الجدل في الكونفدرالية حول السلطة السياسية

الجدل في الكونفدرالية حول السلطة السياسية

طبقا لاقوال مساعديه، كان لويس كومبانيز قلقا وعصبيا في ٢٠ يوليو. رئيس شرطته ايسكوفيت، كان قد حذره توا بأن الشرطة لم يعد في استطاعتها اعادة تأكيد سلطة الحكومة . الكونفدرالية الان بحكم الامر الواقع تمتلك قوات مسلحة في قطالونيا. كان كومبانيز رئيسا للحكومة الاقليمية البرلمانية في قطالونيا ورئيس الحزب الجمهوري اليساري لقطالونيا. كان هذا الحزب قد هزم العصبة القطالونية، حزب البزنس الكبير، في انتخابات فبراير ١٩٣٦. الشرائح المتوسطة القطالونية – صغار التجار والبزنس الصناعي الصغير، وصغار ملاك الارض، والمحامون والمهنيون، والمدراء والعائلات الفلاحية – كانوا القاعدة الاجتماعية الرئيسية للحزب الجمهوري اليساري.

شغل كومبانيز وظيفة المحامي السابق للكونفدرالية، ويعرف كثير من الاناركيين. احتاج الى توجيه نداء لهم يمنعهم من الاطاحة بحكومته.

كان ريكاردو سانتز، وبوينافنتورا ديوروتي، وخوان جارسيا اوليفير نشطاء قياديين في لجنة الدفاع الاقليمي بالكونفدرالية، واعضاء في جماعة “نحن” (Nosotros) – احدى جماعات الفدرالية الاناركية الايبيرية. دعا كومبانيز هؤلاء الرجال الى مكتبه في العشرين من يوليو. اخبرهم كومبانيز:

“اول كل شيء يجب علي القول انه لم يتم التعامل ابدا مع كونفدرالية العمل ولا الفدرالية الاناركية بالاهتمام الواجب الذي يستحقانه. لقد تعرضتم للملاحقة الفظة باستمرار. وانا، الذي اعتدت ان اكون معكم، اجبرتني الحقائق السياسية الواقعية على ان اعارضكم واطاردكم. انتم الان تسيطرون على المدينة وعلى قطالونيا لانكم بمفردكم استأصلتم العسكريين الفاشيين. ولكن دعني اذكركم انه لا ينقصكم العون اليوم من رجال حزبي، وايضا العون من الجندرمة والحرس الرئاسي… لقد ربحتم والسلطة بين ايديكم. لو انكم لستم في حاجة لي ولو انكم لا تريدونني كرئيس لقطالونيا، اخبروني الان ولسوف اكون مجرد جندي اخر في الكفاح… انتم تستطيعون الاعتماد على ولائي كرجل وكقائد حزب يؤمن ان الماضي المجلل بالعار قد اتى الى نهايته اليوم وانا آمل مخلصا ان قطالونيا سوف تقف في طليعة البلاد الاكثر تقدما في القضايا الاجتماعية “.

اقترح كومبانيز عندئذ مشاركة الكونفدرالية في لجنة ميليشيا معادية للفاشية، تسيطر عليها احزاب الجبهة الشعبية، لادارة المجهود الحربي ضد العسكرية الفاشية. تلك كانت مراهنة قمار ماهرة لأن استقلال اللجنة الاسمي عن الدولة سوف يسمح للاناركيين ان يقولوا انهم لا يشاركون في هيئة حكومية ولكن ذلك سوف يجرهم الى سياق عمل تحت سيطرة زعماء احزاب الجبهة الشعبية، ولسوف يترك الحكومة سليمة لا تمس.

كان الرأي الشخصي لسانتز وديوروتي وجارسيا اوليفير ان الكونفدرالية يجب عليها الاطاحة بالحكومة الاقليمية ، ولكنهم لم يصرحوا بهذا الرأي لكومبانيز. اخبروه ان الكونفدرالية هي التي تتخذ قرار فيما يجب عمله. تلك الليلة، عقد مجلس برشلونة المحلي للعمل في الكونفدرالية لقاءا لتقرير موقفه من هذا الموضوع. في ذلك اللقاء، كان موقف جارسيا اوليفير ان “الحركة يجب ان تستولى على السلطة”. فيليكس كاراسكير، احد معلمي المدارس، ودييجو عباد دي سانتيلان، كلاهما ممثلان للفدرالية الاناركية، دخلا سجالا ضد اقتراح جارسيا اوليفير. الا ان الجدل حكمه اطار مفردات سؤال: “هل يجب ان نفرض رؤيتنا بالشيوعية التحررية؟ هل يجب ان تحكم الكونفدرالية بمفردها؟” كان منطق كاراسكير وعباد دي سانتيلان ان ذلك سوف يكون ديكتاتورية تفرضها الاقلية. بعد نقاش ساخن، صوت مجلس برشلونة للعمل ضد اختيار الاستيلاء على السلطة .

