرالية كروبوتكين تفتقر إلى الدقة وتضع أملاً زائداً في طاقة الشعب السياسية، فإنها مع ذلك جديرة بالملاحظة نظراً لاتساع رؤيتها. فلا يمكن لأي فدرالية أن تصبح راسخة إذا لم تكن كاملة، ويمكنها أن تكون كذلك فقط إذا كانت اشتراكية وثورية.

إن الطبيعة التكاملية لأفكار كروبوتكين الفدرالية يمكن إثباتها من خلال مقتطفات كثيرة من كتاباته. والتصريحات التالية له هي الأكثر صراحة:

“” “الفدرالية” و “الحكم الذاتي” لا يكفيان. فهما مجرد كلمات تتطرق لسلطة الدولة المركزية.””

“”اليوم، نجحت الدولة في التحكم بكل جانب في حياتنا. من المهد إلى اللحد تمسكنا في قبضتها بإحكام، أحياناً في صورة الدولة المركزية، وأحياناً أخرى كحكومة ريفية محلية أو إقليمية، وأحياناً ككوميون تابع للدولة، تتتبع كل خطواتنا، تظهر عند زاوية الشارع، تحملنا وتعذبنا””.

“الكوميون الحر” بالنسبة لكروبوتكين هو “الشكل السياسي الذي يجب أن تأخذه الثورة”.

فهو يمجد كوميونة باريس لأن استقلالها الكوميوني كان وسيلة، فيما كانت الثورة الاجتماعية هي الهدف.

كوميونة القرن العشرين لن تكون فقط كوميونالية Communal  (الكوميونالية عند موري بوكين Murray Bookchin هي “البعد الديمقراطي للأناركية”، توضيح من المترجم)، بل ستكون شيوعية communist ! ستكون ثورية في السياسة، وكذلك في حقل الإنتاج والتبادل. فإما أن تصبح الكوميونة وبشكل مطلق “حرة لتقيم لنفسها المؤسسات التي تريدها، وتنجز كل الإصلاحات والثورات التي تجدها ضرورية”، أو أنها “ستبقى مجرد فرع للدولة، معرقلـَة في كل أعمالها، دائماً على حافة الصراع مع الدولة، في نضال ستهزم فيه الكوميونة بالتأكيد”. وبالتالي، كانت الكوميونات الحرة بالنسبة لكروبوتكين هي القنوات الضرورية التي من خلالها تستطيع الثورة أن تصل إلى الحد الأقصى من التنمية.

ففدراليته تطمح إلى “” الاستقلال الكامل للكوميونات، والفدرالية بين الكوميونات الحرة، والثورة الاجتماعية داخل الكوميونات، بمعنى تكوين مجموعات إنتاجية متحدة لتحل مكان تنظيم الدولة””.

قال كروبوتكين للفلاحين : “” في وقت من الأوقات، كانت الأرض تعود للكوميون الذي يتكون من أولئك الذين يزرعون الأرض بأيديهم ” ولكن بفضل الاحتيال، والتحرش، والعنف، أصبحت أراضي الكوميونات ملكية خاصة, ولذلك فعلى الفلاحين أن ينظموا أنفسهم في الكوميونات ويسترجعوا تلك الأراضي من أجل وضعها تحت تصرف أولئك الذين يريدون العمل فيها”.

“” ومرة أخرى، هل تحتاجون إلى إنشاء طريق؟ إذاً فإن سكان الكوميونات المتجاورة يمكنهم أن يصلوا إلى اتفاق بينهم ويقوموا بإنشاء طريق أفضل من ذلك الذي قد يقيمه لهم وزير الأشغال العامة.

هل تحتاجون إلى سكة حديدية؟ إذاً فإن الكوميونات المعنية في كل المنطقة ستقيم واحدة أفضل من المقاولين الذين يحصدون الملايين لقاء بناء سكك حديدية سيئة.

ستحتاجون إلى مدارس؟ يمكنكم إنشاؤها بأنفسكم وعلى نحو أفضل مما يقوم به رجال باريس المحترمون. فالدولة لا علاقة لها بكل ذلك؛ فالمدارس، والطرق، والقنوات يمكن بناؤها بشكل أفضل بأيديكم، وبكلفة أقل.””

