مقدمە

الاناركية مجتمع بلا رؤساء او المدرسة الثورية التي لم يعرفها الشرق

مقدمة

في العالم اليوم

 

“من أوروبا الشرقية حتى الأرجنتين، ومن سياتل حتى مومباي، تتوالد من الأفكار والمبادئ الأناركية رؤى وأحلام راديكالية جديدة. وغالبا لا يطلق أولئك المدافعون عن هذه الأفكار على أنفسهم اسم: “الأناركيون”. انهم يسمون انفسهم أسماء اخرى مثل انصار “التسيير الذاتي – autonomism، مناهضة السلطوية – anti-authoritarianism، العمل الافقي – horizontality، الزاباتاوية – Zapatismo، الديموقراطية المباشرة – direct democracy..”. الا ان المرء يستطيع ان يميز في هذه الفرق جميعها نفس جوهر المبادئ الاناركية: اللامركزية، الانضمام الطوعي للجمعيات، المعونة المتبادلة، انماط شبكات العمل، وفوق كل شيء، نبذ فكرة أن الغاية تبرر الوسيلة، بل وإهمال فكرة أن شغل الفرد الثوري الشاغل هو الاستيلاء على سلطة الدولة ثم يبدأ، بعد ذلك، فرض افكار جماعته بقوة السلاح” .

وفي التاريخ القريب بالامس

ارتفعت راية الاناركية وسط اهم احداث التمرد الاجتماعي في تاريخ الغرب الحديث: من كوميونة باريس١٨٧١، وعبر الثورة الروسية ١٩١٧، الى الحرب الاهلية الاسبانية ١٩٣٦-١٩٣٩.

في كل عصر ومع كل مجتمع، تتغير ملامح الاناركية ويتغير وجودها المادي، “…حتى ان الاناركية الان كفكرة، وفوق كل شيء، كأخلاقيات للممارسة العملية – قد تطورت لتصبح فكرة بناء مجتمع جديد ’من داخل قشرة القديم‘” . ومع ذلك، الاناركية دون شك هي فكرة من اكثر الافكار التي ساء تصويرها في النظرية السياسية!

 

 

 

ما هي الاناركية؟

الاناركية كلمة يونانية تتكون من مقطعين: “أنا”، و”آركي”، حيث كلمة “أنا” تعني “دون”، وكلمة

“آركي” معناها “رئيس” او “سلطة”، اي هي الفكرة الداعية الى مجتمع “دون رؤساء” او “دون سلطة”. لذا، فالاناركية في التحليل الاخير هي اسم اصطلح على اطلاقه على تلاوين شتى من تيار عريض من تيارات الحركة الاشتراكية الحديثة، نشأ من رحم الثورة الفرنسية الكبرى (1789 – 1815) التي كانت اهم العلامات الفارقة على اجتياح وسيادة النظام الرأسمالي مجتمعات الغرب بداية ثم توسعه وانتشاره حتى شمل مجتمعات الكوكب كله تقريبا.

تفترض معظم بيانات تاريخ الأناركية أنها كانت مماثلة جوهريا للماركسية: برزت الأناركية كبنات أفكار لعدد معين من مفكري القرن التاسع عشر (برودون، وباكونين، وكروبتكين…)، واستمرت حينئذ في الهام منظمات الطبقة العاملة، والمضطهدين اجتماعيا، ودخلت في نسيج النضالات السياسية وانقسمت إلى شيع…