ومع ذلك، هذا القرار لم يفض الى تسوية المسألة. القرار الفعلي سوف يقرره الاجتماع الشامل الاقليمي لكل المجالس المحلية للعمل في الكونفدرالية لمنطقة قطالونيا. دعت السكرتارية الاقليمية للقاء في ٢٣ يوليو. كان هذا اللقاء الاقليمي الشامل اجتماعا لاكثر من ٥٠٠ مندوب عن المجالس المحلية للعمل في الكونفدرالية. اقيم الاجتماع في كاسا دي كامبا، المقر الرئيسي السابق لجمعية اصحاب العمل. هذا المبنى الواسع كان قد تم الاستيلاء عليه كعمل ثوري، من اجل توفير فضاء لاجتماعات الكونفدرالية، وفدرالية الاناركيين ومنظمة النساء الاناركيات.

اقترح وفد مجلس العمال في منطقة بايو لوبريجات ان الاتحادات النقابية يجب ان تستولى

على السلطة وتطيح بالحكومة الاقليمية؛ الان حانت اللحظة لتنفيذ برنامج كونفدرالية العمل الثوري، من وجهة نظرهم. بايو لوبريجات هي منطقة الضواحي الصناعية في الحد الجنوبي لبرشلونة، وهي منطقة تم بناؤها اثناء الرواج الصناعي في العشرينات. طلب وفد بايو لوبريجات من جارسيا اوليفير ان ينسق ويعتمد على موقفهم اثناء الجدل. كان جارسيا اوليفير خطيبا مفوها عمل معظم حياته كنادل في المقاهي، عندما لم يكن في السجن. تركته خبرة حياته الطويلة في الكفاح الطبقي متمتعا باحساس قوي ان الطبقة العاملة سوف يكون عليها ان تفرض ارادتها على المجتمع اذا ما كان له ان يحرر نفسه ابدا.

شدد جارسيا اوليفير على ان العملية الثورية يجب ان نحكمها، ولا يمكن تركها في فراغ سلطة، هذا الفراغ الذي “سوف يسمح للاتجاهات الماركسية المتنوعة ان تمسك بزمام الامور وتقضي علينا”. السكرتير الاقليمي، ماريانو فاسكيز – عامل بناء من اصل غجري – حافظ على موقفه باستمرار بأنهم يجب ان يقبلوا بعرض كومبانيز بالمشاركة في لجنة ميليشيا معادية للفاشية مؤقتا بينما “يحكمون من الشوارع”.

كان المتحدثون الرئيسيون ضد جارسيا اوليفير هم فيدريكا مونتسني ودييجو عباد دي سانتيلان. مونتسني – روائية اناركية وخطيبة مفوهة تمتلك منزلا في حي راق ببرشلونة – كانت من اتباع الاناركية الفردية المتطرفة لماكس شتيرنر. كان كلا من مونتسيني وعباد دي سانتيلان عضوين في جماعة نيرفيو احدى جماعات فدرالية الاناركيين الايبيريين. مونتسيني كانت عضوة بلجنة شبه الجزيرة في فدرالية الاناركيين وكلاهما هي ودي سانتيلان تواجدا في هذا الاجتماع كممثلين للفدرالية الاناركية الايبيرية.

كان منطق مونتسيني ان مقترح جارسيا اوليفير لتنفيذ برنامج الكونفدرالية “بالشيوعية التحررية” سوف يعني فرض “ديكتاتورية اناركية” على السكان. ركز عباد دي سانتيلان على خطر التدخل الاجنبي، مشيرا الى وجود السفن الحربية البريطانية بالقرب من الشواطئ

الاسبانية.