تلك المقتطفات من كتابه “ملاحظات ثائر” “Paroles d’un revolté” ” تجعل من الواضح أنه في تلك المواقع من كتابه “الاستيلاء على الخبز” “Conquest of Bread” التي قال فيها أن الكوميونات ستوزع البضائع، وكذلك حصص المؤن والحطب، وتنظم المراعي، وتقسم الأراضي، .. إلخ لم يقصد الكوميونات “كفرع من الدولة”، بل كان يقصد الاتحاد الحر للأعضاء المعنيين، والذي قد يكون إما جمعية تعاونية، أو هيئة ً مشتركة، أو ببساطة اتحاداً مؤقتاً لمجموعة من الناس الذين تجمع بينهم حاجة مشتركة.

كروبوتكين ليس قلقاً كثيراً بشأن المخاطر الملازمة للحكم الذاتي للمجموعات الصغيرة، مع أنه يدرك جديتها. وهناك فقرة مميزة له على الموضوع : “” حتى في وقتنا الحاضر، فإن المشاعر الأبراشية (نسبة إلى الابراشية التي كانت مناطق نفوذ رجال الكنيسة والمقصود هنا : النظرة الضيقة أو المحدودة ، توضيح من المترجم)  قد تولد الكثير من الغيرة والحسد بين كوميونتين متجاورتين، وتمنع اتحادهما المباشر، بل قد تؤدي إلى النزاعات بينهما. ولكن حتى لو استطاعت تلك الغيرة أن تمنع وبقوة قيام اتحاد فدرالي مباشر بين كوميونتين متجاورتين، فإنه عن طريق المراكز المشتركة الكبيرة، سترسخ تلك الفدرالية نفسها. إن قصبتين (القصبة : وحدة إدارية، توضيح من المترجم) صغيرتين جداً ومتجاورتين اليوم لا يوجد ما يجمعهما بشكل مباشر، والعلاقات القليلة بينهما من الأرجح أن تؤدي إلى الصراع بدلاً من أن تزيد روابط التماسك والتضامن بينهما. لكنهما أصلاً تمتلكان مركزاً مشتركاً بينهما تبقيان من خلاله دائماً على اتصال مباشر،  وبدون ذلك المركز لم يكن من الممكن وجودهما أصلاً؛ وبالرغم من كل ذلك الحسد والغيرة الأبراشية ستكونان دائماً مجبرتين على الاتحاد عن طريق المدينة الكبيرة، حيث تتزود كل منهما بالمؤونة وحيث تأخذ كل منهما منتجاتها، فكل منهما ستضطر لتشترك في الاتحاد نفسه -من أجل الحفاظ على علاقاتها مع ذلك المركز التنظيمي- والاتحاد مع غيرها في داخله””.

وهنا نجد مرة أخرى تبسيطاً للمشكلة الفدرالية. ولكن لنحكم على كروبوتكين بعدل، يجب ألا نأخذ في اعتبارنا فقط ما كتبه، بل أيضاً ما لم يكن بإمكانه كتابته. بعض الجمل المتعجلة، وبعض الفجوات، بعض “التبسيط” الزائد للمشاكل المعقدة (وردت في الترجمة الإنجليزية بمعنى “التضخيم” ولكن أعتقد أن هناك خطأ ً لأن الأقرب للمنطق هنا هو أن المراد هو “التبسيط”، المترجم)، كل ذلك لا يعود فقط لطبيعة تفكيره، بل أيضاً للاستحالة الأساسية لتطوير وجهة نظره. فقد كان كروبوتكين يكتب دائماً تقريباً لجرائد مخصصة لقراءة العمال. ولأنه كان ديمقراطياً بعمق، فقد كان دائماً يتطوع للتخلي عن غطاء أو قشرة النظرية، وذلك ليشمر عن ساعديه.

