الانقلاب

الانقلاب

بدأ استيلاء الجيش في اسبانيا في ساعات الصباح الاولى ليوم التاسع عشر من يوليو. في الخامسة صباحا بدأت صافرات المصانع ببرشلونة في الانطلاق. رتبت الكونفدرالية عملية اطلاق صافرات المصانع كاشارة تنبيه لمنظمة الدفاع التابعة لها بأن الجيش يتحرك وان القوات العسكرية تخرج من قواعدها. كانت الكونفدرالية قد نظمت حوالي ٢٠٠ مجموعة دفاع عن الاحياء في انحاء منطقة برشلونة، تتكون هذه المجموعات من حوالي ٢٠٠٠ ناشط مسلح، وقد انشأت الكونفدرالية لجنة دفاع عمالية اقليمية للتنسيق بين هذه المجموعات. في الليلة السابقة على الانقلاب اسرت مجموعات الدفاع العمالية شحنة من السلاح من على سفينة راسية في ميناء برشلونة.

وعندما ركزت الكونفدرالية قواتها عند احد قواعد الجيش في الصباح، قام رقيب في الجيش الاسباني باطلاق الرصاص على ضابطه الفاشي واقنع زملاءه الجنود بالاستسلام. وهكذا فتحت الكونفدرالية طريقا للحصول على مدد كبير من السلاح. الموظفون في شركة الحافلات اسروا السيارات المدرعة التي تستخدمها الشركة لنقل الاموال السائلة واستخدموها كسيارات مدرعة في القتال. فور انتقال الكونفدرالية الى العمل المباشر ضد الجيش، اشتركت الميليشيات شبه العسكرية في القتال. في برشلونة، باحد احياء الطبقة العاملة حول ثكنات للجيش، قام رائد في الشرطة بتسليم السلاح لأي شخص يستطيع ان يظهر له بطاقة النقابة. بدأ الطيارون في القوات الجوية الاسبانية قصف مواقع الجيش حول برشلونة والاغارة عليها.

لم يحدث في اي مكان باسبانيا ان اتخذ صف جنود الشرطة المبادرة في قتال الجيش من انفسهم. في المواقع التي فشل العمال فيها بالقيام بتحركات هجومية مسلحة ومنحوا ثقتهم للمسئولين في الحكومة الليبرالية، لعب البوليس لعبة الصبر والانتظار. في معقل الكونفدرالية القوي بسرقسطة، في اراجون، وضع احد زعماء الكونفدرالية المحليين ثقته في احد المسئولين المحليين الجمهوريين الليبراليين. عندما تمرد الجيش، كانت النتيجة مذبحة رهيبة. في عام ١٩٧٩ اكتشفت مقبرة جماعية خارج سرقسطة تحتوي على ٧ الاف جثة.

تقريبا في كل مكان باسبانيا تحرك نشطاء النقابات فيه بطريقة هجومية ضد الانتفاضة العسكرية وانضمت لهم قوى الشرطة، انهزم الانقلاب العسكري. في مدريد عديد من اعضاء حرس الهجوم كانوا اشتراكيين. اماكن قليلة هي التي استطاع الناس فيها هزيمة الجيش دون مساعدة البوليس. لم يكن هناك مكان في اسبانيا تمرد فيه جنود الجيش ضد ضباطهم دون ان يحاصرهم العمال ورجال الشرطة الغاضبون.

ضباط البحرية الاسبانية كان معظمهم تقريبا من ذوي الدماء الزرقاء ابناء الطغمة المالية من كبار ملاك الارض. كانوا يحتقرون الصفوف الادنى من البحارة. العديد من البحارة الاسبان كانوا يعملون سابقا في صناعة النقل البحري التجاري في اسبانيا حيث كانوا على الاغلب اعضاء في نقابات الكونفدرالية او نقابات الاتحاد العام للعمال. كانوا هم ايضا يكرهون ضباطهم. في الليلة التي سبقت التاسع عشر من يوليو عقد البحارة في الاسطول الاسباني اجتماعات سرية، وانتخبوا لجان السفن، وشرعوا في القبض على الضباط الفاشيست او اطلاق النار عليهم.

بنهاية الاسبوعين، فقد الجنرالات الفاشيست تقريبا نصف قوة جيشهم القائم في اسبانيا، و٤٠٪ من قوة الشرطة وثلثي قوة البحرية ومعظم القوات الجوية. انهزم الانقلاب العسكري في ثلثي اسبانيا، بما فيها المناطق الصناعية والمدن الكبيرة.

اهم قوة كانت متاحة للجنرالات الفاشيست هي ٢٥ الف رجل يشكلون قوام الجيش الافريقي، وهي القوة الاستعمارية التي صلبت عودها المعارك من المرتزقة ورجال العصابات الاجرامية. ومع سيطرة البحارة على سفن البلاد الحربية في يوليو، وتلك السفن تجوب مضيق جبل طارق جيئة وذهابا، اصبحت امكانية النقل البحري لجيش افريقيا من المغرب الى اسبانيا قضية مستحيلة مؤقتا. عند هذه النقطة، مدت المانيا النازية يد العون للجنرالات الفاشيست الاسبان بتزويدهم بطائرات وطيارين المان لنقل جيش افريقيا الى اسبانيا – وهو اول جسر جوي ينقل جيشا بأكمله الى ميدان المعركة في التاريخ العسكري. ومع استيلاء العمال على معامل تكرير النفط ومحطات البنزين في اسبانيا، تعرض الجيش الفاشي لخطر نفاد الوقود منه. قدمت شركة تكساكو ساعتها شكلا اخر من المعونات الدولية. الرئيس التنفيذي لهذه الشركة امر ناقلات النفط البحرية التي تجوب البحار التوجه الى الموانئ التي يسيطر عليها الجيش الفاشستي. زودت الشركة الجيش بخمسة ملايين دولار بنزين في مقابل دفع آجل للثمن.