اشار جارسيا اوليفير، في رده عليهما، الى انه لم يتكلم ابدا عن “ديكتاتورية” للاناركيين او للكونفدرالية. واعترض على وصف حكم اتحادات العمال النقابية “ديكتاتورية”. واحتج جارسيا اوليفير بأن الكونفدرالية، بوصفها منظمة الاغلبية العمالية، عليها التزام ان تتصدر الطريق الى الامام في الثورة وانه يؤمن ان الممارسات التحررية الديموقراطية وايديولوجية الكونفدرالية سوف تكون ضمانا بأن حاكمية الاتحادات النقابية للمجتمع لن تتحلل الى نظام حكم سلطوي. وصنف تعليقات عباد دي سانتيلان بوصفها فقط دعوة للخوف. وفي رد على فاسكيز، قال جارسيا اوليفير انه على الاقل اعترفت السكرتارية الاقليمية بأن الثورة يجب ان نحكمها. ولكنه اصر على ان الكونفدرالية يجب ان تتحمل مسئولية صنع الثورة.

واثناء حديث جارسيا اوليفير، قطع حديثه بملاحظة ان فيدل ميرو – عضو اخر من جماعة نيرفيو الاناركية وناشط في جماعة الشبيبة التحررية – كان يتنقل من مندوبين الى مندوبين اخرين في القاعة، ليحشد الاصوات. عندما جرى التصويت، اقتراح التعاون مع احزاب الجبهة الشعبية في لجنة ميليشيا معادية للفاشية حصل على الاغلبية .

في ذكرياته الشخصية، اشار جارسيا اوليفير الى ان المندوبين تجمعوا على عجلة، دون اي فرصة للتشاور مع النشطاء في الاتحادات النقابية او فرصة لمناقشة تبعات ما هم بصدد تقريره. اعتقد جارسيا اوليفير ان اللقاء خضع زيادة عن اللزوم لنفوذ “المثقفين الاناركيين من البورجوازية الصغيرة” مثل مونتسيني وعباد دي سانتيلان، اللذان امتلكا نفوذا مؤكدا من خلال الصحافة الاناركية في قطالونيا.

لكن لماذا تأرجح موقف مندوبي المجالس العمالية مع ملاحظات مونتسيني ودي سانتيلان؟ تصور السلطة السياسية للاتحادات النقابية على انها “ديكتاتورية الكونفدرالية الوطنية للعمل” ربما يكون نتيجة لابهام في المفهوم السينديكالي عن الحياة السياسية “المجازية”. الفكرة بأن الاتحادات النقابية التحررية “تمثل تصورا مستقبليا” لمجتمع يتمتع بالادارة الذاتية لشئونه يمكن تفسيرها على انها تعني ان الاتحاد النقابي نفسه يمسك بالادارة الاقتصادية والسياسية للمجتمع – والسينديكاليون قد يتكلمون هكذا في بعض الاحيان. وهذا قد يؤدي الى استنتاج ان الكونفدرالية نفسها قد تكون الهيكل الحاكم للحياة الاقتصادية والسياسية. من هنا “ديكتاتورية كونفدرالية العمل الوطنية”.

ولكن المفهوم السينديكالي للحياة السياسية المجازية، “بناء المجتمع الجديد في رحم القديم”،

لا يجب ان يفسر بهذه الطريقة. من الممكن ان نفهمه على انه يعني ان ممارسات وعادات ديموقراطية المشاركة المألوفة تقوم من خلال منظمات الاتحادات النقابية الجماهيرية ومن ثم ينعكس هذا في الهياكل الجديدة لادارة العمال للاقتصاد وهياكل الحاكمية السياسية، المنفصلة عن الاتحادات النقابية نفسها. كانت كونفدرالية العمل الوطنية ذات العضوية البالغة ٣٥٠ الف عضو هي منظمة العمال ذات الاغلبية في قطالونيا. كانت سوف تمتلك نفوذا عظيما على الاتجاه الذي سوف يأخذه هيكل السلطة السياسية الذي يشارك فيه الاتحاد العام للعمال (UGT) وفدرالية العمل للوحدة النقابية الماركسية (FOUS) كأقليات.

حديث مونتسيني عن “ديكتاتورية الكونفدرالية” دبجته هذه السيدة بعناية ليمتلك جاذبية للافكار المسبقة عند الاناركيين. ولكن ذلك الرأي لم يضع اطارا مناسبا للاوضاع التي كانت تواجه الكونفدرالية في ذلك الوقت. في الشهور التي تلت، سوف تصر الكونفدرالية على ان هدفها هو “انتصار الثورة البروليتارية”. النصر في هذا المسعى كان يتطلب ان تهدم الطبقة العاملة القواعد المؤسسية التي تقوم عليها سلطة الطبقات التي تهيمن على الطبقة العاملة وتستغلها.