“إيريكومالاتيستا”، والذي كان أيضاً في الأصل منظـّـراً و ومثقفاً، فعل الشيء نفسه. حتى كتيباته لا تمثل تعبيراً كاملاً عن أفكاره، أو شرحاً وافياً لأبحاثه. وهو نفسه يشرح السبب في “مذكراته” : “” كان عليّ أن أوضّح طرازاً جديداً كلياً في تلك الكتيبات. أعترف أنني كنت غالباً أحسد أولئك الكتاب الذيت يمتلكون العدد الذي يريدونه من الصفحات تحت تصرفهم من أجل تنمية أفكارهم، وأولئك الذين كان باستطاعتهم أن يستخدموا عذر ” تاليراند ” (أمير الدبلوماسيين الفرنسي، المترجم) : ” لم يكن لدي وقت لأكون مختصراً ” . في الوقت الذي كان علي أن أكثف فيه عمل عدة شهورعن أصل القانون –على سبيل المثال- لإعداد كراسة صغيرة لا بد من إنهائها، كنت أحتاج وقتاً كثيراً للاختصار””.

واجه كروبوتكين تلك المصاعب الأساسية حتى عام  1884 فقط. أما بعد ذلك، ولمدة ثلاثين سنة تقريباًً، فقد كان قادراً على كتابة كتب مهمة. ولكن في تلك الفترة الأخيرة، كان منظـّراً أكثر من كونه داعية، وكان فكره منشغلاً بشكل أكبر بالأبحاث التاريخية والدراسات العلمية، لذا فإن كتابه “ملاحظات ثائر” يبقى أفضل أعماله الأناركية لحيويته في التعبير، وتماسكه الإديولوجي.

فكّر البعض في قياس موقف كروبوتكين سنة 1914 (المؤيد للحرب ضد الألمان باعتبارها حرباً ضد الدولة، توضيح من المترجم) على موقف باكونين سنة 1871(والمؤيد بشدة لكوميونة باريس، توضيح من المترجم)، فباكونين كان مؤيداً للدفاع الثوري عن فرنسا بعد أن هزمت ثورة باريس الملكية، وكروبوتكين كان أيضاً معارضاً للحكومة الجمهورية في باريس وكان يحث على العصيان المسلح ضدها من أجل الوقوف في وجه الجيش الألماني فقط بثورة الشعب.

وبموقفه المؤيد للحرب، فصل كروبوتكين نفسه عن الأناركية، بل إنه ذهب بعيداً حتى التوقيع على “بيان ال16″  Manifesto of the Sixteen، وهو وثيقة تعتبر النقطة المحددة للتفكك في الأناركيين المؤيدين للحلفاء في الحرب العالمية الأولى؛ وكذلك أيد “كيرنسكي” في روسيا في موضوع مواصلة الحرب.

رأى كروبوتكين المشكلة الفدرالية مشكلة فنية، وفي كتابه “العلم الحديث والأناركية”Modern Science and Anarchism  يصرح أن الإنسان سيكون مجبراً على إيجاد أشكال جديدة من التنظيم للمهام الاجتماعية التي تنجزها الدولة من خلال البيروقراطية وأنه “طالما لم يتم فعل هذا، لن يتم فعل أي شيء”.

ولكنه في حياته –حيث كان مغامراً أحياناً، وعلمياً بصرامة أحياناً أخرى- لم يكن بوسعه أن يطور نظرته الفدرالية بشكل منظم، وتصوره الخاص للأناركية، حيث تكون الروح الحيوية للشعوب جوهر التطور، كان متعارضاً مع تطور أفكاره الفدرالية للمستقبل.

ماذا كان موقف كروبوتكين من الحرب الأوروبية (الحرب العالمية الأولى، المترجم) والثورة الروسية؟ أعتقد أنه من المفيد أن نأخذه بعين الاعتبار لأن فكره الفدرالي ساهم في تكوين موقفه.

كتب كروبوتكين في “مذكراته” : “”الصراع بين الماركسيين والباكونيين لم يكن شخصياً. لقد كان الصراعَ الحتمي بين مبدأ الفدرالية، ومبدأ المركزية؛ بين الكوميونات الحرة، وحكومة من قبل الدولة؛ بين الفعل الحر لجماهير الشعب الدافع باتجاه تحررهم، والملاءمة القانونية للرأسمالية الحالية؛ صراع بين الروح اللاتينية والروح الألمانية””. فعند نشوب الحرب، اعتبر كروبوتكين فرنسا مودع الروح اللاتينية أو الثورية، فيما اعتبر ألمانيا نموذجاً على انتصار عبادة الدولة أو على الرجعية. كان موقفه موقف “المدافعين عن الديمقراطية”.
وفي البداية انضم إلى الشوفينيين من الحلفاء واقعاً مثل “جيمس غيلوم” في المبالغة.

