سلطة العمال والثورة الاسبانية

 سلطة العمال والثورة الاسبانية

بقلم: توم فيتزل

 

في الانتخابات القومية الاسبانية عام ١٩٣٦، نجح ائتلاف من الليبراليين والاشتراكيين في اكتساح حكومة يمينية قمعية ليخلعها من السلطة ويحل محلها. اطلق العمال الاسبان، مستفيدين من وجود مناخ اقل قمعا، اوسع موجة اضرابات في التاريخ الاسباني، بعشرات من الاضرابات العامة التي شملت مدن بأكملها ومئات من الاضرابات الجزئية. بنهاية يونيو كان مليون عامل قد اعلنوا الاضراب.

بعد ما يقرب من شهر بعد انتخابات فبراير ١٩٣٦، قادت فدرالية العمال الزراعيين ٨٠ الف عامل زراعي معدم في حملة للاستيلاء على ٣ الاف مزرعة في “سيبريا الاسبانية” – منطقة استريمادورا التي ضربها الفقر الطاحن . احتد الاستقطاب السياسي، وقد علت نبرة الجدل داخل البلاد حول المستقبل، بعمليات اغتيال ثأرية متبادلة بين اليسار واليمين. ومع الدعوات العلنية من السياسيين اليمينيين لاستيلاء العسكر على السلطة، بدأ في التاسع عشر من يوليو الانقلاب الذي توقعه الجميع في اسبانيا.

لاول مرة في تاريخ اسبانيا، يقاوم الشعب بطريقة هجومية محاولة استيلاء للجيش على السلطة. انهزم الجيش في ثلثي البلاد. تحركت النقابات لتصادر مقادير هائلة من ارصدة الرأسماليين، وتضع معظم الاقتصاد الاسباني تحت ادارة العمال. انشأت النقابات جيوشها العمالية الثورية الخاصة لمحاربة العسكريين الاسبان. تسببت محاولة العسكر سحق الحركة العمالية في البلاد في انطلاق ثورة الطبقة العاملة الاسبانية التي كانت تخشاها النخبة الاسبانية منذ وقت طويل. الحرب الاهلية نفسها كانت صراعا طبقيا في احد اكثر اشكاله تطرفا.

اثنان من اللاعبين الرئيسيين في هذه الدراما كانتا فدراليتين من فدراليات العمال الكبرى بالبلاد. أولاهما هي الكونفدرالية الوطنية للعمل (CNT) بعضوية اوائل عام ١٩٣٦ بلغت ١.٦ مليون عامل (طبقا للاحصاءات الحكومية). هذه الكونفدرالية هي نتيجة سبعة عقود تقريبا من العمل الاناركي لتنظيم العمال في اسبانيا. منذ عام ١٩١٩ قامت تلك الكونفدرالية على اساس “النقابة الفردية” – نقابات صناعية محلية مدارة ذاتيا. في برشلونة عام ١٩٣٦ بلغت عضوية اتحادات نقابات عمال البناء والمعادن في الكونفدرالية اكثر من ٣٠ الف عضو في كل من القطاعين.

لم يكن هناك احد في اي نقابة من اتحادات الكونفدرالية الوطنية للعمال يتلقون رواتب نظير عملهم كمسئولين فيها. احب العمال الفكرة الاناركية القائلة بأن الكفاح المشترك لا يجب ان يصبح ابدا مهنة شخصية وسبيل ارتزاق شخصي. آمن الاناركيون بفكرة أن المسئولين مدفوعي الرواتب يشجعون العمال على ان يتطلعوا اليهم بوصفهم الزعماء القادرين على حل مشاكلهم، وهذا يؤدي الى هيمنة هؤلاء الرؤساء على النقابات. في ١٩٣٦ تواجد عدد قليل جدا من القادة مدفوعي الرواتب في كونفدرالية العمل الوطنية – السكرتارية القومية، وسكرتارية منطقة قطالونيا، وسكرتارية النقابة الصناعية الوطنية لصناعة الصيد التجاري. هؤلاء المسئولون، وهيئة تحرير الصحف اليومية للكونفدرالية في مدريد وبرشلونة، كانت اجورهم تساوي اجر عامل متوسط. وكانت هذه المناصب المدفوعة الاجر تدور على شاغليها بعد سنة واحدة فقط.