القاعدة الاجتماعية التي قامت عليها الاحزاب السياسية الجمهورية في اسبانيا كانت طبقات البزنس الصغير والفئات المهنية والفئات التي تشغل الوظائف الادارية العليا. هذه الطبقات الاجتماعية كانت سوف تعارض لا محالة الثورة البروليتارية، حيث ان الاخيرة كانت ولا بد انها سوف تحل سلطة وامتيازات هذه الطبقات. اي سلطة سوف يحتفظ بها قادة الاحزاب القومية الجمهورية واحزاب الباسك الوطنية في الحكم سوف تستخدم لاعاقة عملية تمكين الطبقة العاملة. اكثر من ذلك، الحزب الشيوعي، منذ تبنيه للتوجه نحو “الجبهة الشعبية”، والجناح الاجتماعي الديموقراطي في حزب العمال الاشتراكي الاسباني، تحالف هذان الحزبان مع هذه الشرائح الوسطى المعادية للفاشية.

من ناحية اخرى، ومن الواضح بشكل مساوي، ان انتصار للطبقة العاملة كان يحتاج الى اقصى قدر من وحدة الطبقة العاملة. لم تستطع الكونفدرالية تجاهل ١.٤ مليون عامل في الاتحاد العام للعمال. وفي قطالونيا، كان هناك ايضا ٧٠ الف عامل في اتحادات فدرالية العمل للوحدة النقابية التابعة لحزب العمال للتوحيد الماركسي. جماهير اعضاء الكونفدرالية في كفاح الحياة او الموت ضد الجيش، كانت تصر على ضرورة ان تشكل الكونفدرالية تحالف مع منظمات الطبقة العاملة الاخرى. وكانت الكونفدرالية توا قد الزمت نفسها “بتحالف العمال الثوري” مع الاتحاد العام للعمال في الكونجرس الذي عقدته في مايو. وحدة الكونفدرالية مع الاتحاد العام في انتفاضة استورياس في اكتوبر ١٩٣٤ كانت مثالا يألفه كل فرد من الناس.

اذا لم تتمكن الكونفدرالية من الخروج ببرنامج عملي من اجل سلطة سياسية موحدة للطبقة العاملة، فقد كان هذا يعني ان البديل الوحيد سوف يكون تلك الاستراتيجية التي يروج لها الشيوعيين واحزاب الجبهة الشعبية الاخرى: وحدة من اعلى الى اسفل بين قادة وزعماء احزاب الجبهة الشعبية من خلال دولة جمهورية يعاد بناءها. لم يكن هناك اختيار اخر واقعي. اما ان تستولي الكونفدرالية على السلطة السياسية بالاشتراك مع اتحادات نقابية اخرى، او ان يقود الاحتياج الى الوحدة في الكفاح ضد الجيش الفاشي الى حل الجبهة الشعبية. في الحالة الاخيرة، سوف يعاد بناء الدولة الاسبانية – جهازا استبداديا تراتبيا يستخدم للدفاع عن مصالح الطبقات التي تهيمن على الطبقة العاملة.

ورغم ان جهاز الدولة الجمهورية كان منزوع السلاح بشكل مؤقت، بسبب تمرد الجيش القديم والشرطة القديمة وبناء ميليشيا العمال الثورية، الا ان جهاز الدولة كان مازال محتفظا بموارد ذات وزن ما دام سليما لم يمس. كان جهاز الدولة هذا يمتلك شرعية اجتماعية في عيون الطبقات الوسطى الجمهورية، وكان مسيطرا على النظام المالي للبلاد، واحتياطي الذهب والعملات الاجنبية والعلاقات التجارية. تقريبا بعد الانقلاب مباشرة بدأ الحزب الشيوعي حملته لاعادة بناء الدولة الجمهورية.

ومعنى هذا ان السؤال الحقيقي الذي واجهته الكونفدرالية كان هو كيف تخلق هيكلا مشتركا لحكم البلاد مع الاتحادات النقابية الاخرى، يكتسح من امامه جهاز الدولة القديم ويعمل على تأسيس سلطة الطبقة العاملة.

ما فعلته الكونفدرالية كان فعليا الالتفاف حول هذا الاستنتاج… ولكن ذلك اخذ منها ستة اسابيع اخرى من الجدل في الاتحاد.