ولكن المرء يرى في موقفه المنحاز رسوخاً لعقيدته الفدرالية. فقد عارض ألمانيا لأنه رأى فيها تهديداً للإدارة الذاتية للناس ولمبادئ اللامركزية. وفي رسالته إلى البروفيسور السويدي ج. ستيفان ( Freedom, October 1914 ) أعلن :

“” بالنسبة لدول أوروبا الشرقية، وخصوصاً روسيا، كانت ألمانيا الداعم والحامي الأساسي للرجعية. التسلط العسكري البروسي، المؤسسة المصطنعة للتمثيل الشعبي الممنوح من قبل الرايخستاغ الألماني، البرلمانات الإقطاعية للأجزاء المتباعدة من الإمبراطورية الألمانية، والمعاملة السيئة للقوميات المقهورة في “الألساس”، وخصوصاً بولندا البروسية، حيث كان البولنديون يعاملون بنفس السوء الذي كانوا يعاملون به في روسيا –دون احتجاج من الأحزاب السياسية التقدمية – تلك الثمار للإمبريالية الألمانية كانت الدروس التي علمتها ألمانيا الحديثة – ألمانيا بسمارك – لجيرانها، وأهمها  الحكم المطلق الروسي. هل كان ذلك الحكم المطلق الاستبدادي قادراً على أن يحافظ على نفسه كل تلك المدة في روسيا، أو هل كان سيجرؤ أصلاً على تلك المعاملة السيئة التي كان يعامل بها البولنديين والفنلنديين، لو لم يستطع أن ينتج نموذج “ألمانيا المتحضرة” وإذا لم يكن واثقاً من حماية ألمانيا ؟””

واستبق كروبوتكين الانتقاد التالي : “وهل نسيت الأوتوقراطية الروسية؟” (أي كيف تقف مع النظام المستبد في روسيا في الحرب، توضيح من المترجم)  بقوله :

“” لا أحد يتصور أنه بعد الحرب القائمة، التي اجتمعت فيها كل الأحزاب الروسية ضد العدو المشترك، سيكون من الممكن العودة مرة أخرى إلى الأوتوقراطية السابقة، ذلك مستحيل طبيعياً. الذين قاموا بدراسة جدية على الحركة الثورية في روسيا سنة 1905 يعرفون ماذا كانت الأفكار المهيمنة خلال مجلسي الدوما الأول والثاني اللذين تم انتخابهما في أوضاع حرة نسبياً. وهم يعلمون بالتأكيد أن الحكم الذاتي لجميع القطاعات التي تشكل الإمبراطورية كان السياسة الجوهرية لكل الأحزاب الليبرالية والراديكالية. ولكن يوجد ما هو أكثر من ذلك، فقد حققت فنلندا ثورتها في شكل حكم ذاتي ديمقراطي، وقام مجلس الدوما بالمصادقة عليه.

علاوة على ذلك، فإن الذين يعرفون روسيا والنزعات الأخيرة هناك يفهمون بالتأكيد أنّ “الأوتوقراطية القديمة لن يعاد تأسيسها بنفس شكل ما قبل 1905، وأن الدستور الروسي لن يكون قادراً أبداً على أخذ شكل إمبريالي وانتحال نفس روح النظام البرلماني الألماني”. وفي رأينا، وحسب معرفتنا بروسيا، فإننا مقتنعون أن روسيا لن تصبح أبداً عدوانية ومحبة للحروب مثل ألمانيا. ليس فقط لأن التاريخ الروسي بأكمله يظهر ذلك، ولكن الأسلوب الذي تشكل به الاتحاد الروسي يحول دون تطور الروح الحربية في المستقبل القريب جداً.””

بالنسبة لكروبوتكين، كانت روسيا بلاد “المير”، البلاد التي أتاحت له ميداناً واسعاً لملاحظة نتائج واحتمالات “المبادرة الفردية” على جزء من الناس.

الحرب الأوروبية سحبته بعيداً عن عائلته السياسية؛ الحركة الأناركية. وأعادته إليها مرة أخرى ثورة أكتوبر في روسيا.

