الإخوان , البلاشفة و الربيع العربي

مازن كم الماز

بعد الانتصار الانتخابي الأخير لمرسي مرشح الإخوان في انتخابات الرئاسية المصرية تركز الأخذ و الرد اليوم في الكلام عن الإسلاميين و احتمالات نجاحهم في تأسيس دولة دينية من جهة , و من جهة أخرى عن “قصور” الثورات أو الانتفاضات الشعبية العفوية مع التركيز على أولوية خلق قيادة ثورية لتجاوز قصور أو تخلف هذه الثورات أو لكي تتطور إلى ثورات اجتماعية أكثر جذرية الخ .. سأستخدم هنا تاريخ ثورتي فبراير شباط و أكتوبر الروسيتين لعام 1917 لكي أحاول أن أبين كيف رد التاريخ من قبل على هذه الأسئلة و الهواجس من خلال محاولة فهم كيف انتهت الثورة الروسية إلى خلق الدولة الستالينية .. أولا هناك عدة آراء ترى أن احتمالات أن يؤدي صعود الإسلاميين إلى قيام دولة دينية مبالغ فيها لأن أمام مثل هذا الصعود عدة عوائق مهمة , و هذا صحيح نسبيا , هناك الجيش مثلا في مصر الذي شكل جزءا أساسيا من السلطة منذ عام 1952 , و هناك حماسة بين أعداد أكبر من الناس للانخراط في الشأن العام و هناك حريات أوسع للصحافة و للإعلام المرئي , و بالنسبة لليبراليين أيضا هناك بوادر مشجعة لعملية انتخابية طالما حلموا بها رغم كل السلبيات التي رافقتها أو نتائجها المخيبة .. لكن كيف كان الوضع في فبراير و أكتوبر 1917 في روسيا : كانت هناك جماعة محظورة طالما كفرت و قمعت و لوحقت و ضرب بها المثل في التطرف و اتهمت بالعمالة و أنها تريد قيادة البلاد نحو الانهيار و الخراب و طالما استخدمها النظام القيصري كفزاعة لتبرير استبداده بينما كانت هذه الجماعة تصر دائما على أنها تملك خاتما سحريا لحل مشاكل الفقراء و غالبية الروس – أقصد هنا البلاشفة .. قبل ثورة فبراير كان البلاشفة أضعف بكثير من الإخوان اليوم , كانوا عدة آلاف موزعين على المنافي و السجون و العمل السري بين خضم من ملايين الروس , و فوجئوا بالثورة كما فوجئ بها الجميع , لم يزد عددهم كثيرا عن عدة عشرات من الألوف بحلول شهر أكتوبر لكنهم كانوا قد سيطروا على سوفييت بتروغراد و موسكو و كسبوا ولاء قطعات عسكرية قريبة من المدينتين خاصة قاعدة كرونشتادت البحرية الواقعة بالقرب من العاصمة بتروغراد , استخدم البلاشفة لتحقيق ذلك شعارات شعبوية تعود في غالبيتها إلى منافسيهم , شعار الأرض للفلاحين أخذوه من الاشتراكيين الثوريين الحزب الفلاحي الأكبر , شعار كل السلطة للسوفييت أخذوه عن الأناركيين , الخ .. كان التنظيم البلشفي فضفاضا جدا أيام القمع القيصري بسبب ظروف اتساع روسيا نفسها و صعوبة الاتصالات بين المنظمات الحزبية و القيادات التي عاشت عموما في الخارج , لكن لأول مرة بدأ الحزب البلشفي خاصة في موسكو و بتروغراد يشهد مركزة حقيقية ستصل إلى درجة العسكرة مع استيلائه على السلطة و ممارسته لها , الأمر الذي سيمتدحه لينين و تروتسكي و ستالين فيما بعد على أنه أحد أهم أسباب انتصار البلاشفة في أكتوبر و بعده أي استيلائهم على السلطة و احتفاظهم بها لسبعين سنة قادمة .. كانت روسيا بعد إقصاء القيصر في فبراير تموج بحرية لا حد لها , الروس الذين اعتادوا الخضوع فقط على مدى قرون و الذين تحرر غالبيتهم من القنانة فقط قبل نصف قرن مارسوا أكبر درجة ممكنة من الحرية في كل شيء , لم يكن