لجنة الميليشيا المعادية للفاشية في قطالونيا لم تكن اداة “السلطة المزدوجة” للطبقة العاملة.

في الواقع زعماء الجبهة الشعبية سيطروا على اللجنة، بالضبط مثلما سيطروا على الحكومة. عدد اعضاء الكونفدرالية البالغ عددهم ٣٥٠ الف شخص كان لهم فقط ثلاث مقاعد من ١٥ مقعدا في اللجنة، مع مقعدين اثنين اخرين لفدرالية الاناركيين الايبيرية. الاتحاد العام للعمال الذي كانت عضويته ١٠٠ الف في قطالونيا، كان لديه ايضا ثلاثة مقاعد. اتحاد مزارعي اسكويرا احتل مقعدا واحدا. كان للاحزاب السياسية الجمهورية الممثلة للطبقة الوسطى اربعة نواب.

خلال ايام بعد الانقلاب العسكري، تشكلت منظمة سياسية جديدة في قطالونيا – الحزب الاشتراكي الموحد لقطالونيا (PSUC). تشكل هذا الحزب من اندماج اربعة احزاب صغيرة: قسم من حزب العمال الاشتراكي الاسباني (PSOE) في قطالونيا، والحزب الشيوعي القطالوني (PCC) والحزب البروليتاري (وهو جماعة عمالية قطالونية قومية)، والاتحاد الاشتراكي (وهي جماعة ديموقراطية اجتماعية). الحزب الاشتراكي الموحد لقطالونيا، ٦ الاف عضو، اصبح فرعا للحزب الشيوعي الاسباني (PCE) التابع لخط موسكو في قطالونيا. احتل الحزب الاشتراكي الموحد لقطالونيا مقعدين اثنين في لجنة الميليشيا المعادية للفاشية، رغم ان حزب العمال لتوحيد الماركسيين (POUM) الاكثر عددا احتل مقعدا واحدا .

فدرالية العمل للوحدة النقابية الماركسية (FOUS) ذات الـ ٧٠ الف عضو لم يكن لها ممثلين. في اغسطس زعماء الكونفدرالية الاقليميين في قطالونيا يدخلون في صفقة مع الاتحاد العام للعمال من اجل السماح فقط لحاملي بطاقات الاتحادات النقابية لكلا المنظمتين بالدخول في نظام حصص الطعام الذي نشأ في اعقاب الانقلاب الفاشي. وقد اجبر هذا الاجراء حل فدرالية العمل للوحدة النقابية الماركسية (FOUS). كان هذا خطأ طائفيا من جانب قادة السينديكالية الاناركية. كان الخط السياسي لحزب العمال لوحدة الماركسيين (POUM) اقرب لخط الكونفدرالية منها لخط الشيوعيين الموالين لموسكو. وسرعان ما دعم الشيوعيون سيطرتهم على الاتحاد العام للعمال في قطالونيا. لو تركت فدرالية العمل للوحدة النقابية (FOUS) سليمة لم تمس لتوفر للكونفدرالية حليفا هاما.

برهنت لجنة الميليشيا المعادية للفاشية على عدم فاعليتها. لم تكن هناك سياسة موحدة او

تنسيق حقيقي. كل منظمة استخدمت مواقعها كما تهوى وتريد. فدرالية مزارعي اسكويرا، والحزب الاشتراكي الموحد لقطالونيا وحزب العمال لوحدة الماركسيين كل من هذه المنظمات امتلكت فرق ميليشياتها الخاصة، متباعدة بها عن ميليشيا اتحادات الكونفدرالية الاوسع والاكثر عددا. كل واحدة من هذه المنظمات الاربع ادارت ميليشيتها ووفرت لها نظام امداد خاص بها وحدها. كان هذا هو النسق في اسبانيا كلها. لم تكن تلك هي الطريقة الفعالة لادارة كفاح مسلح ضد الجيش الفاشي. كان هناك فشلا عاما في التنسيق.

نشطاء ا لكونفدرالية القياديون وقادة الميليشيا رأوا حاجة واضحة لقيادة موحدة ونظم امداد وتدريب موحدة. وإن لم يستطعوا القيام بذلك نحو الميليشيا، فلسوف يكون هناك بالتأكيد ضغوط من اجل اعادة خلق جيش تقليدي تديره الدولة الجمهورية. خلال ايام من الانقلاب العسكري، بدأ الحزب الشيوعي دق الطبول من اجل اعادة خلق عسكرية تقليدية تتخذ الاوامر من اعلى الى اسفل.