حارب كروبوتكين –حتى في كتاباته المبكرة- ضد التوهم بأن المجتمعات الثورية السرية قادرة – حالما يتم القضاء على الطغيان القيصري- على أن تستبدل بالجهاز البيرواقراطي المهزوم إدارةً جديدةً تتكون من الثوريين النزيهين والمبدئيين؛ “” آخرون .. أولئك الحريصون على صنع أسام ٍ لهم بينما يعمل الثوريون في الظلام أو يهلكون في سيبيريا؛ آخرون .. المخادعون، الديماغوجيون، المحامون، أهل الكلام، الذين نادراً ما ذرفوا دمعة سريعة الجفاف عند ضريح الأبطال، ويبدون كأصدقاء للشعب… هؤلاء هم الذين سيحتلون المقاعد الخالية في الحكومة، وسيصرخون “تراجعوا!” على الأشخاص المغمورين الذين جاؤوا بالثورة””.

نبوءة كروبوتكين تلك هي ما عاناه الناس بالفعل في روسيا وبشكل كبير، وقد كان صاحبنا في المعارضة، وهي معارضة كان من الممكن أن تكون لها أصداء مهمة لو لم يفسد دعمه المفرط للحرب هيبته السياسية.

في مقابلة أجراها معه أوغسطين ساوتشي Augustin Souchy  (أناركي ألماني، المترجم) نشرتها الجريدة الأسبوعية الأناركية  Erkenntnis Befreiung في فيينا، قال كروبوتكين: “”يجب أن تكون لدينا مجالس كوميونية.وعليها أن تعمل باستقلالية. عليها، على سبيل المثال، أن تضمن أنه في حالة الحصاد ضعيف، لا يفتقد الناس ضروريات الحياة الأساسية. الحكومة المركزية، في هذه الحالة، هي جهاز ثقيل ومرهق بشدة، بينما في المقابل، قد يشكل اتحاد لهذه المجالس مركزاً مهماً””.

وفي مقابلته مع أرماندو بورغي Armando Borghi (أناركي إيطالي، المترجم) شدد كروبوتكين على الدور الكبير للنقابات كخلايا للثورة الاجتماعية ذاتية الحكم والمضادة للسلطات.  وفي بعض رسائله (23 ديسمبر 1920) الموهجة إلى الأناركي الهولندي De Rejger، والتي نشرت في نشرة Vrije Socialist، كتب كروبوتكين : “إن الثورة الاجتماعية في روسيا أخذت للأسف طابعاً مركزيا سلطوياً”.

آراء كروبوتكين في الثورة الروسية تظهر في رسالته إلى العمال الغربيين، التي أعطيت للآنسة بونفيلد Miss Bonfield  في 10 حزيران، 1920 عندما جاءت مع مندوبين آخرين عن حزب العمال لزيارته في مأواه في ديميتروف. هذه الرسالة وثيقة بارزة في تاريخ الثورة الروسية.

أشار كروبوتكين إلى أنه إذا اعترف المرء بأن محاولات إقامة مجتمع جديد من خلال دكتاتورية البروليتاريا محكومة بالفشل، فإنه لا يستطيع أن ينكر مع ذلك أن الثورة قدمت تصورات جديدة إلى الحياة الروسية عن الوظائف الاجتماعية وعن حقوق العامل، وكذلك عن واجبات المواطن كفرد، وعبر عن فكرته بانتقاد واضح ومبدئي للبلشفية كدكتاتورية حزبية وحكومة مركزية.

أول المشكلات العامة هي التي تتعلق بالقوميات المختلفة التي تشكل روسيا. وحول هذا الموضوع يكتب كروبوتكين:
“” إن إعادة تأسيس العلاقات بين الأمم الأمريكية والأوروبية وروسيا يجب ألا يعني قبول تفوق الأمة الروسية على الأمم التي كانت الإمبراطورية الروسية القيصرية تتكون منها.
روسيا الملكية ماتت ولن تعود إلى الحياة مجدداً. ومستقبل الأقاليم المتنوعة التي كونت الإمبراطورية سيكون موجهاً نحو اتحاد ضخم. والأقاليم الطبيعية للقطاعات المختلفة للاتحاد لا تختلف بأي حال من الأحوال عن تلك المألوفة لنا من تاريخ روسيا، في إثنوغرافيتها وحياتها الاقتصادية. كل المحاولات لجمع الأجزاء المكونة للإمبراطورية الروسية، مثل فنلندا، مقاطعات البلطيق، ليتوانيا، أوكرانيا، جورجيا، أرمينيا، سيبيريا، وغيرها، تحت سلطة مركزية محكومة بالفشل المؤكد. مستقبل ما كان في السابق الإمبراطورية الروسية سيتوجه نحو اتحاد بين وحداته المستقلة.