ولا يعني الأناركيون بفكرة “مجتمع بلا رؤساء”، انه مجتمع يتكون من نمط واحد لافراد متماثلين في كل شيء، حتى انك لا تستطيع التمييز بينهم، بنفس القدر الذي لا تستطيع التمييز به بين اصناف الدجاج الذي تنتجه صناعة الدواجن الحديثة. بل إن الأمر عند الأناركيين هو، للمفارقة، النقيض من ذلك تماما. فهذه المدرسة الثورية، على اختلاف جماعاتها، تشترك في اعلاء قيمة الحرية الفردية، وكراهية الايديولوجيا، وتعلو بمرتبة الحرية الشخصية علوا سامقا. بل ان هناك من تلاوينها من يصل بقدسية الحرية الشخصية الى حدها الاقصى – فريق “الفردويين – individualists”، ومنهم حتى من يرفض التكنولوجيا الحديثة بما تمليه على البشر من اعتمادية وما تفرضه من تقسيم للعمل وبناء هياكل تراتبية لتسيير المجتمع، وبالتالي التنازل عن حريتهم الشخصية مقابل ما يقدمه لهم هذا التطور التكنولوجي من تسهيلات في المعيشة اليومية (البدائيون primitivists).

يرفض الاناركيون القبول بفكرة ان تحتكر قلة من افراد المجتمع ايا كانت مبررات وجود هذه القلة امتيازات يترتب عليها حصولهم على منافع وفوائد لا تنعم بها الاغلبية. ويرون ان هذا الاحتكار سوف يمكن هذه القلة من تملك سلطة اتخاذ القرار في مختلف اوجه المعيشة على حساب مصلحة الاغلبية.

على ان كلمة “الاناركية” في معظم اللغات الاوروبية، فضلا عن كونها اسم لهذه المدرسة من

الاشتراكية، فهي تستخدم لغويا ايضا بمعنى “الفوضى”. او، على حد تعبير اريكو مالاتيستا : “حيث ان المعتقد الشائع هو ان الحكومة امر ضروري وانه دون حكومات لا يمكن وجود سوى الفوضى والاضطراب، من الطبيعي والمنطقي ان الاناركية، والتي تعني غياب الحكومة، يجب ان تعني غياب النظام العام” .

وعند ترجمة الصحافة السياسية العربية لهذا المصطلح السياسي حول بدايات القرن العشرين، لم تستعمل هذه الصحافة المصطلح السياسي – الاناركية – ولكنها استخدمت الاستعمال اللغوي الاوروبي الشائع للكلمة، “الفوضى”، واشتقت منه اسما للحركة – “الفوضوية”. ولهذا اصبح من الطبيعي ان تشتق اسما للداعين لها وهو “الفوضويون” اي الداعون الى الفوضى وشريعة الغاب. وهكذا اتفق الشرق والغرب على امر وهما نادرا ما يتفقان.

ولكن ببساطة، لم يكن ابدا المعنى الاصلي الضيق لكلمة اناركية هو “لا حكومة” وفقط. الاناركية معناها هو “دون رؤساء”، او المعنى الاكثر شيوعا، “دون سلطة”، وهو المعنى الذي يستخدمه الاناركيون باستمرار. مثلا نرى كروبتكين يدافع عن الاناركية بمنطق أنها “لا تهاجم فقط الرأسمال، ولكنها تهاجم ايضا المصدر الاكبر لسلطة الرأسمالية: القانون والسلطة والدولة”.

لهذا السبب، بدلا من كون الاناركية مناهضة للدولة او للحكومة بشكل صرف، فهي اوليا حركة ضد التراتب الهرمي في المجتمعات. لماذا؟ لان التراتب الاجتماعي الهرمي هو الهيكل التنظيمي الذي يجسد السلطة. وحيث ان الدولة هي الشكل “الاعلى” للتراتب الهرمي، فالاناركية، بحكم التعريف، معادية للدولة؛ ولكن هذا لا يصلح ان يكون تعريفا كافيا للاناركية.