الموضوع يتعلق فقط بحرية التعبير أو بحرية الاحتجاج أو غيرها , بل كان أعمق من ذلك بكثير , نشأت شبكات أفقية من السوفييتات , و لجان المصانع و الأحياء و القرى , جمعيات من كل الأنواع في كل مكان , لقد نظم الروس حياتهم دون سلطة , و كان هذا هو الذي سمح لهذا الجيل بتحمل و تجاوز الظروف الصعبة لذلك العام و الأعوام القليلة التي تلته , صحيح أن الإنتاج الصناعي و الزراعي تأثر سلبا بالحرب العالمية و بالثورة لكن ما جرى هو أن غالبية الروس انتزعوا ما كان الأرستقراطيون و البرجوازيون يسرقونه منهم و وزعوه بينهم بطريقة عادلة أكثر , المفاجئ أنه بعد عدة سنوات فقط من هذا المشهد الرائع سنرى السوفييتات نفسها , أكثر مؤسسات الديمقراطية المباشرة للعمال و الجنود و الفلاحين حرية , و هي “تنتخب” الزعيم و “توافق” على خطاباته و سياساته بالتصفيق وقوفا , بعد سنوات ليست بالكثيرة أصبحت التشيكا الشرطة السرية هي من يحكم البلد فعلا و كان كل شيء أصبح يقرره أفراد لا يعدون حتى بالعشرات حتى لو أدت قراراتهم لجوع و موت الملايين .. هناك حقيقة يجب ألا تفوت أحد اليوم : للينين و للبلاشفة عموما تلامذة عرب نجباء جدا , هم الإسلاميون , الإخوان أساسا , إنهم بلاشفة اليوم و لينينيو الثورات العربية الحالية , لا يوجد سياسي يطبق اللينينية بحذافيرها اليوم كما يفعل الإخوان و لا يوجد بلاشفة مخلصون لكل دروس البلشفية و سياساتها و أفكارها التنظيمية من الإخوان اليوم .. إذا تجاوزنا الشبه الشكلاني بين مشاركة البلاشفة المحدودة جدا في ثورة فبراير 1917 و مشاركة الإخوان المحدودة أيضا في ثورة يناير 2011 و الثورات العربية عموما , فإن سلوك البلاشفة و الإخوان في الثورتين كان متطابقا إلى حد كبير , و الأسباب التي سهلت للبلاشفة أن يستولوا على الثورة الروسية توجد أيضا عند الإخوان : التنظيم الحديدي , أولوية الإيديولوجيا “الخلاصية” , براغماتية سياسية تصل إلى حد الخداع و المياكيافيلية .. يروي تروتسكي بعض تفاصيل ميكافيلية البلاشفة في كتابه دروس ثورة أكتوبر – 1924 , عندما يروي كيف أصر لينين على الاستيلاء على السلطة قبل يوم واحد فقط من مؤتمر السوفييتات الثاني خلافا لغالبية القيادة الحزبية التي كانت تريد من المؤتمر نفسه أن يستولي على السلطة حفاظا على المظاهر الديمقراطية , و كيف سخر لينين من “إيمان” هؤلاء القادة “بشكليات” اللعبة الديمقراطية , كان من الواضح أن لينين يريد السلطة لحزبه و ليس للسوفييتات و لهذا كان الاستيلاء على السلطة قبل مؤتمر السوفييتات و لو بيوم واحد فقط أمرا حيويا جدا بالنسبة له , يروي تروتسكي أيضا كيف كان بعض القادة البلاشفة يحاور المناشفة و الاشتراكيين الثوريين ليلة 25 أكتوبر نفسها بينما كان حزبهم يستولي على المواقع الحساسة في بتروغراد و يتحدث بسخرية أيضا عن سذاجة بعض خصوم البلاشفة الذين اعتقدوا أنهم أي البلاشفة سيخضعون لقرارات غالبية المؤتمرات و المجالس و أنه يكفي هناك هزيمتهم بخطاب لإعادتهم إلى صوابهم , إن كلام تروتسكي واضح لا لبس فيه : إن الخداع أحد وسائل ممارسة البلاشفة للسياسة و هذا ينطبق على كل القوى السياسية السلطوية أي التي تتمحور كل سياساتها على الوصول إلى السلطة , أي قيادة الآخرين و فرض مشروعهم عليهم من فوق , من موقع “السلطة” , و اليوم بشكل استثنائي على الإسلاميين , الذين كذبوا و نافقوا و خدعوا و زيفوا طوال الأشهر الماضية بعد ثورة يناير معتبرين في النهاية أن هذا النصر نصرهم لأنه نصر إلهي !! و متهمين كل من يقف في طريقهم بكل ما يخطر على بالهم , إذا قبلنا رواية تروتسكي و غيره من القادة البلاشفة عن الطريقة التي استولوا بها على السلطة لا نملك إلا أن نقول عن الإسلاميين اليوم : يا لهم من بلاشفة و لينينيين حقيقيين !! الفيلسوف اللبناني علي حرب كتب في السفير قبل أيام متحدثا عن الإسلاميين , قال أن المشكلة معهم ليست في تطبيق الشريعة , فالشريعة , بعيدا عن نظرية الحدود , هي مجموعة قيم , الحقيقة أن الإسلاميين يستخدمون قصة الشريعة و هذه القيم للاستيلاء على السلطة فقط , في الممارسة داسوا على كل تلك القيم و قد شاهدناهم يفعلون ذلك في انتخابات مجلسي الشعب و الشورى و الرئاسة , نحن لسنا أمام قوة سياسية أخلاقية , إننا أمام قوة سياسية تستخدم صورتها الأخلاقية المفترضة لكي تستولي على السلطة باسم تطبيق الأخلاق , تماما كما كان البلاشفة في عام 1917 .. ليست هذه هي المرة الأولى التي يثبت فيها الإسلاميون أنهم يستحقون لقب بلاشفة حتى من أكثر الستالينين أنفسهم , حدث هذا أيضا في إيران بعد ثورتها الشعبية الرائعة .. قبل أن يصل الخميني إلى طهران في أوائل 1979 كان يتحدث في باريس عن احترام حقوق المرأة و حرية الفكر و التعبير الخ و أنه لا يسعى لأن يمارس أي دور قيادي في إيران بعد الشاه , في خطابه الأول بعد نزوله من الطائرة سيتغير كل شيء و سيتحدث بطريقة مختلفة تماما مهددا خصومه الرافضين لقيام الدولة الثيوقراطية الدينية و ستزداد نبرة التهديد في كلامه مع الوقت , على التوازي مع ظهور دولته الثيوقراطية التي تحكمها المؤسسة الدينية و حلفائها من البازار , كدولة شمولية حقيقية .. هذا الكلام يجعلني أشعر بالشفقة حقا على بعض الليبراليين العرب الذين يصرفون جل وقتهم و جهودهم اليوم في كتابة دساتير و قوانين و في تحديد خصائص المرحلة الانتقالية بينما تجد الإخوان يصرفون وقتهم في تعزيز دعايتهم بين الناس و تصليب سيطرتهم على قواعدهم , بينما يتفرغ بعض الليبراليين السوريين لمثل هذه المهمة ينشغل الإخوان السوريون بتشكيل شبكة من الموالين داخل الحراك الثوري السوري و داخل كتائب الجيش الحر , هذه ليست دعوة لمنافسة الإخوان في من يمكن أن يكون أكثر لينينية أو بلشفية أو ماكيافيلية , الاستنتاج الذي أفترض أن هذا الاستعراض ينتهي إليه هو محدودية “الديمقراطية التمثيلية” كبديل عن الأنظمة الديكتاتورية القائمة و ضرورة الانتقال إلى ديمقراطية مباشرة يمارسها الثوار و كل المضطهدين مباشرة على مصيرهم .. يجب هنا أن نكون منصفين أيضا , ففي الدولة الستالينية كان للسلطة فيها قاعدة اجتماعية مهمة هي البيروقراطية الحزبية و الدولتية التي كانت تتمتع بامتيازات واضحة مقارنة ببقية الكادحين , أيضا لا يمكنك أن تشعر إن كنت تعيش في إيران بأنك تعيش في جحيم حقيقي , في الدولة الشمولية سواء الثيوقراطية أو الستالينية يستطيع الناس , غالبيتهم على الأقل , أن يعيشوا , أن يحصلوا على وظيفة و بيت و طعام و أن يربوا أطفالهم , لكن كروبوتات , كعبيد , أشياء , أصفار , أمام