وبالتالي فسيكون من ضمن اهتمامات كل الشعوب الغربية ضرورة إعلان اعترافهم –قبل كل شيء- بحق كل جزء من الإمبراطورية الروسية السابقة في حكم نفسه.””

لكن فدرالية كروبوتكين تذهب إلى أبعد من اقتراحه بالحكم الذاتي الإثنوغرافي. فهو يشير إلى ضرورة أن نتوقع –وليس في المستقبل البعيد- “”وقتاً يصبح فيه كل عنصر في الاتحاد اتحاداً في حد ذاته، اتحاد حر من الكوميونات الريفية والمدن الحرة، وإنني أؤمن أيضاً أن أوروبا الغربية ستسير أيضاً في هذا الاتجاه.””

ثم يأتي تلخيص للتكتيكات الثورية للفدرالية الذاتية ونقد لعبادة الدولة المركزية عند البلاشفة :

“”إن الثورة الروسية – التي هي استمرار للثورتين العظيمتين الإنجليزية والفرنسية- تكافح لتتقدم إلى ما هو أبعد من النقطة التي وقفت عندها الثورة الفرنسية عندما وصلت إلى فكرة “المساواة الحقيقية”، أو بمعنى آخر المساواة الاقتصادية.

وللأسف، فإن هذه المحاولة تتم في روسيا تحت الدكتاتورية بالغة المركزية للحزب البلشفي. المحاولة نفسها قام بها فرانسوا بابوف Babeuf وأتباعه، محاولة مركزية ومتطرفة. وينبغي أن أعترف بصراحة أن هذه المحاولة لبناء جمهورية شيوعية على أساس دولة مركزية، وتحت صرامة قوانين حزبية، تبرهن في رأيي على فشل كبير.

التجربة الروسية تعلمنا كيف أن “الشيوعية يجب ألا يتم فرضها”، حتى على الناس المرهقين من النظام السابق، والعاجزين عن تقديم أي مقاومة فعالة ضد تجربة الحكام الجدد. إن فكرة السوفييتات، أو مجالس العمال “والفلاحين” -والتي تم التبشير بها خلال تجربة 1905 الثورية وتحققت بالكامل في فبراير 1917- كانت فكرة رائعة. وحقيقة أن هذه المجالس يجب أن تسيطر على الحياة السياسية والاقتصادية للبلاد تفترض أنها يجب أن تتكون من جميع أولئك الذين يشتركون شخصياً في إنتاج الثروة الوطنية.

ولكن طالما ظلت البلاد خاضعة لدكتاتورية الحزب، فمن الواضح أن مجالس العمال والفلاحين لا بد أن تفقد كل معناها. فدورها سيختزل إلى الدور السلبي الذي كان يتمثل في الماضي بالمجلس العمومي أو البرلمان، الذي يدعى للاجتماع من قبل الملك، ويتوجب عليه أن يجاري مجلساً ملكياً كامل القوة ويواكبه.

إن مجلس العمال لا يمكن أن يكون جسماً استشارياً حراً ومؤثراً عندما يفتقر إلى حرية التعبير، وهو موقف كان سارياً في روسيا طوال السنتين الماضيتين،  بحجة وجود حالة حرب. وحين تقام الانتخابات تحت الضغط الاستبدادي لحزب، فإن مجالس العمال “والفلاحين” تفقد قوتها التمثيلية. هناك محاولات لتبرير ذلك الوضع بالقول أن القانون الدكتاتوري ضروري لمحاربة النظام السابق. لكنه يشكل خطوة إلى الخلف فيما يتعلق ببناء مجتمع جديد على أسس اقتصادية جديدة. إنه بمثابة حكم بالموت على إعادة البناء.