كان من الممكن انقاذ نظام الميليشيا لو كانت الكونفدرالية قد تمكنت من ايجاد طريقة لخلق ميليشيا موحدة. الطريق الوحيد لصنع ذلك كان سوف يكون خلق هيكل حكم عمالي موحد لكل اسبانيا. كانت الاتحادات النقابية في حاجة للاستيلاء على السلطة.

لمعارضة السعي نحو اعادة بناء جيش هرمي تراتبي قديم، القى جارسيا اوليفير بخطاب في ١٠ اغسطس، مناديا بجيش ثوري للشعب:

“جيش الشعب الخارج من رحم الميليشيا يجب ان ينتظم على مبادئ جديدة. سوف ننظم مدرسة عسكرية ثورية ندرب فيها الضباط الفنيون الذين لن يكونوا نسخة كربون من الضباط القدامى، ولكن بالاحرى وببساطة فنيين يتبعون تعليمات الضباط الذين اثبتوا ولاءهم للشعب والبروليتاريا “.

في اجتماع شامل اخر للكونفدرالية في قطالونيا في اخر ايام اغسطس، جارسيا اوليفير، شاعرا بالاحباط والسخط من عجز لجنة الميليشيا المعادية للفاشية، اقترح مرة اخرى ان تستولى الكونفدرالية على السلطة، وان تلغي الجمهورية الاقليمية، وتقيل زعماء الاحزاب السياسية من اي دور، وتختزل دور الاتحاد العام للعمال الى اقلية، متماشيا مع حجمها في قطالونيا .

في ٣١ اغسطس، خوسيه جيرال، رئيس الوزراء في مدريد، اخبر عضوا في لجنة الكونفدرالية الوطنية: “كل شيء بين ايدي الكونفدرالية! الكونفدرالية تدير الحرب كما تريد ولكن دون المشاركة في المسئوليات العليا. احكموا! استولوا على السلطة! “.

في الاخير، اقيم مؤتمر لكامل الهيئة القومية للكونفدرالية في ٣ ديسمبر، بناء على اصرار الوفد الاقليمي لقطالونيا، وقررت الكونفدرالية التقدم باقتراح تشكيل حكومة عمالية ثورية لتحل محل الحكومة القومية للجبهة الشعبية: مجلس دفاع وطني يتكون من سبع مندوبين من الاتحاد العام للعمال وسبعة من الكونفدرالية، مع لارجو كاباليرو رئيسا . المجلس الوطني سوف يكون جزءا من نظام فدرالي مع مجالس دفاع اقليمية. سلطات هذه المجالس سوف تكون مقصورة على وظيفة الدفاع الذاتي الاجتماعي – “محاكم الشعب”، وميليشيا الشعب الموحدة. لن يكون لمجالس الدفاع اي سلطة للتدخل في ادارة الصناعة؛ سوف تدار الصناعات بواسطة العمال. كتب عميل روسي في اسبانيا رسالة للسلطات السوفيتية قال فيها: “وجد التفكير في خلق مثل هذه المجالس استجابة واسعة حتى بين الجماهير التي لم تكن تحت سيطرة نفوذ الاناركيين” . اقترحت الكونفدرالية ميليشيا الشعب الموحدة التي سوف تقوم بالسيطرة على “مفوضيات الكونفدرالية والاتحاد العام للعمال المشتركة” . سوف يكون لدى العمل المنظم احتكارا للسلطة المسلحة في اسبانيا.

ومع ذلك، فات الوقت بالنسبة للكونفدرالية. طوال الستة اسابيع الاولى بعد الانقلاب العسكري، ترأس الحكومة في مدريد ليبراليون عاجزون بلا فعالية. ومع ذلك، لارجو كاباليرو، السكرتير التنفيذي للاتحاد العام للعمال، كان قد اصبح توا رئيسا للوزراء في اوائل سبتمبر. وصرح كاباليرو علنا ان الثورة يجب عليها ان تجمد حركتها حتى نهزم الجيش الفاشي. مارسيل روزنبرج، السفير السوفيتي، حذر كاباليرو من ان اقتراح الكونفدرالية سوف يدمر “الشرعية الدولية” للجمهورية الاسبانية. مانويل ازانيا، رئيس الجمهورية، هدد بالاستقالة. ممثلو الكونفدرالية، لمجاملة الشيوعيين، عقدوا لقاءا مع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الاسباني واكدوا لهم ان كوادرهم في نقابات الاتحاد العام للعمال تعتبر تمثيلا لهم في السلطة المقترحة.