جبروت السلطة الطاغي , أقول هذا فقط كيلا نحاول أن نرسم صورة جهنمية عن الدول التوليتارية الستالينية أو الدينية رغم أن العبودية بحد ذاتها حالة جهنمية بالفعل لكنها ليست مرضا يحكم بالموت على الجميع , تحتاج الدولة و الطبقات الحاكمة إلى أن يحيا العبيد في نهاية المطاف و هي لذلك ستعطيهم ما قد يكفي لسد رمقهم و رمق أطفالهم , من دون هؤلاء العبيد ستموت الطبقة السائدة نفسها لأنها لن تجد من يطعمها … صحيح أيضا أن روسيا الستالينية عرفت شبكة من أجهزة قمع و ملاحقة عقابية و وقائية فاجرة في قمعها , هذا أيضا وجد و يوجد في إيران , السعودية , سوريا , كوبا , الصين الماوية , ألبانيا خوجة , الخ و أن عدد ضحاياها لم يكن قليلا , و أنه أحيانا كان كبيرا بشكل استثنائي , كما في مجاعات أوائل الثلاثينيات في روسيا مثلا أو في مجازر الخمير الحمر , لكن في الأغلب كانت غالبية الناس تستطيع العيش ضمن حدود ما إن لم تواجه مباشرة شبكة القمع هذه أو إذا لم تصطدم مباشرة بالسلطة .. إذا دخلنا في التفاصيل الأصغر لاحتمالات قيام دول شمولية جديدة بعد الثورات العربية , ثيوقراطية أو دينية هذه المرة , بنفس طريقة ظهور الدولة الشمولية الستالينية بعد الثورة الروسية , أي إذا تجاوزنا الشبه في الصورة العامة لندخل في تفاصيل الفروق بين الثورة الروسية و الثورات أو الانتفاضات العربية , يمكننا القول أن سقوط القيصر ثم الحكومة المؤقتة أدى أيضا إلى انهيار جيش النظام القديم , و كان على البلاشفة بناء جيش جديد خاص بهم و لو بدمج عناصر من الجيش القديم , هذا لم يحدث إلا في ليبيا , و يحدث في سوريا بالتأكيد , لكنه لم يحدث في مصر و تونس و اليمن .. و بينما كان الجيش التونسي منذ تأسيسه صغيرا احترافيا و بقي ذا دور هامشي جدا في السلطة التي تركزت بيد الديكتاتور بورقيبة و حاشيته و بالتالي لم يشكل تهديدا لوصول النهضة للسلطة في تونس , فإن الجيش المصري يشكل إلى جانب مؤسسة الرئاسة الحاكم الفعلي لمصر طوال أكثر من نصف قرن و هو يملك إمبراطورية اقتصادية حقيقية لا يمكنه تسليمها بسهولة للإخوان , و واضح أنه مهما بلغت محاولاتهم للوصول إلى مساومة فإن التناقضات بينهما قد تبلغ في لحظة ما مستوى الانفجار أو الصراع المفتوح , و طبعا لا يمكن التنبؤ سلفا بنتيجة هذه المواجهة أو زمانها أو حتى بحدوثها لأني أعتقد أن كلا الطرفين العسكر و الإخوان قد يحاولان أولا خلق حالة تشبه ذلك التعايش المتوتر بين أردوغان و العسكر في تركيا قبل التورط في صراع مفتوح غير مضمون النتائج رغم أنه في حالة فشلهما في خلق حالة التعايش هذه فإن الصراع بينهما قد يكون حتميا .. أيضا في حالات مشابهة و لو في الشكل على الأقل لظروف الثورات العربية الراهنة فإن ظهور أشكال جوفاء من الديمقراطية الفاسدة في أوروبا الشرقية بعد سقوط أنظمتها الشمولية في تسعينيات القرن الماضي يعود كما أعتقد إلى أن السياسيين أو الحكام الجدد جاؤوا من نفس الطبقة البيروقراطية الحاكمة سابقا حتى في رومانيا حيث كان إسقاط النظام أكثر عنفا و دموية و عدا ألمانيا التي تولت الطبقة البرجوازية الحاكمة سابقا في قسمها الغربي السلطة في ألمانيا الموحدة بعد أن ضمت بعض البيروقراطيين السابقين في الشرق إلى نخبتها الحاكمة , لهذا كان