الاناركيون في كونفدرالية العمل الوطنية – في الوقت الذي نظموا فيه النضالات حول الهموم المباشرة، شجعوا ايضا المناقشات حول رؤى مجتمع ما بعد الرأسمالية، دون هياكل للظلم والاضطهاد والاستغلال. “انعدام السياسة” في الكونفدرالية كان يعني انها تعارض الاستراتيجية الانتخابية او البرلمانية في التغيير الاجتماعي. كان هدف مناضلي الكونفدرالية هو تحرير الطبقة العاملة من الاضطهاد الطبقي من خلال العمل الجماعي بواسطة العمال انفسهم.

كل وحدة نقابية تتشكل من “اقسام” لها مجالسها الخاصة بها ومندوبين منتخبين عن مكان العمل. في الصناعات الانتاجية مثل النسيج والصناعات المعدنية، هناك قسم لكل منشأة او مصنع. في صناعة البناء، “الاقسام” تتطابق مع المهن المتنوعة في الصناعة. كل الاتحادات الصناعية المستقلة ذاتيا في المدينة او المقاطعة (كوماركا) تتجمع معا في مجلس عمالي محلي (الفدرالية المحلية).

كانت النقابات جزءا من سياق اوسع لمؤسسات الحركة. نظم اليسار التحرري في اسبانيا

ايضا مدارس بديلة وشبكة كثيفة مما كان يسمى الاتينيوس – مقرات مراكز مجتمعية. كانت الاتينيوس مراكز للجدل، والفعاليات الثقافية، وفصول محو الامية (نسبة بين ٣٠٪ الى ٥٠٪ من السكان كانوا اميين في اسبانيا الثلاثينات)، وهكذا. الفكرة المميزة للاناركية الاسبانية كانت هي تمكين الناس العاديين، وتحضيرهم للمشاركة الفعالة في الكفاح من اجل التحول الاجتماعي.

كانت النقابية التحررية لكونفدرالية العمل الوطنية شكلا من السياسة “المجازية”. بتطويرهم لنقابات تقوم على اساس المشاركة في صنع القرار من خلال المجالس والمندوبين المنتخبين غير مدفوعي الاجر،اعتقد مناضلو الكونفدرالية انهم يمارسون شكل من التنظيم يمثل تصورا لمجتمع مستقبلي يدير العمال فيه الصناعة ويدار المجتمع ذاتيا من خلال ديموقراطية المشاركة المجالسية.

المنظمة العمالية الكبرى الثانية في اسبانيا كانت الاتحاد العام للعمال (UGT)، بعضوية ١.٤ مليون عامل في اوائل ١٩٣٦. انحاز الاتحاد العام للعمال لصف حزب العمال الاشتراكي الاسباني (PSOE) رغم ان الحزب الشيوعي الاسباني كان نشيطا داخله ايضا. كان الاتحاد العام هو اغلبية التنظيم النقابي في المناطق الوسطى القشتالية من اسبانيا، التي تشمل مدريد، وشكل كذلك اغلبية في مناطق مناجم الفحم في اوسترياس على ساحل الاطلنطي الشمالي. فدرالية العمال الزراعيين (FNTT) بالاتحاد العام للعمال بلغت عضويتها نصف مليون في ربيع عام ١٩٣٦. من خلال حملتها من اجل الاصلاح الزراعي بالاستيلاء على الاراضي، شكلت الفدرالية الفلاحية حركة ثورية جماهيرية في الريف.

*********************

مصدر : الاناركية مجتمع بلا رؤساء او المدرسة الثورية التي لم يعرفها الشرق

إعداد وعرض: احمد زكي

الاناركية الثورة الروسية في اوكرانيا  ١٩١٧ – ١٩٢١

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s