هذا يعني ان الاناركيين الحقيقيين يعارضون كل اشكال التنظيم التراتبي الهرمي، وليس الدولة فقط. في كلمات بريان موريس : “الاناركيون هم اناس يرفضون كل اشكال الحكومات او السلطة القهرية، كل اشكال التراتب الهرمي والهيمنة. لذلك هم يعارضون ما تسميه الناشطة الحركية المكسيكية فلوريس مورجان ’الثالوث الكئيب‘ – الدولة والرأسمال والكنيسة. وهكذا يصبح الاناركيين معارضون لوجود الدولة والرأسمالية كلتيهما، اضافة الى كل اشكال الدين والسلطة. ولكن الاناركيين يسعون ايضا الى تأسيس او الى حدوث شروط تحقيق اناركية اجتماعية، بمعنى، مجتمع لا مركزي دون مؤسسات قهرية، مجتمع ينتظم من خلال فدراليات للجمعيات الطوعية”

وتأتي فكرة “التراتب الاجتماعي الهرمي” في هذا السياق كتطور اخير في فكر الاناركيين؛ الاناركيون “الكلاسيكيون” أمثال برودون وباكونين وكروبتكين استخدموا هذه الكلمة ولكن في احوال نادرة، كانوا يفضلون استخدام كلمة “السلطة”، والتي كانت تستخدم اختصارا لكلمة “سلطوية”. ومع ذلك، يتضح من كتابات هؤلاء الرواد الثلاثة ان اناركيتهم كانت فلسفة ضد التراتب الاجتماعي الهرمي، وضد التفاوت في السلطة والامتيازات بين الافراد. تكلم باكونين عن ذلك عندما هاجم السلطة “الرسمية” ولكنه دافع عن “النفوذ الطبيعي”، وايضا عندما قال: “هل تريد ان تسمح لأي فرد ان يظلم اخيه الانسان؛ ثم تبات متأكدا ان السلطة لن يحتكرها احدا؟”

وبشكل اكثر عمومية في كلمات ل. سوزان براون ، “الصلة الموحدة” بين الاناركيين هي “ادانة عامة للتراتب الهرمي والسيطرة واستعداد للقتال من اجل حرية الانسان الفرد “.

وفقط لتقرير ما هو واضح، الاناركية لا تعني الفوضى ولا يسعى الاناركيون لخلق الفوضى او حالة انعدام النظام العام. على العكس، يرى الاناركيون انهم يرغبون في خلق مجتمع يقوم على اساس الحرية الفردية والتعاون الطوعي. بكلمات اخرى، هم يقولون بفكرة ان النظام العام يبنى من اسفل لاعلى، وليس النظام المختل المفروض من اعلى على من هو ادنى بواسطة اشكال متنوعة من السلطة. مثل هذا المجتمع سوف يكون مجتمعا اناركيا حقيقيا، مجتمعا بلا رؤساء.

وقد لخص نعوم شومسكي الملمح الرئيسي للاناركية في حوار له حول الاناركية، عندما قرر انه في مجتمع حر عن حق “اي تفاعلات بين البشر في مستوى اكثر من كونه تفاعلات شخصية – بمعنى تفاعل يتخذ اشكال مؤسسية من نوع او اخر – في المجتمع المحلي، او في مكان العمل، او في العائلة او في المجتمع الاوسع، مهما يكون شكله، يجب ان يخضع هذا التفاعل للسيطرة المباشرة للمشاركين فيه. وبالتالي، الامر يعني إنشاء مجالس العمال في الصناعة، وإقامة الديموقراطية الشعبية في التجمعات السكانية المحلية، والتفاعل بين هذه

الاشكال، وإنشاء جمعيات حرة للجماعات الاكبر، حتى نصل الى تنظيم المجتمع الدولي ذاته “.

ترفض الاناركية انقسام المجتمع في تراتب هرمي من رؤساء للعمل اسفلهم عمال، أو الى حكام ومحكومين. في الاخير، تنادي الاناركية بمجتمع يقوم على اساس جمعيات حرة طوعية من تنظيمات تشاركية تدار من اسفل الى اعلى.

 

*********************

مصدر : الاناركية مجتمع بلا رؤساء او المدرسة الثورية التي لم يعرفها الشرق

إعداد وعرض: احمد زكي

الاناركية الثورة الروسية في اوكرانيا  ١٩١٧ – ١٩٢١

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s