الموضوع أشبه بانتقال السلطة من فئة في هذه الطبقة إلى فئة أخرى مع تغيير طريقة إنتاج السلطة خاصة بعدما اكتشفت الطبقة الحاكمة أن صناديق الاقتراع لن تهدد سلطتها الفعلية بل إنها تعطي هذه السلطة شرعية مهمة و تضعف استعداد الجماهير للنضال ضد هذه السلطة مهما بلغت من فساد … يجب أيضا ألا نغفل قضية مهمة أخرى هي دور الحرب الأهلية في تعزيز سلطة البلاشفة و استبعاد كل خصومهم وصولا إلى إقامة دولة الحزب الواحد البوليسية و كذلك دور الحرب العراقية الإيرانية في تقوية سلطة الخميني على البلاد , كما شاهدنا مثل هذا الشيء بالنسبة لعبد الناصر ( حرب السويس 1956 ) , الأسد ( حرب تشرين 1973 ) , رغم أن الحروب اليوم مستبعدة جزئيا بسبب وضع مراكز النظام الرأسمالي العالمي المأزومة لكن حربا أهلية في سوريا مثلا ستقوي قبضة الإسلاميين هناك من دون شك , كذلك قيام حرب إيرانية مع جوارها أو مع إسرائيل أو مع أمريكا و الغرب قد تقوي أنظمة أخرى جديدة في المنطقة .. نظريا أعتقد أنه من الممكن للإخوان أن يستولوا على الثورات العربية , لقد جرى ذلك من قبل في معظم إن لم يكن كل الثورات السابقة و هم يملكون كل الأسلحة التي يتطلبها مثل هذا الاستيلاء , و لأننا نتحدث عن بشر فإن دروس التاريخ هذه ليست قراءة بسيطة في المستقبل بقدر ما هي قراءة في احتمالاته .. القضية الأخرى المهمة هي أننا شاهدنا بأم أعيننا أن الثورات هي ظواهر تاريخية اجتماعية إنسانية عفوية لا تخضع لإرادة شخص أو مجموعة , و هذا كان صحيحا على الدوام أيضا .. يجب ألا نقلل هنا من شأن دعاية الأحزاب السياسية و دعاية الأفكار التي يقوم بها المثقفون في اندلاع الثورات , كلها تشكل جزء أكيد من صيرورة تراكمية تمهد للثورات دون شك , لكن الثورات خلافا للتصور اللينيني السائد عنها ليست من فعل أشخاص أو مجموعات , إنها فعل عفوي للجماهير العريضة .. أيضا خلافا للتصور اللينيني السائد فإن مشكلة انحطاط الثورات تبدأ عندما تظهر “قيادة” ما لها , أي عندما تستولي مجموعة عليها , و ليس العكس , أي أن نجاح هذه القيادة في الاستيلاء على الثورة هو سبب انحطاط الثورات و ليس ازدهارها .. أولا لنتفق أن البلاشفة لم يغيبوا عن الثورات الجارية أيضا كما سبق و قلنا , لكنهم هذه المرة هم الإسلاميون الذين يمارسون اللينينية بكل إخلاص و حماسة , هذا إذا تجاوزنا النقطة التي تستخدمها قيادات الأحزاب الشيوعية و اليسارية في أن “الإيديولوجيا” هي مصدر القوة الفعلي للعمال و أن امتلاك “الحزب الطليعي” لهذه الإيديولوجيا هو مبرر وجوده كقائد مفترض لهذه الطبقة التي لا تستطيع من دون هذه القيادة أن تفكر أو تتصرف كطبقة .. الحقيقة هي العكس , هي أن هذه الطبقة لا يمكن أن تتصرف بشكل مستقل و ذاتي بوجود قيادة محترفة من هذا النوع , هذا لا ينفي ضرورة تنظيم الطبقة العاملة و بقية المضطهدين , بل على العكس تماما فالتنظيم قوة حقيقية للطبقة العاملة و انعدامه هو أحد نقاط ضعفها القاتلة , المشكلة هي مع التنظيم المركزي اللينيني – التروتسكي – الستاليني الذي يخدم غرض هذه القيادات بالتحديد بالسيطرة على المضطهدين و على المجتمع كخطوة تالية و ليس هدف انعتاق المضطهدين و تحررهم , إن التنظيم الذي ينظم المضطهدين ليخوضوا بفعالية أكبر النضال في سبيل