وفي نفس الوقت، ضباط البحرية البريطانية في جبل طارق اصابهم الرعب من مشاهدة السفن الحربية الاسبانية يقودها بحارة من الرتب الادنى غير مبالين بالقواعد التقليدية المرعية للزي وتبادل التحيات برفع قبضات اليد. عاون ضباط البحرية البريطانية الفاشيست الاسبان معاونة مباشرة. عندما كان الجيش الاسباني يحاصر من البر بلدة الجيسيراس، حاول بحارة الاسطول الاسباني حماية البلدة من البحر عن طريق اطلاق نيران مدافع سفنهم ضد مواقع الجيش الفاشي. منعت البحرية البريطانية ذلك بواسطة تحرك السفن الحربية البريطانية امام البلدة.

انشأت لجان تطهير في المدن التي استولى عليها الجيش الفاشي. تشكلت هذه اللجان بشكل نمطي من مسئول من البوليس، وكاهن، وممثل كتائب الفاشيست، ومالك ارض محلي. اعدت قوائم باسماء اليساريين المعروفين كان ينفذ فيهم الاعدام بشكل منهجي. طبقا لعضو من الكتائب: “٨٠٪ من الذين تم اعدامهم في الصفوف الخلفية كانوا عمال. استهدف القمع بتر الطبقة العاملة جسديا، وتدمير قوتها… لقد كانت حربا طبقية “. تقول التقديرات ان السلطات اعدمت بين ١٠٠ و٢٠٠ الف شخص في المنطقة التي سيطر عليها الفاشيون اثناء الحرب الاهلية.

بعد هزيمة الجيش في برشلونة في العشرين من يوليو، تدفق مئات الالاف من الناس في الشوارع، ليحتفلوا بالانتصار. رئيس البوليس، فريدريك ايسكوفيت، وقد انتابه القلق من نمو قوة كونفدرالية العمل، ارسل بالشرطة الى مستودعات سلاح الجيش في سانت اندرو حيث كان بالمخازن حوالي ٣٠ الف بندقية. ولكنهم وصلوا بعد فوات الاوان. كانت الفدرالية قد استولت على السلاح توا . احتلت الكونفدرالية ايضا التحصينات العسكرية في مونتيوخ، المطلة على برشلونة.

الكونفدرالية، اضافة الى توزيعها السلاح على جماعات الدفاع عن الاحياء، تحركت فورا لخلق جيشها الخاص. تم تجنيد الاف النساء والرجال من اعضاء نقابات الكونفدرالية. اصدرت لجنة الدفاع الكونفدرالية قرارا بمصادرة السيارات – تاكسيات، وسيارات ركوب الاغنياء، والحافلات، والشاحنات. نظمت طوابير من وحدات الميليشيا المتحركة بغرض القيام بهجوم لطرد الجيش من قطالونيا والمناطق المجاورة لها. سلطة اتخاذ القرار العليا في كل طابور كانت مجلس اعضاء الميليشيا. انتخب ضابط للقيادة (“المندوب الرئيس”) في كل طابور. الوحدات الادنى انتخبت مندوبا “للجنة الحرب” – اللجنة الادارية للطابور. ضابط الجيش الاسباني المتعاطف كان يلحق بكل طابور كمستشار فني. الاتجاه العام والكلي للطوابير كان عمل لجنة الدفاع الخاصة باتحادات الكونفدرالية.

اثناء صيف ١٩٣٦، طردت طوابير ميليشيا العمال الجيش الفاشي من فالنسيا وقطالونيا خارج مقاطعة قطالونيا ومن مساحة ١٠٠ كيلومتر الى الغرب عبر منطقة اراجون – اوسع مساحة من الارض غنمتها واستولت عليها القوى المعادية للفاشية في الحرب الاهلية.

كانت برشلونة مركز صناعة السيارات الاسبانية. اتحاد الصناعات المعدنية في الكونفدرالية تحرك مباشرة بعد ١٩ يوليو لمصادرة ارصدة هذه الصناعة، وتحويلها الى الانتاج الحربي لصالح ميليشيا النقابة. خلال اسابيع، انشأت الكونفدرالية ٢٤ مصنعا للمعادن والكيماويات لصناعة القنابل والمتفجرات والسيارات المدرعة لصالح جيش العمال الثوري.

*********************

مصدر : الاناركية مجتمع بلا رؤساء او المدرسة الثورية التي لم يعرفها الشرق

إعداد وعرض: احمد زكي

الاناركية الثورة الروسية في اوكرانيا  ١٩١٧ – ١٩٢١

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s