تاريخ لارجو كاباليرو والاشتراكيون اليساريون كان تاريخا من التأرجح. كانوا يتكلمون عن “الثورة البروليتارية” في لحظة، ثم يتراجعون بعدها لمواقف اشتراكية ديموقراطية معتدلة في اللحظة التالية. لاعطاء شخصية كاباليرو بعض القوة، احتاج الامر وضعه في موقف حرج. في قطالونيا كانت الكونفدرالية تمتلك المقدرة على شطب الحكومة الاقليمية ببساطة وتنفيذ اقتراح مجلس مشترك للحكم مع الاتحادات النقابية الاخرى. ولكن القيام بذلك كان سوف يجبر الاتحاد العام للعمال على تطبيق هذا الحل في كل انحاء اسبانيا.

انشئت مجالس للدفاع الاقليمي في استورياس واراجون. مجلس استورياس تشكل من ١٥ عضوا، بأغلبية من الاتحاد العام للعمال. اخذ الجمهوريون من الطبقات الوسطى مقعدان فقط. في اراجون فكرة المبادرة بتشكيل مجلس دفاع اقليمي تسيطر عليه الكونفدرالية جاءت من الاتحادات النقابية في القرى التابعة للكونفدرالية في منطقة اراجون التي حررتها الميليشيا العمالية.

ولكن قطالونيا كانت اكثر اهمية بكثير من مقاطعتي استورياس واراجون الريفيتان. كان لقطالونيا ثلاث ارباع طاقات اسبانيا الصناعية واوسع مدينة في اسبانيا. لو كانت حكومة قطالونيا الاقليمية قد استبدلت بهيكل حكم الطبقة العاملة، لم يكن يستطيع كاباليرو تجاهل ذلك. ولكن بدلا من ذلك، ذهبت كونفدرالية قطالونيا في الاتجاه المضاد. انضمت الكونفدرالية الى الحكومة الاقليمية في ٢٦ سبتمبر. وقد نسف ذلك بالكامل قدرة الكونفدرالية على المقايضة مع كاباليرو لانها بذلك اخبرته انها غير جادة في مقترح مجلس الدفاع.

وبينما كانت المفاوضات تدور في مدريد بين الكونفدرالية والاتحاد العام للعمال حول مجلس الدفاع الوطني، اقام ادواردو دي جوزمان محرر صحيفة الكونفدرالية المسماة “كاستيلا ليبرا” في مدريد. في رأيه، مبادرة تشكيل حكومة الطبقة العاملة في مدريد عرقلها فشل الكونفدرالية في الاستيلاء على السلطة في برشلونة. وحتى لو لم يكن التنفيذ الكامل “للشيوعية التحررية” ممكنا في هذه اللحظة، كان من الممكن خلق “حكومة بروليتارية – ديموقراطية طبقة عاملة شاملة تمثل فيها كل قطاعات البروليتاريا – ولكن البروليتاريا وحدها… ان تصنع ثورة، يجب الاستيلاء على السلطة. لو كانت الكونفدرالية فعلت ذلك في قطالونيا، لكانت قد ساعدت، ولم تعق، وضعنا كاقلية في مدريد. ولكنهم اعتقدوا ان السيطرة على الشارع لا تكفي، ولا ان تكون مسيطرا على السلاح. لقد اغفلوا بالكامل اهمية جهاز الدولة”.

طبقا لما قاله جوزمان، “كانت البرجوازية الصغيرة لا محالة معارضة للبروليتاريا. كان الشيوعيون يجندون اعضاءا من هذه الطبقة، وكان من المقدر للتحالف مع الجمهوريين من البرجوازيين الصغار ان يمنح هذا المعسكر قوة اذا ما اعيد تأسيس الحكومة الاقليمية والحكومة المركزية”. اعتقد جوزمان ان تلك كانت غلطة الكونفدرالية، الا تندفع نحو اقامة حكومة الطبقة العاملة من البدايات الاولى حين انعدم على الاطلاق وجود حكومة ذات فعالية في مدريد”. في رأيه، “ضاعت لحظة ثورية حملت في ثناياها وعدا عظيما “.