إن الأساليب المستخدمة لهزيمة حكومات ضعيفة أصلاً والاستيلاء على سلطتها معروفة من التاريخ القديم والحديث. ولكن عندما يتطلب الأمر إعادة البناء انطلاقاً من تصورات جديدة للحياة، تحديداً فيما يتعلق بالإنتاج وتبادل السلع، دون وجود أية نماذج سابقة لتكون دليلاً أو مرشداً، وحين يتوجب حل كل مشكلة في وقت قصير، عندها فإن حكومة بالغة المركزية وكاملة القوة من النوع الذي يهتم بأصغر التفاصيل ستكون عاجزة عن فعل ذلك بنفسها من خلال موظفيها. ومهما كان عددهم كثيراً، سيكونون عائقاً. والنتيجة هي جهاز بيروقراطي هائل يصبح النظام الفرنسي -الذي يتطلب تدخل أربعين موظفاً لبيع شجرة عصفت بها الرياح إلى الطريق- غير جدير بالذكر إذا ما قورن به. وبالنسبة لكم، يا عمال الغرب، فإنكم تستطيعون بل يجب عليكم أن تحولوا دون حدوث ذلك بكل الوسائل المتاحة لكم، لأنكم جميعاً يجب أن تحرصوا على إنجاح الثورة الاجتماعية.

إن أعمال إعادة البناء الهائلة التي تتطلبها الثورة الاجتماعية لا يمكن تحقيقها عن طريق حكومة مركزية، حتى ولو –كموجهة لهذا العمل- كان لديها ما هو مادي وفعلي أكثر من بضع كتيبات اشتراكية وأناركية.

المطلوب هو أن تمتلك جماهير القوى المحلية المعرفة، والحنكة، وإرادة التعاون، وبذلك فقط يمكن التغلب على المصاعب الناشئة من المشاكل المحلية المختلفة.

إن وضع التعاون جانبا والتعويل على العباقرة من دكتاتوريي الحزب هو مرادف لتدمير المجموعات المستقلة مثل النقابات التي تسمى اتحادات الحرفيين في روسيا، والجمعيات التعاونية للمستهلكين المحليين، وتحويلها إلى أعضاء بيروقراطية للحزب كما يجري في الوقت الحاضر. وهذا ليس الطريق لتحقيق الثورة، بل الطريق لجعل تحقيقها مستحيلاً. ولهذا السبب، أعتبر من واجبي أن أنصحكم بعدم اتخاذ هذا الخط في العمل نهائياً.””
(انتهى كلام كروبوتكين، المترجم)

هذه هي آراء كروبوتكين في الثورة الروسية، والأسس التي انطلق منها في دعوته. وهذه هي الأفكار التي أحيت ولا تزال تلهم المعارضة الأناركية في روسيا.

توفي كروبوتكين المسن، المريض والمعدم، خلال فترة من السكون، بعد محاولته إدارة حركة فدرالية، ولكن دون أن يتمكن من تحقيق أي شيء بسبب حرمانه من الحرية، ولأن تأييده المفرط للحرب العالمية أفسد كل هيبته السياسية.

لكن المشكلة الفدرالية، في مجال القوميات وكذلك في مجال التنظيم السياسي والاقتصادي هي المشكلة الجوهرية في روسيا. عندما تتمكن التجربة والمعارضة من إبعاد الشيوعيين الروس بشكل مؤكد عن مشاريعهم النظرية، وعندما يخطو اتحاد المنظمات الروسية خطواته الأولى في طريق الثورة الجديدة، ستنهض شخصية بيتر كروبوتكين إلى قامتها الحقيقية الكاملة، وستلهم أفكاره إعادة البناء الجديدة.

في فدرالية كروبوتكين، هناك تفاؤل زائد، هناك تبسيطات وتناقضات، لكن هناك أيضاً حقيقة عظيمة : أن الحرية هي شرط للحياة والتنمية لكل الناس؛ أنه فقط حيث يحكم الشعب نفسه ولنفسه، سيكون أمانه من سوط الطغيان، وتقدمُه المؤكد.

***

– تم –

الموقع الأصلي للترجمة الإنجليزية التي ترجمت عنها

http://dwardmac.pitzer.edu/Anarchist_Archives/coldoffthepresses/bernerikropotkin.html

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s