الرؤية اليسارية التحررية

الرؤية اليسارية التحررية

 

في اوائل عام ١٩٣٦ بلغت عضوية الاتحاد العام للعمال والكونفدرالية الوطنية للعمل اعلى مستوى لها في كل الاوقات. وفي الاثناء التي امسك بخناق البلاد كلها جدل مكثف حول المستقبل، انتشرت موجة من الاضرابات عمت انحاء البلاد، متضمنة اضرابات عامة عديدة باتساع المجتمع كله. بانتصار تحالف الاشتراكيين والليبراليين في انتخابات فبراير، امكن للعمال ان يتوقعوا فسحة يتنفسون فيها لتنظيم اضرابات وللضغط من اجل التغيير. كانت اتحادات العمال الزراعيين تنفذ اصلاحها الزراعي عبر استيلاء جماهيري على الاراضي الزراعية. منظر الجماعة الثلاثينية خوان بييرو اخبر صحفيا من الصحفيين في مايو: “الجماهير تتحرك نحو الثورة”.

 

العديد من الناس، مع نداء نشطاء اليمين الى الجيش للامساك بالسلطة، توقعوا انقلابا عسكريا. في وسط هذا المناخ من الحشد والتعبئة والازمة، عقدت كونفدرالية العمل الوطنية كونجرسا قوميا في سرقسطة. بحلول عام ١٩٣٥ كانت الجماعات الاناركية القطلونية قد تحركت بعيدا عن مرحلتها المبكرة التي كانت تنادي فيها بالانتفاضات الثورية واتجهت صوب مصالحة مع الثلاثينيين. الفيدرالية الاناركية الايبيرية، حتى توفر اقصى وحدة ممكنة من اجل المعارك القادمة، دعت انصار الثلاثينيين الى العودة الى الكونفدرالية الوطنية للعمل.

 

من بين القضايا التي تناولها الكونجرس كانت رؤية الكونفدرالية لنوع المجتمع الذي تريد خلقه، وهو ما اطلقت عليه اسم “الشيوعية التحررية”. وثيقة الرؤية التي اقرها كونجرس سرقسطة حاولت خلق تأثيرات نافذة اناركية كوميونالية وسينديكالية تحررية على التفكير اليساري التحرري الاسباني في تصوراته لمجتمع ما بعد الرأسمالية.

 

وضع تصور لهيكل مزدوج الحاكمية للمجتمع، يقوم على اساس مجالس اماكن العمل ومجالس السكان في مناطق سكنهم بالقرى واحياء المدن. تنتخب مجالس اماكن العمل هيئات وتتصل هذه الهيئات في فدرالية قومية للصناعة، لادارة مختلف الصناعات.

 

وضع الكونجرس ايضا تشديدا قويا على “البلديات الحرة” واستقلالها الذاتي، ليعكس تأثرا

قويا للاناركية الكوميونالية. وهذا عن طريق مؤسسة تضرب بجذورها في مجالس السكان بالقرى والاحياء الحضرية. في المدن الكبيرة، مثل برشلونة، تنتخب المجالس مجلسا للبلدية. اعضاء هذا المجلس البلدي سوف يستمرون في العمل في وظائفهم المعتادة في مجال الانتاج الاجتماعي، والقضايا الهامة سوف ترجع الى المجالس القاعدية من اجل اتخاذ القرار.

 

في كتيب التخطيط الاجتماعي المقترح من قبل دييجو عباد دي سانتيلان ، الفدراليات القومية للصناعات وهي فدراليات تتمتع بالاستقلال الذاتي على تنوعها سوف تتصل بمجلس اقتصادي، يعمل بدوره كهيئة تنسيقية. ولكن الخطط الفعلية سوف تتطور بواسطة المؤتمرات الاقليمية والقومية لمندوبين من فدراليات الصناعة، بمساعدة طاقم للدعم الفني. وهذه النظرة، في الواقع العملي، نسخة سينديكالية ديموقراطية للتخطيط التشاركي.

 

تختلف وثيقة الرؤية لكونجرس سرقسطة عن اقتراح عباد دي سانتيلان باضافة هيكل لمجالس السكان وفدراليات جغرافية لهؤلاء السكان كتعبير عن الحكم الذاتي السياسي وايضا كقناة ليدلي المستهلك برأيه، مع اضطلاعه بمسئولية تسيير وعدم تعارض الاقتراحات الخاصة بالخدمات العامة مثل الرعاية الصحية والاعلام وتخطيط المدن والاسكان. ولكن كيف سينضم عمليا صوت المستهلكين الى نظام التخطيط الاجتماعي؟ في الحقيقة لم تقل وثيقة سرقسطة شيئا عن ذلك. لم تمتلك الاناركية التقليدية مفهوما ما عن التخطيط التشاركي – التطور التفاعلي لخطة اجتماعية من خلال التفاوض بين العمال والمستهلكين.

 

قدمت وثيقة سرقسطة طريقا لوصل البلديات الحرة في مؤتمرات شعبية قومية واقليمية. في الواقع العملي، مهدت تلك الطريقة السبيل الى هيئات تشريعية محلية واقليمية وقومية. وضعت الوثيقة ايضا تصورا “لميليشيا شعبية” – بكلمات اخرى، جيشا – كوسيلة للدفاع عن النظام الاجتماعي الجديد . الهيكل الذي يستطيع ان يضع احكام وقواعد لمجتمع والذي يدافع عن السلطة التي تنفذ هذه الاحكام والقوانين بالقوة؛ هذا الهيكل هو في الواقع فكرة سياسية، شكل من الحكم. إن لم تكن الحياة السياسية التحررية هي دولة، اذا المطلوب هو وضع تمييز بين الحياة السياسية (او هيكل للحكم) والدولة. الاناركيون التقليديون الذين

كتبوا حول هذه المسألة لم يكونوا واضحين فيها بشكل كبير.

محاولة بيتر كروبوتكين لوضع هذا التمييز ادت الى التشديد على الاستقلال الذاتي المحلي واللامركزية المميزة للاناركية الكوميونالية الاسبانية: لان “الدولة تأسست من اجل غرض محدد وهو فرض حكم الطبقات المهيمنة، اي حركة نحو تحويل الاقتصاد الى الشكل الاجتماعي و”تحرير العمل” يتطلب “شكلا جديدا من التنظيم السياسي” يكون “اكثر شعبية، اكثر لا مركزية، اقرب الى حكم ذاتي شعبي” منه الى “حكومة نيابية”، التي تمثل نوع الدولة المميزة للرأسمالية، من وجهة نظر كروبوتكين .

 

ورغم ان كونجرس سرقسطة تبنى اقتراحا من اجل “تحالف عمال ثوري” مع فدرالية نقابات اتحاد العمال العام، فشل الكونجرس في مناقشة استراتيجية فعلية او برنامج عملي في مواجهة الوضع المباشر الذي تواجهه كونفدرالية العمل الوطنية. نتيجة لذلك، اجبرت الكونفدرالية على “اتخاذ خطوات عملية في اضطراب شامل ” (بكلمات قيصر ام لورينزو) بعد الكونجرس بشهرين، في اعقاب الانقلاب العسكري الذي استولى على الحكم.

*********************

مصدر : الاناركية مجتمع بلا رؤساء او المدرسة الثورية التي لم يعرفها الشرق

إعداد وعرض: احمد زكي

الاناركية الثورة الروسية في اوكرانيا  ١٩١٧ – ١٩٢١

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s