افترض دي جوزمان وجود تشوش حول مفهوم “رفض العمل السياسي” في الكونفدرالية. في رأيه ان ذلك كان يجب ان يعني “ببساطة الا نشارك في مهزلة الانتخابات البرلمانية “. وهو ليس مثل القول بأن العمل السياسي – هيكل الادارة الشعبية للحكم – امر ضروري من اجل استبدال الدولة. وبالضبط مثل تشديد السينديكاليين على أن استمرار وتواصل الانتاج الاجتماعي يتم الحفاظ عليه وصيانة استمراره عبر عملية التحول الاجتماعي، نفس المنطق يمكن تطبيقه على الوظائف السياسية – صنع وتنفيذ القوانين الاساسية في المجتمع. تلك الوظائف هي ايضا وظائف ضرورية.

استجابة لهموم الاشتراكيين وهواجسهم حول ولاء “البرجوازية الصغيرة المعادية للفاشية”، عدلت الكونفدرالية مقترحها بمجالس الدفاع الوطنية، في اجتماع لكامل هيئتها الوطنية في منتصف سبتمبر، فاصبح المجلس يتشكل من خمس مندوبين عن الكونفدرالية، وخمسة من الاتحاد العام للعمال، واربعة ممثلين للاحزاب الجمهورية. بهذا التعديل، تبنى احد الاحزاب الجمهورية الصغيرة – الجمهوريون الفدراليون – مقترح الكونفدرالية. ولكن لارجو كاباليرو استمر في رفض الاقتراح باعتباره “قفزة خارج اطار الدستور”. بانضمام الكونفدرالية للحكومة الاقليمية في قطالونيا، عرف كاباليرو ان الكونفدرالية ليست جادة في اقتراحها. قدم كاباليرو اقتراحا مضادا: ان تنضم الكونفدرالية لحكومة الجبهة الشعبية القائمة.

وفي النهاية، وفي اجتماع اخر لكامل هيئة الكونفدرالية في ٢٨ سبتمبر، هوراشيو برييتو،

سكرتير جماعة الثلاثينيين القومية في الكونفدرالية، دفع في اتجاه قبول عرض كاباليرو. عارض وفد قطالونيا هذا الرأي بعناد. التنظيم الاقليمي في قطالونيا لم يكن منسجما في الرأي – فقد عارض ان تقوم الكونفدرالية على المستوى القومي بفعل ما كانوا قد فعلوه هم في قطالونيا.

الكونفدرالية في الاخير، وقد فشلت في تخطيط مسارا متماسكا لتوحيد الطبقة العاملة في بنائها لهياكل حكم جديدة، واستبدال الدولة الجمهورية، انضمت الى الحكومة القومية للجبهة الشعبية في ٣ نوفمبر، واحتلت اربعة مقاعد فقط من ١٨ مقعد وزاري . في اللقاء الاول للحكومة الجديدة، اقترح خوان بييرو ان توافق الحكومة على شرعية تحويل الاقتصاد الاسباني كله الى الشكل التعاوني. اوقف هذه المبادرة اعتراض الجمهوريون من الطبقات الوسطى، والقوميون من اقليم الباسك، وحلفاءهم الشيوعيون والاشتراكيون الديموقراطيون.

خلال شهر اكتوبر كله، الصحيفة اليومية للكونفدرالية في برشلونه، سوليداريداد اوبريرا، صعدت حملة كبرى تدعو لمقترح مجلس دفاع قومي مشترك بين الكونفدرالية والاتحاد العام للعمال. الان وقد اختارت الكونفدرالية التعاون من خلال جبهة شعبية، ارادت اللجنة الاقليمية للكونفدرالية خطا “ثوريا اقل صلابة” في هذه الصحيفة. من بين هيئة التحرير الذين اقيلوا بسبب معارضتهم لسياسة التعاون مع الجبهة الشعبية كان الصحفي المعوق، حاييم باليوس ومدير تحرير الصحيفة، ليبرتو كاليخاس. سوف يظهر كلا من باليوس وكاليخاس فيما بعد على سطح الاحداث في محاولة لاعادة احياء مقترح مجلس الدفاع العمالي في ربيع ١٩٣٧.

*********************

مصدر : الاناركية مجتمع بلا رؤساء او المدرسة الثورية التي لم يعرفها الشرق

إعداد وعرض: احمد زكي

الاناركية الثورة الروسية في اوكرانيا  ١٩١٧ – ١٩٢١

Advertisements

وەڵامێک بنووسە

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / گۆڕین )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / گۆڕین )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / گۆڕین )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / گۆڕین )

Connecting to %s