انعتاقهم هو التنظيم الواعي الحر الطوعي و التنظيم الذي يمارس فيه العمال و المضطهدون ديمقراطيتهم المباشرة داخله حيث يشارك كل إنسان في صنع قراراته , حيث يكون كل فرد جزءا من عملية جماعية ديمقراطية لصنع القرارات و للنقاش الحر , إنه بذلك يشبه المجتمع الجديد الذي يريد أن يخلقه هذا التنظيم أي مجتمع يكون فيه كل إنسان سيد مصيره , هذا هو بالضبط الفرق بين التنظيم اللينيني الذي يعني خضوع المضطهدين لأقلية جديدة ستصبح بالضرورة طبقة حاكمة جديدة إذا استولت على السلطة و بين ممارستهم لتنظيم شؤونهم من خلال ديمقراطية مباشرة دون طبقة وسيطة دون بيروقراطية دائمة منفصلة عنهم .. إن الأحزاب التي تتألف قياداتها من أنتلجنسيا و تكنوقراط “ثوري” محترف ليست جزءا من الطبقة العاملة أو من المضطهدين , إن قياداتها جزء من الطبقة الاحترافية التي قد تخدم الطبقة السائدة و قد تقف ضدها أحيانا , صحيح أن بعضها قد يكون ذا أصول بروليتارية أو أنه قد يتحول إلى بروليتاريا بفعل إفقار الرأسمالية لكن هذه القيادات خلافا للبروليتاريا الحقيقية تمتلك امتيازات دائمة تصر على الاحتفاظ بها , إنها ليست بروليتارية , إنها تحاول أن توهم العمال بذلك لكي تنصب نفسها قائدة عليهم , الطائفيون يمارسون نفس اللعبة لكنهم لا يعرفون أنفسهم طبقيا بل طائفيا , هكذا يصبح الحريري سنيا مثل سكان باب التبانة الفقراء و نصر الله و بري شيعيين مثل سكان قرى الجنوب البؤساء , هكذا يصبح الملك السعودي و شيخه العرعور سنيا مثل سكان الحولة و القبير , و هكذا يصبح الأسد و عائلته علويين مثل سكان القرى المعدومة في جبال العلويين .. يكفي اليوم سماع المدائح بحق مرسي , من أن الثورة قد وجدت أخيرا “قائدها” لنفهم و لو بشكل بدائي تفاهة فكرة القيادة الثورية .. الحقيقة أن الثورة تبقى ناجحة أو في طريقها للنجاح و تحقيق انعتاق حقيقي للمضطهدين و تعطي المضطهدين حرية حقيقية طالما لم توجد هذه القيادة أو طالما لم تتمكن هذه القيادة من الاستيلاء على الثورة بعد .. لا يمكن أبدا مقارنة الديمقراطية المباشرة في ميدان التحرير و أشكال التنظيم الذاتي التي ظهرت في الزبداني و غيرها في سوريا و غيرها بما تسمى ديمقراطية صناديق الاقتراع .. طالما لم تنجح اية مجموعة من خلال مناوراتها و أساليب خداعها السياسية في الاستيلاء على الثورة أي طالما بقيت الجماهير تقود نفسها بنفسها كانت الثورة تتقدم باتجاه حرية حقيقية و باتجاه الانعتاق الحقيقي للمضطهدين .. الخداع هنا ليس مجرد موقف أخلاقي مثالي , بل أكبر من ذلك بكثير , فبالنسبة للأغلبية يتوقف وعيها بذاتها و بمصالحها على فهم حقيقي للواقع و لمصالحها و لوجودها , إن الخداع هو سلاح الأقليات الطامعة لخداع الأكثرية عن طريق خلق أوهام ما لتزييف وعيها و تزييف رؤيتها لذاتها و مصالحها و خلق الوهم بأن تلك الأقلية بالذات تمثل و تحقق هذه المصالح بشكل أفضل من الأكثرية نفسها و أن حكم هذه الأقلية و سيطرتها أفضل من حكم الأكثرية نفسها بنفسها , هذا من جهة مصالح هذه الأكثرية كما يجري الزعم .. صحيح ما قاله لينين و تروتسكي و ستالين من أن وجود قيادة “ثورية” لتنظيم “ثوري” يقوم على انضباط و على سمع و طاعة فولاذيين و قادرة في نفس الوقت على أن تقنع الجماهير بأن “تمشي” وراءها , أن كل هذا يسهل على هذه المجموعة الوصول إلى السلطة , و هذا بالضبط ما يفعله الإخوان اليوم في مصر و تونس و سوريا , لكن وصول هذه المجموعة إلى السلطة شيء و انعتاق و تحرر المضطهدين من كل استغلال و اضطهاد و استلاب شيء آخر تماما , إن لم يكن النقيض الكامل له .. إننا بكل وضوح أمام خيارين اثنين فقط لا ثالث لهما : إما أن تنجح أية مجموعة بفرض نفسها كسلطة جديدة على الجماهير أو أن تتمكن الجماهير من أن تحكم نفسها بنفسها , الخيار الأول يعتمد على المناورات السياسية تارة و القمع و المواجهة العسكرية تارة و أحيانا على بعض أشكال الديمقراطية التمثيلية كالانتخابات , و الخيار الثاني يعتمد على إقامة مؤسسات لممارسة الديمقراطية المباشرة كالسوفييتات و مجالس العمال و المجالس و اللجان و الجمعيات الشعبية و لجان المصانع و الأحياء و القرى الخ .. صحيح أن هناك فوارق بين حكم النخب , في درجة القمع و الحريات المتاحة للجماهير , الديمقراطية البرجوازية هنا تبدو أفضل مثلا من الدول الشمولية , و قد شاهدنا أناركيا أصيلا كالإيطالي مالاتيستا يوافق على أن الديمقراطية البرجوازية أفضل من الديكتاتورية في هذا الصدد , لكن دون أية أوهام , كما يفعل الليبراليون و الإصلاحيون , عن ضرورة هذه المرحلة الديمقراطية البرجوازية قبل الانتقال إلى ديمقراطية جماهيرية مباشرة , هذا غير صحيح كما أعتقد , و قد ظهرت الديمقراطية المباشرة في المجتمع المشاعي و في كثير من مؤسسات و أشكال التنظيم في المجتمعات العبودية و الإقطاعية و الرأسمالية ( كما أظهر كروبوتكين و غيره مرارا , يمكن العودة إلى كتاب كروبوتكين عن الدولة و دورها التاريخي الذي يتحدث فيه عن هذه المؤسسات في أوروبا القروسطية : المدن الحرة و جمعيات الحرفيين ذاتية التنظيم و مجتمعات القرى الكومونية و التي قامت الدولة الحديثة على تدميرها لكي تقيم سلطتها المركزية ) و يتوقف تطور مؤسسات و أشكال الديمقراطية المباشرة على اكتشاف الجماهير لها و فقدانها الإيمان بسلطة الطبقات السائدة , رغم أن مستوى إنتاجي مرتفع و وفرة حقيقية ستساعد من دون شك في دعم هذه الديمقراطية المباشرة و جعلها دائمة بأن توفر الشروط اللازمة لإنهاء الانقسام بين العمل اليدوي و الفكري الذي طالما بقي سيمنح بعض النخب امتيازات ما قد تصبح دائمة مع الوقت مما قد يعني ظهور أشكال استغلال و قمع و استلاب سلطوية جديدة لكن ارتفاع الإنتاجية ليس في حد ذاته هو الدافع إلى قيام أشكال أكثر ديمقراطية خاصة بالنسبة للمضطهدين و المهمشين .. هناك اليوم أيضا نفس الخيار أمام الجماهير , أمام المضطهدين و جزئيا أمام اليسار أيضا : إما السعي لخلق قيادة تستولي على السلطة كطبقة حاكمة جديدة و إن كان هذا “باسم الجماهير” ( هذا ما يفعله الإخوان هذه المرة و إن كان مع غيرة واضحة من القيادات الليبرالية و اليسارية السلطوية ) أو سعي الجماهير لأن تحكم نفسها بنفسها من خلال ديمقراطية مباشرة و من خلال مؤسسات أفقية قاعدية مجالسية كومونية مع القضاء النهائي على انقسام البشر إلى سادة و عبيد , حاكمين و محكومين , مضطهدين و من يضطهدهم .

‫مازن كم الماز | Facebook‬

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  گۆڕین )

w

Connecting to %s